ما بعد الاستشراق   
الخميس 1429/5/4 هـ - الموافق 8/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 9:56 (مكة المكرمة)، 6:56 (غرينتش)

عرض/ محمد تركي الربيعو
يرى المفكر العراقي فاضل الربيعي في كتابه الجديد "ما بعد الاستشراق"، أنه إذا كان عصر الاستشراق الكلاسيكي الذي كان يعمل من داخل حقل السياسة قد زال واختفى نتيجة غياب الاستعمار القديم، فإننا نحن العرب والمسلمين نجد أنفسنا اليوم -خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001- أمام نوع جديد من الاستشراق يمكن تسميته "ما بعد الاستشراق" الذي هو تطوير بأدوات جديدة للاستشراق الكلاسيكي.

-الكتاب: ما بعد الاستشراق.. الغزو الأميركي للعراق وعودة الكولونياليات البيضاء
-المؤلف: فاضل الربيعي
-الصفحات: 305
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى 2007
غير أن ما يقض مضجع الربيعي في هذا الكتاب بشكل كبير ليس ما يتعلق بتلك الصور النمطية المتخيلة عن العرب والمسلمين والتي ينتجها الغرب يوميا في إعلامه وأفلامه الهوليودية،
بل إن ما يؤرقه بالفعل هو دور ذاك المثقف العربي الذي بات مفعما عن بكرة أبيه بصور الاستشراق وآرائه، والذي رافق موكب نائب "الملك" الأميركي بريمر وهو يدخل أبواب بغداد.

وليتحول بعد الغزو الأميركي للمنطقة إلى إحدى أدوات الاستشراق الجديد الذي باتت مهمته الأساسية إنتاج نفس الأساطير التي ينتجها الغرب ولكن بنكهة عربية، هذا بالإضافة إلى أن كل مساعيه لعقد بيان من أجل الحرية قد تحول إلى بيان من أجل تبرير عودة الاستعمار.

بدوي في شوارع أمستردام
يحدثنا المؤلف في هذا الفصل عن حادثة مثيرة للانتباه جرت بعد احتلال بغداد بأيام قليلة فقط، إذ وقفت مطربة المقام العراقية فريدة محمد علي لتغني في دار الأوبرا الهولندية بمصاحبة الأوركسترا الملكية، أول أغنية مقام عراقي بلغة هولندية.

فامتزج في تلك الليلة الصوت الشرقي القادم من بلاد "ألف ليلة وليلة" الأسطورية بنفخات البوق الصادرة من آلة الفلو الغربية، حيث كانت تتحدث الأغنية عن تجربة وصول اللاجئين العراقيين إلى الغرب فتقول:

بملابسنا الرثة والمتسخة
وصلنا متأخرين إلى المدن النظيفة الأنيقة
وهذه الأيدي البيضاء
التي تقودنا من معاصمنا
بأصواتنا الغريبة
وذكرياتنا الصحراوية
يا إلهي لقد وصلنا ولكننا ما زلنا تائهين

جاءت هذه التجربة برأي المؤلف لا لتعلن عن ولادة تجربة ثقافية تصالحية بين الشرق والغرب، وإنما بدرجة أكبر لتعلن عن ولادة عصر ما بعد الاستشراق، بحيث باتت الأسواق والشوارع مليئة برجال من البدو التائهين أصحاب الذكريات الصحراوية والأصوات الغريبة، والذين يرتدون ملابس خشنة ورثة، ونساء محجبات زائغات البصر ومثيرات للفضول.

ولكن هذه المرة مع اختلاف جوهري عن عصر الاستشراق الكلاسيكي، في أن هذا البدوي المتوحش ذا الأسنان الطويلة قد بات يتجول مسحورا في شوارع الغرب النظيفة بدلا من طرق الشرق الصحراوية المليئة بالذئاب.

هذا بالإضافة إلى أن أهم ما لامسته وكشفته كلمات الأغنية بقوة ساطعة هي الروح الاستعمارية القديمة التي كانت حينئذ تستيقظ على نحو مفاجئ في أوساط الطبقة السياسية اليمينية في أوروبا والمؤيدة للغزو، والداعية إلى اقتحام الغابة الشرقية المسلمة من أجل اقتلاع لصوصها وبرابرتها المتوحشين والذي يقودهم زعيم شرير اسمه صدام حسين، والتي انطلقت للتو بمشاركة مجموعة من الجنود الهولنديين الحاملين على أكتافهم البيضاء أولئك البدو العميان الذين حصلوا على ملابس نظيفة، ولتقوم بتنصيبهم كزعماء وقادة مجالس قبائلية.

من رحلات الاستشراق الأولى إلى ما بعد الاستشراق
يرى المؤلف في هذا الفصل أنه إذا كان الاستشراق القديم هو الذي صمم الصور الزائفة للعراق بوصفه مماثلا للهند أو على نحو ما امتدادا له، وهذا ما سخر منه بمرارة وفي وقت مبكر نسبيا رجل الدين العراقي باقر الشيباني عام 1929 عندما وقف في مواجهة الحاكم العسكري للنجف مستر كراين ليبلغه بأن الصورة بأكملها زائفة وتلفيقية.

"
إذا كان البريطانيون قديما توجهوا صوب بغداد من أجل قتال المستبدين أو الظلاميين الرجعيين الذين لا يراعون مشاعر السكان العرب، فإن الأميركيين اليوم لا يرون في المعركة الدائرة سوى استكمال لمعركة أخرى، إذ إنهم ذاهبون إلى محاربة طالبان عراقية في جبال قندهار أخرى
"
في هذا الوقت بالذات كان البريطانيون يأخذون العراق من معصميه ليقودوه في دروب الغرب الطويلة. ولمدة عقود سيرى العراق نفسه وقد أضحى هدفا لتخيل من نوع جديد، فلن يعود لا صفويا ولا معتمرا للطربوش التركي، بل ليتحول إلى "عراق هندي"، وبعدها في عصر الاستشراق الجديد إلى "عراقي أفغاني".

وكما أن البريطانيين كانوا يتوجهون صوب بغداد من أجل قتال "المستبدين" أو" الظلاميين الرجعيين" الذين لا يراعون مشاعر السكان العرب، فإن الأميركيين اليوم لا يرون في المعركة الدائرة سوى استكمال لمعركة أخرى، إذ إنهم ذاهبون إلى محاربة طالبان "عراقية "في جبال قندهار أخرى تتراقص سفوحها أمام بنادقهم.

ويتضح مقصد المؤلف من خلال المزج والمقارنة بين الصور والانطباعات التي تخيلها الاستشراق القديم وبين ما ينشره الاستشراق الجديد، وذلك من خلال الاطلاع على رحلات بعض المستشرقين، والتي تروي قصص لقاءاتهم "بمسلمين من ذوي النيات الحسنة "وكيف أن هؤلاء المسلمين سوف يخبرونهم بأن هذه البلاد سوف تزدهر لو حكمت من قبل بريطانيا وبأن الإنجليز لن يتعرضوا لأي مقاومة تذكر".

وهذا ما يذكرنا -رأي المؤلف- لقناعات التي كانت تدور في مخيلة مفكري ما بعد الاستشراق والقصص التي ألفوها عن أن الشعب العراقي سوف يتلقاهم بالورود، أو من خلال الصور التي نجدها اليوم من انتشار للصحوات العراقية من بغداد إلى كركوك والتي مثلت إعادة إنتاج لما حدث في مقاطعات هندية من قبل البريطانيين والتي كانت تسعى إلى تفتيت الملكيات الكبيرة من الأراضي وخلق طبقة من البارونات واللصوص الجدد الخالين من أي ميول عدوانية ضد "المحررين البيض" والتي يمكن زجها كذلك في أي لحظة بالنزاع الداخلي كقوة منظمة.

أساطير ما بعد الاستشراق
يرى المؤلف ما كان للاستشراق أساطيره اللذيذة عن "الخوف من البدو "ذوي الأسنان الطويلة اللامعة، والذين يقتلون الإنسان لمجرد الاعتقاد أن أزراره الصفراء هي أزرار من ذهب، فقد كان لما بعد الاستشراق أساطيره اللذيذة الخاصة به هو الآخر والمماثلة للحكايا السابقة، ولكن الأكثر جوهرية من حيث إن ما بعد الاستشراق يركز بطريقة مختلفة تماما لا على "العيون التي تتوهج كالنار" أو على "الأسنان الطويلة "للبدو، بل على الطابع الاستثنائي للعنف المختزن في أعماق الشرق أوسطيين ذوي الشعر الأسود واللحى الطويلة، والتي ستمهد السبيل أمام تخيل هؤلاء في صورة إسلاميين متطرفين يهددون العالم كله.

وبالتالي فإن هذا التصوير الجديد لابن الشرق قد أدى إلى إحلال رمزية جديدة للبدوي محل رمزية الأسنان الطويلة التي أنزلت في الماضي الرعب في قلوب الرحالة والمستشرقين الأوائل وذلك بتخيله على أنه حيوان كاسر، بينما أدت الصور الجديدة المتمثلة باللحية في إعادته إلى البدائية الأولى ومن ثم محاولة إقناعنا بأن الوظيفة الأساسية لهذه اللحية هي السعي وراء الموت وإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.

"
صناعة الخوف واحدة من أكثر وظائف أساطير ما بعد الاستشراق اختصاصا وذلك عبر محاولة تصوير تنظيم القاعدة وكأنه شبكة عالمية أخطبوطية هائلة القوة ومؤلفة من رجال ذوي لحى طويلة يسعون لتهديد وفناء حضارة الغرب ومدنيته
"
وبرأي المؤلف فإن صناعة الخوف قد باتت واحدة من أكثر وظائف أساطير ما بعد الاستشراق اختصاصا، وذلك من خلال محاولة تصوير تنظيم القاعدة وكأنه شبكة عالمية أخطبوطية هائلة القوة ومؤلفة من رجال ذوي لحى طويلة يسعون إلى تهديد وفناء حضارة ومدنية الغرب، والذين يأتون من أوكار بن لادن في صحراء شبه الجزيرة العربية، أو من بوادي الزرقاوي في الأردن.

وبالتالي تحولت الصحراء العربية المليئة بالنفط في عصر ما بعد الاستشراق إلى مصدر للخوف الغربي من الشرق، والتي هي صورة طبق الأصل عن الخوف الذي رسمه المستشرقون الأوائل في بداية القرن التاسع عشر.

هذا بالإضافة إلى العمل على تحويل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي قاد المقاومة في بداية الاحتلال إلى منظمة سرية أصولية شبيهة بالقاعدة، وتحويل ميشال عفلق إلى شبيه بالملا عمر.

وهذا برأي المؤلف ما كان يلائم الذهنية الأميركية المغرمة بالتنميط والتي ترغب بقوة في تعميم النموذج الأفغاني الذي بات ينتشر بكثافة في وسائل الإعلام الغربية.

وبما أن العراق قد بات امتدادا دينيا وعسكريا وثقافيا كولونياليا لأفغانستان فسيكون لديه نفس الحال تقريبا، وهذا ما عبر عنه الرئيس الأميركي في إحدى زياراته إلى بريطانيا عندما قال إن "القوات الأميركية في العراق فتحت المدارس وأعادت الكهرباء، والعراقيون نالوا حريتهم"، وبالتالي عملت هذه الكولونيالية على تصوير هذا البلد من دون مدارس أو مستشفيات أو جسور، وفيه فوق ذلك نساء مضطهدات وعليه تحول هذا البلد الذي كان لديه زهاء 15 ألف عالم إلى رمز شبيه بأفغانستان.

ويتابع المؤلف مناقشته للأساطير التي رسمها الأميركيون عن المقاومة من خلال نشرهم مع حلفائهم في العراق روايات لمجموعة من المقاتلين العرب الذين باتوا يطلقون النار على الأطفال والنساء والذين كانوا قد تسللوا عبر الحدود في بداية الغزو الأميركي، والذي كان يمثل صورة طبق الأصل عن الصورة التي رسمها الأميركيون في خيالهم عن العمليات الاستشهادية للفلسطينيين في داخل الأراضي الإسرائيلية، أو عندما أقنعهم جلال الطالباني أثناء الغزو بضرورة قصف مواقع لأحزاب إسلامية كردية في جبال كردستان، والتي تحولت لدى الأميركيين رمزيا وكأنهم يقصفون الجماعات الأفغانية المختبئة في توره بوره.

هذا بالإضافة إلى روايات الجيش الأميركي عن آلة تقطيع البشر في سجن أبو غريب والتي باتوا يسعون من خلالها رمزيا إلى البحث عن "آلة إدارية جديدة "تقوم "بفرم العراق" وتحويله إلى ما آلت إليه الأوضاع الآن من تقسيم للبلاد.

"
حقل الاستشراق الجديد يتعرض في الآونة الأخيرة لنوع من الاضطراب وإن ما زال خجولا، وهناك جيل جديد من المستشرقين اليساريين أثاروا في العقود الماضية قدرا كبيرا من النقد لدراسات الشرق الأوسط
"
أخيرا فإننا نرى أن هذا الكتاب يمثل مرجعا مهما في تفسير سلوك الولايات المتحدة الأميركية في العراق، إضافة إلى أننا نتفق مع المؤلف في أن المصالح الغربية استخدمت في هيمنتها على المنطقة أسلحة فكرية بديلة متمثلة إما في مستشرقين قدماء مثل برنارد لويس، أو في مستودعات للأفكار والتي هي منظمات بحثية خاصة تهدف إلى إنتاج أفكار لصالح السياسة.

لكن هذا لا ينفي أن حقل الاستشراق الجديد بات يتعرض في الآونة الأخيرة لنوع من الاضطراب وإن ما زال خجولا، وأن هناك جيلا جديدا من المستشرقين اليساريين مثل زاكاري لوكمان وغيره قد أثاروا خلال العقود الماضية قدرا كبيرا من النقد لدراسات الشرق الأوسط وإن كانت تنطلق في بعض الأحيان كذلك من حقل السياسة، وذلك كي لا يقع القارئ العربي وهو الذي لا يسمع الآن سوى هدير الطائرات أو يرى كيف أن سيارة اللكزس التي وعدنا بها أحد شيوخ المستشرقين الجدد قد تحولت إلى دبابة ميركافا بمجرد وصولها إلى المنطقة -أقول- كي لا يرى في الكتاب إدانة كاملة للغربيين والفكر الغربي في عصر ما بعد الاستشراق، وربما هذا ما اشتكى منه المرحوم إدوارد سعيد لطريقة فهم الاستشراق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة