كتيبة   
الأحد 1431/11/30 هـ - الموافق 7/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 11:11 (مكة المكرمة)، 8:11 (غرينتش)

عرض/ محمد ولد المجتبى

يمكن القول إن رواية "كتيبة" لا تستمد قيمتها من الموضوع الذي تتناوله، على أهميته واتصاله بجملة من الظواهر والأحداث ذات التأثير البالغ في الواقع الإقليمي والدولي، بقدر ما تستمدها من كاتبها فهو ليس مجرد روائي عادي بل هو دبلوماسي فرنسي مرموق.

-الكتاب: كتيبة
-المؤلف: جان كريستوف روفان
-عدد الصفحات: 393
-الناشر: فلاماريون، فرنسا
-الطبعة: الأولى، 2010

فضلا عن كونه طبيبا وعضوا بالأكاديمية الفرنسية وأحد رواد مدرسة في العمل الإنساني أرسى قواعدها جيل من النشطاء ظلوا دائما يتحركون بكثير من المرونة على طرفي الحدود الافتراضية الفاصلة بين السياسة والعمل الخيري، وفي مقدمة هؤلاء زميل المؤلف وزير خارجية فرنسا الحالي برنار كوشنر.

في إطار نشاطه منذ سبعينيات القرن الماضي كقيادي في منظمات مثل "أطباء بلا حدود" عرف جان كريستوف روفان عن قرب عددا من المناطق الساخنة في العالم، من أميركا اللاتينية إلى البلقان مرورا بأفريقيا جنوب الصحراء وغيرها من بؤر النزاعات والتوتر.

وعلى فترات متقطعة أتيح له أن يقترب بما فيه الكفاية من مراكز صنع القرار في باريس، حيث شغل وظائف محورية في وزارات كالخارجية والدفاع كانت لها غالبا صلة بالتفكير الإستراتيجي وبآلية اتخاذ القرارات المتعلقة بموضوعات الرواية ومسرحها الرئيسي.

من ثم لم يكن غريبا أن يتعامل البعض مع الكتاب لا باعتباره مجرد عمل أدبي عادي، بل بقراءته من زاوية كونه، على نحو ما، يعكس هواجس بعض دوائر القرار في فرنسا وتصورها للقضايا التي تناولتها الرواية. ولعل ذلك هو ما يفسر، إلى حد كبير، الاهتمام الذي لقيه الكتاب.  

أحداث الرواية
تدور أحداث الرواية على امتداد أماكن متباعدة جغرافيا ومتباينة من حيث طبيعتها، من واشنطن إلى نواكشوط، ومن أعماق الصحراء الأفريقية إلى ضواحي بروكسل وقلب باريس، من بين مواقع عديدة أخرى.

وبقدر اتساع مسرح الأحداث تتنوع شخوص الرواية: مقاتلون سلفيون، نشطاء سريون، مهربون من كل الأجناس، رجال قبائل، سياسيون ودبلوماسيون وموظفون من جنسيات مختلفة، مخبرون وضباط استخبارات، رجال كوماندوز، خبراء.. إلخ.

"
تنقسم الرواية إلى خمسة أجزاء تتعاقب الأحداث داخلها على فصول قصيرة نسبيا، حيث يتنقل الكاتب باستمرار بين مختلف مواقع الأحداث متابعا بالتناوب حركة أبطال الرواية، التي تستعرض تطورات عملية أمنية معقدة وغامضة
"
تنقسم الرواية إلى خمسة أجزاء تتعاقب الأحداث داخلها على فصول قصيرة نسبيا، حيث يتنقل الكاتب باستمرار بين مختلف مواقع الأحداث متابعا بالتناوب حركة أبطال الرواية، التي تستعرض تطورات عملية أمنية معقدة وغامضة.

فبعد مصرع أربعة مواطنين أوروبيين في محاولة اختطاف فاشلة جرت وسط موريتانيا، تلقى (آرشي)، الذي ولد في بروكلين لأسرة يهودية هاجرت من المجر ويدير وكالة أمنية خاصة (بروفيدانص) مسجلة في الولايات المتحدة لكن مركزيها الرئيسيين موجودان في بلجيكا وجنوب أفريقيا، تكليفا من أحد السياسيين "الجمهوريين" النافذين في واشنطن (هوبز) تقوم الوكالة بمقتضاه بمتابعة مجموعة من الأطباء "الإسلاميين" يعملون في مستشفى بنواكشوط ويُعتقد أنهم يعدون لعملٍ ما.

انتدبت الوكالة لهذه المهمة فريقا ميدانيا يعمل تحت غطاء منظمة غير حكومية ويضم طبيبا كنديا ذا أصول أوكرانية (ديمتري) تم تكليفه بالاقتراب من مجموعة الأطباء.. وبعد فترة من الهدوء ظهرت على مسرح الأحداث فتاة مثيرة للاهتمام (ياسمين) تبين أنها أرملة قنصل فرنسي سابق تعمل موظفة في قسم البروتوكول بالخارجية الفرنسية، وقد حضرت إلى نواكشوط في مهمة خاصة بمنظمة غير حكومية مهتمة بالأطفال كان قد أسسها زوجها الراحل مع بعض الأقارب والأصدقاء.

انتقلت ياسمين صحبة أفراد من مجموعة الأطباء المذكورة إلى مكان في عمق الصحراء لتقابل هناك شخصين تبين لاحقا أن أحدهما مرشد ديني لإحدى كتائب الجماعات المسلحة التي تنشط في الصحراء، والثاني (قادر بلقادر) مهرب كبير على صلة بقائد الكتيبة المذكورة (أبو موسى) الذي وجد نفسه في مواجهة قيادته المركزية بعد أن أصدرت إليه فجأة أوامر بوضع حد نهائي للعلاقة مع بلقادر. ولتوطيد الروابط بين الاثنين ومساعدة حليفه على تعزيز مكانة كتيبته اقترح بلقادر تنفيذ عملية نوعية في إحدى المدن الأوروبية.

في مواجهة هذه التطورات نشط مركز عمليات الوكالة في بلجيكا ليتابع تطورات الأحداث ويستكمل المعلومات عن كثب في عمق الصحراء، وفي كل من موريتانيا وفرنسا. بينما جدد مدير الوكالة الاتصال بزبونه "الأميركي" الذي ربطه بدبلوماسي ورجل استخبارات "جزائري" بدا أن له صلة بالمعلومات الأولية التي وضعت الوكالة على خط العملية.

في هذه الأثناء يتابع الكاتب سرد أحداث الرواية متنقلا من موقع إلى آخر. حيث تناول أجواء التواصل والصراع داخل كتائب المسلحين ومجموعات المهربين في الصحراء، وظروف حياة مجموعة الشباب التي يفترض أنها ستتولى تنفيذ العملية وتحركات هذه المجموعة داخل مدن إيطالية وفرنسية.

كما سرد الكاتب نشاط عناصر الوكالة في تتبع مسار حياة ياسمين في فرنسا التي نشأت بها وموريتانيا التي أقامت بها فترة من الزمن رفقة زوجها الراحل. وقد تبين من التحريات أن أمها جزائرية وأنها عاشت سنوات في الجزائر قبل أن تعود إلى فرنسا، وأنها أيضا بعد وفاة زوجها استغلت جواز سفرها الدبلوماسي لنقل كميات من المخدرات عبر مطار نواكشوط.

كشفت التحريات كذلك أن بلقادر هو أحد أبناء القبائل الصحراوية وأنه نشأ في البادية ثم درس في الجزائر قبل أن يعود إلى الصحراء حيث تمكن خلال وقت قياسي من بسط نفوذه على عصابات التهريب التي أصبح يفرض عليها إتاوات مقابل تأمين قوافلها، كما ربط علاقات خاصة مع (أبي موسى) قائد إحدى الكتائب الجنوبية، ولحساب هذا الأخير اختطف بلقادر عددا من المواطنين الأوروبيين تم إطلاق سراحهم لاحقا مقابل فدى.

ويتوقف الكاتب عند العلاقة التي ربطت بين ياسمين والطبيب الذي يعمل لحساب الوكالة في موريتانيا، متابعا تطورات العلاقة التي نشأت في نواكشوط وتتابعت أطوارها في باريس بعد أن انتقل ديمتري إلى هناك لمتابعة ياسمين التي أصبحت الآن الهدف الأول للوكالة.

تدريجيا بدأت ملامح الأحداث تتكشف، أو هكذا يتبادر إلى الذهن، حيث اتضح أن بلقادر يخطط لتنفيذ عملية انتحارية في مبنى الخارجية الفرنسية أثناء حفل عشاء منظم على شرف وزير النفط بأحد بلدان الخليج العربي، ويتمثل دور ياسمين، التي تشرف بروتوكوليا على تنظيم الحفل، في تسهيل دخول الانتحاري إلى موقع العملية.

لكن الأحداث تتسارع فجأة ويتبين أن الأمور أكثر تعقيدا مما توصلت إليه تحريات عناصر الوكالة الميدانيين، وفنيوها، واستنتاجات محللي المعلومات والخبراء النفسيين والإستراتيجيين في مركز عملياتها بشأن نوايا ودوافع بلقادر وياسمين.

ذلك أن الحديث المتواتر في "المنتديات الجهادية" عن عملية كبرى وشيكة كان فيما يبدو كفيلا بلفت الانتباه إلى موقع بلقادر ونفوذه المتزايد.. وهكذا تلقى، بواسطة رجال إحدى القبائل التي تتحرك على امتداد الشريط الساحلي من شمال مالي وحتى السودان، رسالة حملت دعوة لمقابلة أحد أبرز القيادات التنفيذية في "القاعدة" (عبد الرزاق) وتم تحديد الموعد في مكان ما من الصحراء التشادية.

وبينما كان بلقادر يتجه إلى مكان اللقاء، كانت عناصره في باريس تضع اللمسات الأخيرة على تحضيرات العملية، وكانت طائرات شحن عسكرية "جزائرية" قد نقلت إلى موقع في صحراء النيجر عددا من رجال القوات الخاصة مع أجزاء طائرتين مروحيتين تم تركيبها هناك، لتنطلق نحو نقطة لقاء بلقادر وعبد الرزاق حيث تم إلقاء القبض على هذا الأخير في عملية خاطفة.

في نفس الوقت كانت ياسمين قد قامت بإدخال الشاب الذي اختير لتنفيذ العملية إلى مكان الحفل حيث كان هناك أيضا ديمتري الذي تلقى في عين المكان تعليمات بالتعاون مع بعض عناصر أمن الوزير العربي التابعين لوكالة المخابرات المركزية الأميركية. وبعد إبلاغ السلطات الفرنسية بوجود انتحاري داخل المبنى اتصلت ياسمين بديمتري وعرفته على الشاب الذي يحمل الحزام الناسف ليتولى أحد عناصر (سي أي إيه) تصفيته على الفور، بينما كانت ياسمين تغادر المكان بهدوء.

"
تتكشف عقدة الرواية عن عملية محسوبة ومرتبة بعناية تلاقت فيها مصالح أطراف عدة. فهناك المخابرات الجزائرية, وهناك أيضا السياسي الجمهوري الناقم على أوباما
"
تتكشف عقدة الرواية عن عملية محسوبة ومرتبة بعناية تلاقت فيها مصالح أطراف عدة. فهناك "المخابرات الجزائرية" التي يعمل لحسابها كل من بلقادر وياسمين والتي نظمت هذه العملية المعقدة لاختراق الجماعات المسلحة داخل معاقلها بالصحراء، وصولا إلى استدراج أحد أهم قيادات "القاعدة" واعتقاله حيا، ولإقناع الإدارة الأميركية بجدية "الخطر الإرهابي" في المنطقة وضرورة التعاون مع الجزائر في مواجهته، إضافة إلى إظهار عجز الأجهزة الأمنية الفرنسية.

هناك أيضا السياسي "الجمهوري" الناقم على أوباما والذي استغل علاقات قديمة مع أصدقاء في "المخابرات الجزائرية" لإظهار فشل السياسة الأمنية للإدارة الأميركية الجديدة، ولتأكيد حاجة باريس إلى مزيد من الارتباط بواشنطن على نحو ما تتجه إليه مواقف ساركوزي التي تلقى انتقادات واسعة في فرنسا، ومن هنا جاء الدور الحاسم الذي مُنح لعناصر (سي أي إيه) في المرحلة الأخيرة من العملية.

هناك أيضا آرشي الذي قبل أن تلعب وكالته دور الشاهد على الجزء الظاهر من العملية، طبعا تحت إغراء التعويضات المالية المجزية التي دفعها هوبز، لكن رغبة أيضا في توسيع ميدان نشاطات وكالته عبر الدخول إلى عالم "مكافحة الإرهاب" باعتباره سوقا واعدة في ظل تنامي اتجاه العواصم الغربية إلى أن تتجنب قدر الإمكان التورط المباشر في ساحات صراع جديدة.

أدب وسياسة
"
الرواية ممتعة فهي محكمة البناء، سلسة الصياغة، وتشد القارئ حتى النهاية, لكن ذلك لا ينفي كون الرواية اعتمدت، ربما أكثر مما ينبغي، على أحداث ومعطيات معروفة 
"
لا جدال أن الرواية لها قيمة أدبية مؤكدة، فالكاتب الذي انتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية سبق أن نشر أعمالا تزكي موهبته الأدبية. والحقيقة أنه، بغض النظر عن طبيعة المحتوى، فإن الرواية نفسها ممتعة فهي محكمة البناء، سلسة الصياغة، وتشد القارئ حتى النهاية. لكن ذلك لا ينفي كون الرواية اعتمدت، ربما أكثر مما ينبغي، على أحداث ومعطيات معروفة للحد الذي قد يحدث التباسا يوحي بأن الكاتب إنما يؤرخ لوقائع بعينها أو يسجل شهادة بشأنها.

من أمثلة ذلك حادثة اغتيال السياح الفرنسيين في موريتانيا، واعتقال عبد الرزاق البارا في تشاد قبل سنوات، إضافة إلى ما يُتداول حول صلات مختار بلمختار المعروف ببلعور بنشاطات التهريب في الصحراء والساحل.. إلخ. وحتى اختيار أسماء بعض شخوص الرواية جاء معززا لهذا الانطباع. لكن الأهم من ذلك هو أن في الرواية من السياسة بقدر ما فيها من الأدب، وربما أكثر!

ولعل إدراك المؤلف لحضور هذين البعدين هو ما دفعه إلى تذييل فصول الرواية بخاتمة نبه فيها إلى أن الأمر يتعلق بعمل إبداعي، مؤكدا أن أي تشابه بين مضمونه وبين الواقع ليس سوى مصادفة، مع الاعتراف بأنه استوحى بعض أحداث الرواية من تجارب واقعية عايشها شخصيا.

غير أن الملاحظة الأهم في تذييل المؤلف للكتاب هي تأكيده أن الدور الذي نسبه إلى "الجزائر" في أحداث الرواية من باب الخيال المحض، وأنه لا يرى لهذا الدور من دلالة سوى التعبير عن تقديره لتميز دبلوماسية البلد وفعالية أجهزة استخباراته. وهي ملاحظة بدت ضرورية ليدفع المؤلف عن نفسه تهمة التحيز والريبة التي تطبع مواقف العديد من الدوائر الفرنسية اتجاه الجزائر شعبا ومؤسسات، والتي تتجلى من حين لآخر في توترات واتهامات متبادلة بين البلدين.

ورغم المآخذ التي قد تسجل على الرواية، ومنها الإفراط في الاعتماد على وقائع معروفة، وبعض مظاهر المبالغة في النظرة الأنثروبولوجية التقليدية للعلاقة بين مكونات المجتمعات الصحراوية فضلا عن شبهة التحيز السياسي التي سبقت الإشارة إليها، فإن الرواية انطوت في بعض فصولها على نفس استشرافي شهدت له أحداث الأشهر الأخيرة، كما يحمد للكاتب أنه ألقى الضوء على الأدوار الخطيرة التي باتت تضطلع بها الوكالات الأمنية الخاصة بعد تنامي حضورها ونفوذها في أكثر من موقع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة