الكتاب الأسود للرأسمالية   
الأحد 1428/3/14 هـ - الموافق 1/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:18 (مكة المكرمة)، 13:18 (غرينتش)

عرض/ إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب مجموعة كبيرة من الدراسات في نقد الرأسمالية (30 دراسة) لمفكرين وفلاسفة من شتى أنحاء العالم، مثل موريس كوري، وجان سوريه، وفيليب باربر، وروجيه بوردييه.

ويعرض مجموعة من فظائع الرأسمالية على مدى القرون الخمسة الماضية، مثل جرائم الرق، وإبادة الشعوب، واستنزاف الثروات والموارد حول العالم وحرمان أصحابها منها.

سلسلة من الانتهاكات والجرائم الكبرى
يتحدث المؤلفون عن مجموعة من الجرائم الكبرى على مدى التاريخ الحديث للدول الرأسمالية بدءا من الاستعمار والاحتلال إلى الاستيلاء على ثروات الشعوب ومواردها، وأخيرا الهيمنة الثقافية والتنظيمية على الأنظمة السياسية والاقتصادية وأنماط الحياة والاستهلاك.

-الكتاب: الكتاب الأسود للرأسمالية
-المؤلف: عدد من الباحثين
-
ترجمة: أنطون حمصي
-عدد الصفحات: 440
-الناشر: 
دار الطليعة الجديدة, دمشق
-
الطبعة: الأولى/2006
فالرأسمالية اليوم تفرض نموذجها في الحكم والاقتصاد والثقافة دون أن تسمح لغيرها بالبقاء، فلم يعد ثمة نموذج سوى الليبرالية.

أو كما يصفه موريس كوري فقد غدا هذا النموذج هو النشيد الشامل الذي لا يرتله المسؤولون الاقتصاديون ومعظم المسؤولين السياسيين فحسب، بل ويرتله أيضا المثقفون والصحفيون الذين يستطيعون الوصول إلى وسائل الإعلام الرئيسية المرئي منها والمسموع، والصحافة ودور النشر الكبرى.

الفكر الآخر ليس ممنوعا، ولكنه يجول في أقنية شبه سرية، تلك هي حرية التعبير التي يتشدق به أنصار نظامنا الليبرالي.

ويقول كوري إن الأضرار الناجمة عن الاستعمار الرأسمالي لا تحصى، كما لا يمكن تحديد رقم لملايين الموتى من ضحاياها، ويؤكد أن كل البلدان الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة مذنبة.

إنها مذنبة بالرق وأنواع القمع الذي لا رحمة فيه والتعذيب والاستملاك وسرقة الأراضي والموارد الطبيعية من قبل الشركات الكبرى الغربية والأميركية أو متعددة الجنسيات، أو من جانب متسلطين محليين عاملين في خدمتها.

وذلك بخلق بلدان أو تقطيع أوصالها، وبفرض ديكتاتوريات وزراعات أحادية المحصول تحل محل زراعات الأغذية التقليدية وبتدمير أنماط الحياة الزراعات المتوارثة، وبإزالة الغابات والتصحر والكوارث البيئية، وبالجوع ونفي السكان نحو المراكز الكبرى التي تنتظرهم فيها البطالة والبؤس.

والبنى التي اعتمدت عليها الجماعة الدولية لتنظيم نمو الصناعة والتجارة واقعة كلها بأيدي الرأسمالية وفي خدمتها: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، المنظمة العالمية للتجارة.

وهذه الأجهزة لم تفعل سوى صنع مديونية العالم الثالث وفرض المبدأ الليبرالي عليه، وإذا كانت قد سمحت بنمو ثروات محلية سفيهة فإنها لم تفعل أكثر من زيادة بؤس الشعوب.

وفي النظام اللييرالي الذي يفرض اليوم على العالم لن تكون الخدمات الأساسية المتصلة بالتعليم والصحة والبيئة والثقافة مضمونة لأنها لا تولد أرباحا ولا تعني القطاع الخاص.

ولكن ما وسائل توسع الرأسمالية وتراكمها؟ يتساءل كوري، ويجيب: إنها الحرب (أو الحماية على طريقة المافيا) والقمع والنهب والربا والفساد، الحرب على الدول التي لا تحترم المصالح الغربية أو تتمرد على الوصاية الأميركية على العالم.

وهذه الحروب لا تجري بالأسلحة فقط، فلم تتردد الولايات المتحدة في تجنيد طائفة مون في كوريا الجنوبية للقتال ضد الشيوعية، والفاشيين في إيطاليا ما بعد الحرب، ولم تتردد في تسليح الأصوليين الإسلاميين والطالبان في أفغانستان وتمويلهم، وحصار الدول والمجتمعات ومنعها من الحصول على الغذاء والدواء فضلا عن التقنية الضرورية.

ويتتبع جان سورية مسار الرأسمالية بين القرنين الـ15 والـ19 مستعرضا أهم محطاتها، فمع توسع حركة الاستكشاف الجغرافية بدأت عمليات استغلال واسعة للبلاد الجديدة وسكانها، واستعبد الملايين من الشعوب، وسيق عدد كبير منهم من بلادهم للعمل أرقاء في بلاد بعيدة.

"
ثروة أوروبا الغازية، مهد الرأسمالية، بنيت على استغلال وإبادة الهنود الأميركيين الذين هبط عددهم في ثلاثة قرون من 40 مليونا إلى 20 مليونا، وعلى إبادة الشعوب الساحلية لأفريقيا الغربية التي خسرت 20 مليون شخص في ثلاثة قرون
"
وقد خصص المستوطنون الجدد في مرسوم صدر عام 1703 مكافأة مقدارها 40 جنيها إسترلينيا مقابل فروة رأس هندي، أو مقابل كل هندي أحمر يتم أسره، وفي العام 1720 رفعت المكافأة إلى 100 جنيه.

وفي المناطق التي أبيد فيها الهنود استخدم أرقاء زنوج استقدموا من أفريقيا، وفتحت تجارة العبيد على مصراعيها، وكان صيد العبيد قد أصبح لدى الطبقات الحاكمة في الدول الأفريقية أكثر الأنشطة ربحية.

وقد وقعت نتيجة لذلك كوارث عظمى تعدت الاستعباد، فأثناء عمليات المطاردة قتل أعداد كبيرة من الناس وروعت القرى، وانهار الأمن والاستقرار، وماتت أعداد كبيرة من الناس أثناء الأسر والشحن غير الملائم للبشر، وتحطمت حياة الأفارقة واقتصادياتهم، ويقدر ضحايا هذه العمليات بحوالي 100 مليون إنسان.

يقول فيليب باربر، مؤلف كتاب "سود أميركا، تاريخ نبذ" لقد بنيت ثروة أوروبا الغازية، مهد الرأسمالية، على استغلال وإبادة الهنود الأميركيين الذين هبط عددهم في ثلاثة قرون من 40 مليونا إلى 20 مليونا، وعلى إبادة الشعوب الساحلية لأفريقيا الغربية التي خسرت 20 مليون شخص في ثلاثة قرون بسبب تجارة الرق.

الرأسمالية الحديثة
بدأ يتشكل في القرن التاسع عشر استعمار حديث مستمد من تراكم الثروات ورأس المال وتطوير تقنيات السلاح والتقدم العلمي والصناعي.

ويعرض في هذا السياق المؤرخ موريس مواسونيه كيف تقاسمت الإمبراطوريات الغربية العالم باعتباره سوقا ومناطق نفوذ لها، ثم كرست في القرن العشرين شبكة من المصالح والضبط العالمي وفق قوانين السوق العالمية، التي لا يجري فيها الاستثمار إلا بموجب الربح المتوقع.

ومكنت لوكلائها المحليين المشبعين بالعقيدة "الليبرالية" والقادرين على نشرها وفرض احترامها على السكان الذين يعانون منها، ويتقاضون تعويضاتهم من الأرباح التي تنجم عن النظام.

وكان هؤلاء لفترة طويلة من العسكريين الشرسين، مثل بوكاسا في أفريقيا الوسطى، وطغاة فاسدين مثل موبوتو في زائير، وآخرين كثيرين.

ولم يكن هؤلاء يدينون بالثروات التي راكموها وبطول حياتهم السياسية إلا لدعم الغرب المتعدد الأشكال مثل مكافحة الشيوعية، وبعضهم ما زال باقيا مثل إياديما في توغو الذي ثبته الدعم الفرنسي في ختام قمع بلا رحمة.

"
معظم الباحثين المشاركين في الكتاب يقررون أن الرأسمالية هي المسؤولة عن المجازر والكوارث في أفريقيا، فالفقر وضعف الخدمات والبطالة هي النصيب المشترك لغالبية الدول الخاضعة لقانون الإصلاح الهيكلي
"
ولكن جيلا جديدا من القادة الأفارقة المخلصين للرأسمالية العالمية والمحلية ليس أفضل من أجيال سبقته يأخذ مكانه اليوم، إنهم التكنوقراط الذين يحسنون الكلام والرطانة.

وقد أهلهم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهم لا ينفكون يمتدحون مزايا التعددية التي يخلطون بينها وبين الديمقراطية وقوانين السوق العالمية المقدسة، ولكنهم لم يقدموا لشعوبهم ودوله سوى الفقر والديون.

ويقرر معظم الباحثين المشاركين في الكتاب أن الرأسمالية هي المسؤولة عن المجازر والكوارث في أفريقيا، فالفقر وضعف الخدمات والبطالة هي النصيب المشترك لأغلبية الدول الخاضعة لقانون الإصلاح الهيكلي.

وهناك الفساد الذي ينخر في إدارة معظم الدول الأفريقية وأخلاقيات قادة سياسيين وإداريين عديدين، ولكنه فساد تحميه الدول والشركات الغربية التي تقدم الرشى والهدايا للحصول على احتكارات ومزايا في التسليح واستغلال الثروات والموارد.

والجوع الذي أخضع للإعلان بشكل متطرف رمزا للقارة السوداء، فيقدم في صور الأطفال منفوخي البطون والحشود تتنازع على كيس الرز الذي جاء به المحسنون الكرماء، ليس في الحقيقة إلا صورة للنزاعات العسكرية والتي ترعاها دول وقوى خارجية.

الرأسمالية من التسلح إلى الحرب الباردة
يعرض المؤرخ فرانسوا ديلبلا مسار الحروب الحديثة خاصة الحربين العالمية الأولى والثانية، وكيف تظهر الرأسمالية من خلالها وكأنها في الحقيقة سباق في التسلح وصبغ العالم كله بالدم على نحو كان غير معروف من قبل.

وكما يقول هوبسون "كانت مصاهر الحديد في القرن الثامن عشر تتماهى تقريبا مع صب المدافع"، ووظفت نتائج الحروب في السيطرة الرأسمالية وفتح أسواق جديدة ومجالات للشركات العملاقة.

وبعد الحرب العالمية الثانية انتصر الغرب وحده، وأما الاتحاد السوفياتي الذي تحمل جيشه العبء الرئيسي للحرب البرية في أوروبا وتقدم حتى برلين، فقد كان جسما غريبا تركزت كل الجهود قبل أن تنتهي الحرب ولـ50 سنة تالية حول إضعافه وإسقاطه.

وكانت معاهدة شمال الأطلسي التي عقدت في أبريل/ نيسان 1949 والمنظمة التي انبثقت عنها (الناتو) بداية لحرب طويلة أرهقت العالم، وفتحت المجال لسباق التسلح.

ولم يخطئ الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور عندما تحدث عام 1954 عن مجمع عسكري-صناعي، فالتشابك الوثيق بين رأس المال والبنى العسكرية الكبيرة هو ما يميز إمبريالية النصف الثاني من القرن العشرين.

عولمة رأس المال والتهديد بالإرهاب
يعرض عالم الاقتصاد فرانسوا شيزنيه شواهد وحالات لا ينكرها أنصار عولمة الرأسمالية عن تفاقم اللا مساواة في نمط الحياة في البلدان الغنية كما في البلدان الفقيرة، وذلك نتيجة لتنظيم اقتصادي وسياسي لم يعد يعترف إلا بالقيم المتولدة من ضرورات هذه العولمة كأساس أخلاقي له.

"
النظام الرأسمالي مستمر في صنع عذاب مليارات البشر وفي نهبهم بإبقائه ثلث البشرية في مستوى حياة القرون الوسطى الأوروبية، ذلك أن قانون الربح يبقى مليارين من الرجال والأطفال في مستوى العام 1000 ونصفهم لا يعلمون حتى ما إذا كانوا سيأكلون غدا
"

ولم تعد الأضرار الاقتصادية والاجتماعية تبدو إذن إلا بوصفها ضروب "خلل في التشغيل"، في حين أنها في الحقيقة نتاج إعادة استعمار القوى السائدة في البلدان الغنية للعالم.

وهذه السيرورة التي تقابل في نهاية القرن والعشرين انتصارا إستراتيجيا للرأسمالية على المعسكر الاشتراكي تقوم على طوباوية إجرامية العولمة، تظهر تطبيقاتها الأولى حصيلة سلبية في كل الميادين لمستقبل الكوكب.

هذا النظام مستمر في صنع عذاب مليارات البشر وفي نهبهم بإبقائه ثلث البشرية في مستوى حياة القرون الوسطى الأوروبية، ذلك أن قانون الربح يبقى مليارين من الرجال والأطفال في مستوى العام 1000 ونصفهم لا يعلمون حتى ما إذا كانوا سيأكلون غدا.

ويترافق برنامج "التصحيح الاقتصادي الهيكلي" الذي فرضه صندوق النقد الدولي بقروض مرهقة، والحد من النفقات العامة، فعلى الدولة من أجل أن تضع في القطاع التنافسي الخدمات العامة ذات المردود أن تسرح الموظفين وأن تحد من نفقاتها العامة ومن خدمات الصحة والتربية من أجل ظهور مستفيدين جدد يدفعون ثمن هذه الخدمات.

وعلى الدولة أن تتخلى عن كل شكل من أشكال المراقبة المباشرة في الإنتاج الزراعي والصناعي، كما في الخدمات التقنية (الاتصالات والتلفزيون والإذاعة)

وهناك اليوم أكثر من 110 بلدان تقع رسميا في وضع "إصلاح هيكلي" طبقت المبدأ الأول الذي أضاف إليه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مبدأ ثانيا: وهو وقف الضبط العام للأسعار والأجور.

إن إلغاء "السعر الأعلى" لبعض المنتجات الغذائية ذات الضرورة القصوى يلقي بملايين من الأسر الفقيرة في سوء التغذية، واختفى أيضا "الحد الأدنى للأجور" ليضيف إلى فوضى الأسعار ظروفا بالغة السوء للعمال هي أسوأ من البطالة المتفشية.

ومن أجل تحرير كتلة كافية من منتجات غير مستهلكة بسبب الارتفاع الجديد في أسعارها تصور صندوق النقد الدولي أن يرغم كل بلد خاضع للتصحيح على خفض قيمة عملته ورفع معدلات الفائدة.

"
عولمة الرأسمالية هي قبل كل شيء عولمة الإفلاس الأخلاقي، ولم تكن في الحقيقة سوى إعادة للبشرية إلى مصاف الحيوانات التي تلتهم بعضها بعضا، أو تتجمع حول فريستها
"
وبما أن الاستهلاك المحلي يهبط هبوطا سهميا بسبب صعود الأسعار فإنه يحتفظ بمواد ومنتجات عديدة للتصدير إلى البلدان الغنية، وهكذا يمول الفقر سداد الدين، وتنغلق الحلقة مع هذا التدبير الثالث.

واليوم فإن هناك ملياري نسمة يعانون من سوء التغذية ومليارا آخر يعانون من المجاعة، وما يقرب من نصف مليار فلاح فقير طردوا من أراضيهم تحت وطأة ديناميكية "السوق الحرة".

ويعمل حوالي 200 مليون طفل مجانا في المصانع، وزهاء 20 مليون شخص مستعبدون جنسيا، ومات على مدار نصف القرن الماضي زهاء مليار بسبب الجوع والحروب والصراعات.

إن عولمة الرأسمالية هي قبل كل شيء عولمة الإفلاس الأخلاقي، ولم تكن في الحقيقة سوى إعادة للبشرية إلى مصاف الحيوانات التي تلتهم بعضها بعضا، أو تتجمع حول فريستها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة