الهامشيون في إسرائيل   
الاثنين 1426/4/8 هـ - الموافق 16/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:59 (مكة المكرمة)، 11:59 (غرينتش)

عرض/نزار رمضان                 
يقدم هذا الكتاب محاولة لقراءة شاملة للحالة السياسية في إسرائيل والتي نشأت كانعكاس لوضعية الصدام بين المجموعات الإثنية وممثليها من النخب السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية، وأدت إلى حالة من انعدام الاستقرار بسبب السياسة الإسرائيلية التي تمر بفترة انقلاب حقيقية.

 

- اسم الكتاب: الهامشيون في إسرائيل
- المؤلف: د.أسعد غانم
- عدد الصفحات: 378
- الطبعة: الأولي، 2005
- الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)

ويعتبر مسلسل الانتخابات الإسرائيلية وما تبعه من نتائج المؤشر الأكبر لهذه الظاهرة، فقد قدمت كل انتخابات إسرائيلية جديدة خلال العقد الأخير دلائل إضافية على عدم القدرة للوصول إلى توازن معقول لتسهيل عملية اتخاذ القرارات الإدارية المعقولة للدولة وبيان علاقاتها مع الشعب الفلسطيني وبقية دول العالم وشعوبه.

الإثنوقراطية اليمينية

يعتبر النظام الإثنوقراطي في إسرائيل والذي يبحث عن المصلحة الخاصة لليهود الأشكناز في الوقت الذي يعمل ضد المجموعات الأخرى، هو الخلفية لظهور هويات إثنية قوية تستمد شرعيتها من طبيعة النظام الإسرائيلي ككل.

 

هذه الإثنيات نحت جانبا الهوية الإسرائيلية، وأصبح همها الأكبر إملاء أجندة سياسية خاصة على الحكومة والمجتمع الإسرائيلي، مغلفة بطابع وترانيم يمينية أدت إلى عدم الاستقرار السياسي.

 

ولقد أظهرت حملات الانتخابات في العقد الأخير في إسرائيل هذه الهوة بين الإثنيات المختلفة، وأبرزت مشاعر الاغتراب التي تراكمت ضمن كل مجموعة والتي أدت إلى صدوع وتشتتات كثيرة في جدار الدولة العبرية.

 

المؤلف ومن خلال استعراضه لهذه الأزمة تمكن في دراسته هذه من عرض المشكلة وتبيان واقع هذه الجماعات الهامشية، مبينا وشارحا النضال الذي خاضته في إسرائيل من أجل تحصيل حقوقها وحقوق جماهيرها من خلال مجابهة ليست بالسهلة مع الإخطبوط الأشكنازي.

 

حيث يرى أن عدم الاستقرار السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي له مغزى محلي فيما يتعلق بالتضامن الداخلي الذي يعتبر أهم أهداف الحركة الصهيونية التي تسعى إلى تحقيق سياسات بناءة للمستقبل اليهودي، تتمثل في تحقيق مشروع الحركة الصهيونية القائم على خلق أمة يهودية إسرائيلية.

 

هذا المشروع الذي فشل فعلا أمام ضغوطات الجماعات الإثنية وخاصة الحركة الأشكنازية التي تبحث عن مصالحها الخاصة وتحطم مصالح غيرها، وهذا هو السبب الرئيس لحالة عدم الاستقرار التي انعكست على الحكومة والشعب في إسرائيل، بل والشعب الفلسطيني أيضا وعلى وجه الخصوص الأقلية الفلسطينية التي تعيش داخل الدولة اليهودية.

 

ويؤكد الباحث أن هذه الإثنية الضيقة ستشكل عائقا أمام عملية البناء الديمقراطي الإسرائيلي والذي يقتضي احترام الجميع الذين يستظلون بقانون الدولة وخاصة من الجماعات الضعيفة مثل اليهود الروس واليهود الشرقيين، والعرب الفلسطينيين، والأقليات الإثيوبية وغيرهم.

 

الفلسطينيون في إسرائيل

"
يشكل الفلسطينيون داخل الدولة العبرية  تناميا غير مرغوب فيه من وجهة النظر الإسرائيلية بصفة عامة والأشكناز على وجه الخصوص، ويعتبرون أقلية مناوئة للأخطبوط الأشكنازي  "
يرى الدكتور غانم أن الفلسطينيين داخل الدولة العبرية يشكلون تناميا غير مرغوب فيه من وجهة النظر الإسرائيلية بصفة عامة والأشكناز على وجه الخصوص، بل يعتبرون أقلية مناوئة للأخطبوط الأشكنازي داخل الدولة.

 

كما يرى أن التطورات الديمغرافية للفلسطينيين في إسرائيل بالإضافة إلى التغيرات التي طرأت على مبنى البلدة العربية داخل فلسطين المحتلة، هي قضايا حاسمة في هذا المضمار.

 

ويشير إلى أنه عام 2004 وصل تعداد الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الخط الأخضر إلى نحو مليون نسمة مشكلين بذلك ما نسبته 16.5% من مجموع سكان الدولة العبرية، الأمر الذي جعل هذا التزايد السكاني يؤدي إلى تضخم البلدات العربية وتحولها إلى مدن.

ويتناول البعد الديني للفلسطينيين في إسرائيل، مبينا أن 80% منهم مسلمون، و10% مسيحيون، فيما يشكل الدروز10% أيضا، وبسبب إثنية الدولة العبرية وصهيونيتها، فإن الرأي العام الإسرائيلي يعتبر الأقلية العربية معادية في توجهها للدولة ويؤكد على أن:

 

ـ العرب يشكلون أقلية معادية في إسرائيل ينبغي مراقبتها.

ـ العرب مدينون بالامتنان لإسرائيل إزاء ما تحقق لهم من تطور وتقدم منذ عام 1948م.

ـ دولة إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي، وهي دولة صهيونية يهودية، ويتعين على العرب الاكتفاء بحقوق فردية محدودة دون المطالبة بالاعتراف بهم كقومية.

ـ على العرب التسليم بالأمر الواقع داخل الدولة العبرية كونهم خارج محاور القوة ودوائر صنع القرار.

 

ورغم كل المعطيات التي تدفع تجاه تقويض نشاطات الفلسطينيين السياسية داخل الدولة العبرية، إلا أنهم يشكلون حركة سياسية تعمل ضمن أربعة تيارات:

 

1ـ التيار العربي الإسرائيلي، المندمج مع الدولة العبرية في سياساتها وثقافاتها.

 

2ـ التيار الشيوعي، والذي يشكل وحدة حال سياسية مع التيار الشيوعي الإسرائيلي.

 

3ـ التيار القومي الفلسطيني، والذي يشكل العديد من الأحزاب العربية المناهضة للسياسة الإسرائيلية، حيث يضم الحركة العربية الشعبية، حركة الأرض، حركة أبناء البلد، الحركة التقدمية، الحزب الديمقراطي العربي، التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير.

 

4ـ التيار الإسلامي، والذي نشأ وتأثر بحركة الإخوان المسلمين، وحركة حماس في الضفة والقطاع.

 

وتتضامن هذه الحركات مع آمال وآلام الشعب الفلسطيني المحتل في الضفة والقطاع تضامنا اجتماعيا وسياسيا ونضاليا، في الوقت الذي ترى فيه الدولة العبرية هذه النشاطات خارجة على القانون، بل تعتبرها دعما للإرهاب.

 

الدين والسياسة

"
من أجل المشروع الديني العنصري لم يقتصر اليهود على خلق جمهور يلتف حول الأخلاقيات التأسيسية، بل تم استقدام جموع كثيرة من اليهود حول العالم، على أسس عقدية وتراثية
"
يعتبر اليهود في رأي الدكتور غانم أن نقطة الحقد العالمي، بدأت ضدهم من خلال المحاكمة المشهورة التي جرت لضابط يهودي فرنسي يدعى درايفوس اتهم بالتجسس لصالح ألمانيا عام 1896م، والتي شكلت نقطة تحول تاريخية سميت بالحرب اللاسامية، الأمر الذي دفع اليهود للبحث عن وطن ودولة تحمي شتات اليهود من الاضطهاد كما يصف الباحث.

 

وكانت فلسطين بالنسبة لهم الملاذ الديني والعقدي حتى العظم، مما جسدها لتكون نغما في ترانيمهم الدينية والوجدانية، حيث نقل الدكتور غانم بعضا من هذه الترانيم التي يقولها كل عريس يهودي يوم زفافه الجملة الشهيرة: "إذا ما نسيتك أورشليم، تنساني يميني".

 

ومن أجل هذا المشروع الديني العنصري، لم يقتصر القائمون عليه على خلق جمهور يلتف حول الأخلاقيات التأسيسية للكيان المطلوب، بل تم استقدام جموع كثيرة من اليهود حول العالم، على أسس عقدية وتراثية.

 

ويصف الكاتب في دراسته أن صهيونية اليهود الدينية تمحورت في عقائد لاهوتية ثلاث:

 

- عقيدة الحريديم: وهي تعتبر الصهيونية إثما وكفرا بفرائض الله، حيث يحذر على اليهودي الحريدي العمل على استقدام الخلاص للشعب اليهودي بوسائل استيطانية وسياسية وعسكرية، بل ينبغي أن يتم ذلك بالصلاة والفرائض فقط.

 

- عقيدة التيار الصهيوني المتدين: حيث يرى هذا التيار أن الواقعية السياسية الصهيونية هي الحل، وأن الصهيونية هي سبيل الإنقاذ للشعب اليهودي، ولا يكون ذلك إلا من خلال استعجال قدوم المسيح المنقذ.

 

- الخلاص من خلال الحركة الصهيونية: حيث اعتبر الحاخام أبراهام يتسحاق كوهين كوك أحد أبرز قادة هذا التيار أن أرض إسرائيل ليست أمرا خارجا على الأمة وليست وسيلة، وإنما هي هدف ينبغي أن يضحى من أجله بكل السبل.

 

الدين والدولة

"
يشكل قانون "من هو يهودي" المرجع الأول لاعتماد مواطني الدولة على أنهم يهود أم غير ذلك، مما أخرج طوائف بأكملها من هذه الدائرة كما هو الحال مع اليهود الإثيوبيين والروس 
"
تحكم الدولة العبرية -كما وصف الباحث- بالديمقراطية اليهودية التي يشرف عليها الحاخامات، حيث يشكل الدين بالنسبة لهم محور الصراع، وخاصة مع العلمانيين والليبراليين.

 

كما يعتبر قانون "من هو يهودي" بمثابة الإشكالية العظمى، والذي هو صاحب الصلاحية الأولى باعتماد مواطني الدولة على أنهم يهود أم غير ذلك، الأمر الذي أخرج طوائف بأكملها من هذه الدائرة كما هو الحال مع اليهود الإثيوبيين وعشرات الآلاف من اليهود الروس الذين ينتمون للمسيحية أصلا.

 

هذا القانون الذي تتحكم فيه الحاخامية الكبرى، وأبرز شروطه أنه لن تعتمد يهودية أي مواطن داخل الدولة إن لم تكن أصوله يهودية، وعلى وجه الخصوص: إن لم تكن أمه يهودية، هذا بالإضافة إلى القوانين التي فرضتها الحاخامية تجاه المؤسسات داخل الدولة والتي تلزمها بالتصرف اللائق حسب الدين اليهودي.

 

ويبقى قانون الخدمة العسكرية هو الثغرة الكبرى التي تعتبر عنوانا للتسيب، حيث يتم خدش الديمقراطية اليهودية، كما يرى العلمانيون في الدولة وهم يشاهدون المتدينين وقد تم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية.

ويكشف الكاتب عن حقيقة الصراع الديني داخل الدولة العبرية، هذا الصراع الذي تحول من صراع عقائد ودين إلى صراع مصالح وسياسات، فالأحزاب الدينية المعاصرة اكتسبت وجودها من أحزاب وأفكار قديمة نشأت نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي.

 

فحزب مفدال مثلا هو وريث لحركة همزراحي التي أسست عام 1902م، وهي تبرز خفايا الصراع الديني من خلال صراع الحاخامات.

ويشير الباحث إلى أنه عندما أنهى الحاخام الشرقي عوفيديا يوسف ولايته العام 1983م وقد شعر بالإهانة لعدم انتخابه لولاية أخرى، كان مصمما على تقويم الاعوجاج كما يسميه، حتى ولو كلف ذلك انشقاق أو تصدع المعسكر الحريدي.

 

ويضيف أنه في تلك الفترة وقع انقسام غير مسبوق في مجلس كبار علماء التوراة الذي يعتبر المرجعية الروحية لـ حركة "أغودات إسرائيل" حيث تم عمليا إقصاء الحاخام إليعازر شاخ زعيم جمهور المتدينين الحريديم.

 

وتعتبر حركة شاس أحد أبرز الحركات الدينية اللاعبة في المعسكر الديني حيث تمثل التيار الديني الشرقي، إلا أنها تطبعت بصهيونية اليهود الأشكناز وذلك بسبب مصالحها المادية الخاصة بالطائفة.

 

فيما تلعب حركة غوش أمونيم المتطرفة والتي تعتبر أحد امتدادات الحاخام المتطرف مئير كهانا دورا عنصريا مميزا، وهي التي جندت الدين في خدمة الاستيطان، ولهذا فهي في صراع مع جميع الحكومات من أجل الحصول على امتيازاتها الخاصة في دعم المستوطنات والوجود الاستيطاني في الضفة والقطاع والقدس الشرقية.

 

اليهود الشرقيون

"
يُعزل اليهود الشرقيون في أحياء قذرة وفقيرة في إسرائيل، ويسكن الكثير منهم في مساكن العرب القديمة التي تم هجرها بسبب النكبة، في الوقت الذي يسكن فيه اليهود الأشكناز في أحياء جديدة راقية
"
يرى الكاتب أن التيار الأشكنازي يسعى جاهدا لطمس الثقافة العربية لليهود الشرقيين، ففي الوقت الذي نرى فيه تمييزا في الدعومات والموارد المادية للأشكناز، فهي تقدم للشرقيين بعضا من ذلك بمشقة، ويضاف إلى ذلك حرمان زعمائهم من المناصب الهامة في الدولة.

 

ويتعرض اليهود الشرقيون إلى محنة واضحة على الصعيد الاجتماعي أيضا، فهم معزولون في أحياء قذرة وفقيرة في إسرائيل، إذ يسكن الكثير منهم في مساكن العرب القديمة التي تم هجرها بسب النكبة، في الوقت الذي يسكن فيه اليهود الأشكناز في أحياء جديدة راقية بعيدة عن أماكن القاذورات والمناطق الصناعية وفضلاتها، إضافة إلى فوارق في التعليم أيضا.

ويقول اليهود الشرقيون إنهم يدفعون ثمنا غاليا جراء عنصرية الدولة، وقوة اتحاد اليهود اليمينيين الذي أسس عام 1923م ولعب دورا هاما في حرمان اليهود الشرقيين من حقوقهم جراء ثقافتهم.

هذه الحرب والملاحقة المبرمجة دفعت ببعض زعماء اليهود الشرقيين إلى الالتحاق بصفوف أبرز حركات اليمين "حزب ليكود"، كما فعل ديفد ليفي اليهودي الشرقي الذي ولد في الرباط عام 1937م.

 

هكذا يبدو المشهد الإثني داخل الدولة العبرية، صراعا مستفحلا وعدم ثقة بالمعسكر العربي الفلسطيني الذي يشكل 16.5% من عدد السكان وله هويته المعادية للدولة الديمقراطية الصهيونية، إضافة إلى الصراع اليهودي العلماني، كل ذلك جنبا إلى جنب مع الصراع اليهودي اليهودي، والذي يشكله الصدع المزراحي الأشكنازي، خاصة ما بين اليهود الشرقيين والغربيين... إنها معادلة متراكمة في خلافاتها يصعب أن تستقر أو تبقى على حالها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة