إنقاذ دارفور   
الأربعاء 1431/5/22 هـ - الموافق 5/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 2:48 (مكة المكرمة)، 23:48 (غرينتش)

عرض/ عثمان كباشي

عديدة هي الكتب التي تناولت أزمة إقليم دارفور غربي السودان منذ اندلاعها في بدايات العام 2003، وكثير منها كان شهادات لباحثين وصحفيين عاشوا جانبا من تفاصيل المشهد وحاولوا تقديم رؤاهم بشأنه.

ومن بين هذه الكتب الكتاب الذي نحن بصدده (إنقاذ دارفور: الحرب الأفريقية المفضلة للجميع). ويعتبر هذا الكتاب مقاربة مختلفة للأزمة، فهو لا يسير في خط تبسيط أسبابها الذي اتبعته العديد من الدوائر والذي يلخصها في أنها صراع بين عرب بيض ضد أفارقة سود، ولكن المؤلف يسعى لتقديم ما اعتبره أسبابا حقيقة للأزمة غفل عنها الكثيرون.

-الكتاب: إنقاذ دارفور المؤلف: روب كريللي
-عدد الصفحات: 247
-الناشر: ريبورتاج برس, لندن
الطبعة: الأولى/ فبراير 2010
وتجدر الإشارة هنا إلى أن جهد المؤلف يأتي في سياق سنة حميدة عرفت لدى الصحفيين الغربيين، إذ إن الواحد منهم لا يكتفي بالعمل الصحفي المجرد عندما ترمي به مؤسسته الإعلامية إلى أي من ميادين الأحداث والمتمثل في كتابة الأخبار والتقارير من هناك، وإنما نجده يتعمق أكثر في مهمته يبحث ويغوص ليخرج دائما بما يتجاوز التقارير إلى الكتابة المعمقة المستندة إلى التفسير والتفاصيل التي لا تسمح بها مساحات الصحف أو زمن النشرات، وهو ما نفتقده عند كثير، بل عند معظم الصحفيين العرب.

وبحسب المؤلف فإن الكتاب عبارة عن محاولة للغوص في ثنايا الصراع بدارفور لمعرفة ما يجري في هذا الإقليم غربي السودان.

وهي رحلة ستأخذه على ظهر حمار إلى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في جبل مرة، وإلى قرى المتمردين الأخرى، ثم إلى أسواق الجمال بحثا عن الجنجويد، وإلى معسكرات اللاجئين. كل ذلك بهدف إظهار الأصوات الحقيقية للمعنيين بالأزمة، في صراع يعتقد عديدون في العالم أنهم يعرفون كل شيء عنه.

مؤلف الكتاب هو الصحفي البريطاني روب كريللي الذي بدأ العمل والإقامة في شرق أفريقيا منذ العام 2004 حيث عمل مراسلا مستقلا لعدد من الصحف الغربية نذكر منها التايمز البريطانية، وإيريش تايمز وكريستيان سيانس مونيتور. وقد غطى العديد من مناطق النزاعات في أفريقيا مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال، وشمال أوغندا ثم دارفور غربي السودان والتي يدور كتابه الحالي حول أزمتها.

وبحسب الصحفي البريطاني المتخصص بالشؤون الأفريقية فيرغال كين فإن المؤلف توفرت له الشجاعة الأخلاقية والثقافية التي مكنته من التعرف على دارفور الأخرى التي تتجاوز شعارات نجوم السينما وحملاتهم بشأن الموضوع، وتقديم المشهد الحقيقي للأزمة خاصة من جهة تسليط الضوء على المتأثرين الحقيقيين بها.

وفي الإطار نفسه يتحدث الباحث في الشؤون السودانية أليكس دي وال فيقول إن كريللي يروي في هذا الكتاب قصة دارفور بعين وقلب من شاهد وعايش تطوراتها عن قرب، مركزا بشكل أساسي على الناس الذين حاربوا وعانوا، مقاتلي الحركات المسلحة، والمليشيات العربية، والنازحين من القرى بسبب الحرب، والعاملين في منظمات الإغاثة الغربية، والدبلوماسيين وحملات التوعية بالأزمة.

أما ريتشارد دودين رئيس الجمعية الملكية الأفريقية فيصف كتاب كريللي بأنه محاولة سعى عبرها الكاتب إلى نزع اللافتات النمطية عن أزمة دارفور والغوص بعيدا لكشف الحقائق.

بحثا عن مغامرة
"
بعد خمس سنوات من ممارسة الصحافة من داخل المكاتب المكيفة، فإن قدوم المؤلف إلى دارفور وفر له فرصة العمل من ميادينها الفسيحة مع الناس ومآسيهم لينقل التفاصيل في هذا الكتاب
"
يقر روب كريللي منذ البداية أنه لم يأت لأفريقيا بهدف تغيير واقعها، دعك عن إنقاذ دارفور. بل يقولها صريحة إن المغامرة
وحدها هي التي أتت به وبجهاز كمبيوتره المحمول إلى دارفور، ولكن وبعد خمس سنوات من ممارسة الصحافة من داخل المكاتب المكيفة، فإن القدوم إلى دارفور وفر له فرصة العمل من ميادينها الفسيحة مع الناس ومآسيهم لينقل التفاصيل في هذا الكتاب.

ويتكون الكتاب من مقدمة وعشرة فصول هي: إمبراطورية الرمال وفيه يكتب عن انطباعاته الأولى لدى وصوله العاصمة الخرطوم انتظارا للحصول على التصريح الذي يمكنه من تغطية الحرب في دارفور. ثم دارفور على ظهر حمار ويتحدث فيه عن زيارته لجبل مرة ولقائه بقيادات من إحدى حركات التمرد واستماعه إلى نساء ذكرن له أنهن تعرضن للاغتصاب.

ثم الفصل الثالث وهو بعنوان حرب بالوكالة، والفصل الرابع بعنوان مراوغة الأنتنوف، وهي الطائرات الحكومية التي هاجمت أحد معاقل حركة العدل والمساواة عندما كان المؤلف في ضيافة زعيم الحركة خليل إبراهيم.

والفصل الخامس بعنوان بحثا عن العرب في دارفور، والسادس عن منظمات الإغاثة في الإقليم وأوضاع الذين شردتهم الحرب ليعيشوا في المخيمات، والفصول المتبقية عن المنظمات الغربية التي سعت لإبراز الأزمة إعلاميا ونشطت في سبيل الوصول إلى حلها ومعاقبة الحكومة السودانية وصولا إلى استصدار أمر من المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس السوداني وما تبع ذلك من رد حكومة الخرطوم الذي قضى بطرد بعض منظمات الإغاثة من دارفور.

ليست الأكثر دموية
ينطلق كريللي في سرد حكايته عن دارفور التي استغرقت منه سنوات خمسا بالحديث عن واقعة مخيفة فقد كان في قلب معركة نشبت في سوق مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، بل كان في عين المكان الذي هاجمته مجموعة مسلحة يوم وصوله إلى المدينة.

ويذكر المؤلف في مقدمة الكتاب أنه غادر بريطانيا في ديسمبر/كانون الأول 2004 إلى كينيا لبدء عمله كمراسل، ويشير إلى أن ذلك كان بعد أربعة أيام فقط من إعلان كولن باول وزير الخارجية الأميركية آنذاك أن عمليات القتل التي تعرضت لها القبائل الأفريقية في دارفور هي إبادة جماعية.

"
وبحسب المؤلف فإنه وعلى الرغم من أن الحرب في دارفور ليست الأكثر دموية في أفريقيا, فإنها وجدت اهتماما واسعا من نجوم العالم الذين سعوا لإبرازها وذلك عبر السفر إلى إقليم دارفور وتشاد المجاورة، وبتسيير المظاهرات ودعم الحملات في الغرب خاصة
"
ويرى المؤلف أن الحرب في دارفور ليست الأكثر دموية في أفريقيا ويدلل على ذلك بالقول إن آلة القتل قد حصدت في جمهورية الكونغو الديمقراطية أرواح خمسة ملايين إنسان بحلول عام 2008، ويشير في السياق نفسه إلى الكارثة في الصومال التي لم تعرف حكومة مركزية منذ عام 1991، ثم الوضع في شمال أوغندا التي اختطف فيها جيش الرب بقيادة جوزيف كوني عشرين ألف طفل لتجنيدهم ضمن قواته، ثم الحرب في جنوب السودان التي يعتقد أنها حصدت أرواح مليوني شخص (قبل أن تنتهي باتفاق السلام الشامل عام 2005).

وبحسب المؤلف فإن أزمة دارفور قد وجدت بالرغم من ذلك اهتماما واسعا من نجوم العالم الذين سعوا لإبرازها وذلك عبر السفر إلى إقليم دارفور وتشاد المجاورة، وبتسيير المظاهرات ودعم الحملات في الغرب خاصة.

ويتساءل المؤلف بحثا عن إجابة وربما قلنا تبريرا لذلك الاهتمام الذي حظيت به أزمة دارفور، ويجيب طارحا احتمالات وقائلا إن ذلك ربما سببه أن الأمر في دارفور بدا للكثيرين بسيطا على عكس الصومال وشمال أوغندا والكونغو الديمقراطية، فقد قدمت الأزمة هنا أو قل فهمت على أنها (هولوكوست) أو بعبارة أخرى صراع بين أشرار وأخيار، الأشرار هم العرب والأخيار الأفارقة، والأشرار الذين تمثلهم الحكومة عرفوا من قبل بهذه الصفة في الغرب، فالحكومة آوت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في التسعينيات.

ومن أسباب زيادة الاهتمام كما يرى المؤلف تزامن توقيت اندلاع أزمة دارفور وفظائعها مع الذكرى السنوية للإبادة الجماعية في رواندا والتي يعتقد أنها أودت بحياة مليون شخص.

ويشير المؤلف إلى أن الحملات التي قادها "تحالف أنقذوا دارفور" لم تثمر شيئا مملموسا يسهم مباشرة في إيجاد مخرج للأزمة خاصة من جهة توفير الأمن والسلام لسكان الإقليم الذي فعلت بهم الحرب ما فعلت. فهذا التحالف الذي وراء تأسيسه مجموعات يهودية وكنسية إنجيلية، ومن خلال تصويره للأزمة على أنها صراع بين عرب وأفارقة وفر للرئيس السوداني عمر البشير دعما كبيرا من قبل العرب والأفارقة على السواء.

فالجامعة العربية ممثلة بأمينها العام (عمرو موسى) لم تندد بالحكومة السودانية ورئيسها خشية أن تقف في معسكر ذلك التحالف اليهودي المسيحي. كما أن الزعماء الأفارقة وقفوا مع البشير ضد المحكمة الجنائية، خاصة وأن الأمر قد يطال سجلهم المعروف في مجال حقوق الإنسان، حيث أعلن الاتحاد الأفريقي أن دوله لن تعتقل الرئيس السوداني تنفيذا لأمر الجنائية إن هو زار أيا من هذه الدول.

ما وراء الأزمة
"
يرى المؤلف أن المنظمات العالمية استطاعت أن تقدم أزمة دارفور للعالم وتعرفه بالفظائع التي تعرض لها الناس في الإقليم، لكن تلك المجهودات أوجدت نوعا من الاستقطاب في جهة البحث عن إجابات لأسئلتها المحيرة
"
وكما أشرنا من قبل فإن المؤلف يكرر دائما أنه سعى بعمله هذا إلى الغوص عميقا في أسباب الأزمة الحقيقية، لا ليكرر الإكليشيهات المتداولة عن دارفور وصراعها وإنما ليجد تفسيرا حقيقيا لما حدث ويحدث في الإقليم.

ويرى المؤلف أن المنظمات العالمية استطاعت أن تقدم أزمة دارفور للعالم وتعرفه بالفظائع التي تعرض لها الناس في الإقليم ومن ثم تخلق وعيا عاما بالأزمة، لكن تلك المجهودات أوجدت نوعا من الاستقطاب في جهة البحث عن إجابات لأسئلتها المحيرة.

ثمة أسئلة كثيرة –بحسب المؤلف- بحاجة إلى إجابات فيما يتصل بحقائق أزمة دارفور، فالإقليم قد يبدو ميدان معركة غامضا، بيد أنه أيضا ميدان آخر للعديد من إشكالات القرن الحادي والعشرين، فهنا يحضر بشكل بارز دور الصين في أفريقيا، وتحضر علاقات الغرب مع العالم العربي، كما يبرز دور الاحترار العالمي كمصدر جديد للصراع.

وقليلون هم من سمعوا برعاة الإبل في دارفور المعروفين باسم (الأبالة) أو بقبائل الفور التي تمارس الزراعة، بيد أن الصراع في المنطقة كان شيئا معتادا. وبحسب المؤلف أيضا فالأحداث هنا ستشكل اتجاهات الناس نحو العدالة الدولية وبعثات حفظ السلام.

يبدو من فصول الكتاب أن المؤلف بذل مجهودا مقدرا في الإجابة عن أسئلة دارفور المحيرة، وهو المرجو من الصحفي المراقب للأحداث والمعايش لها عن كثب، لكن ثمة أسئلة أخرى لا تزال بحاجة إلى من يفك طلاسمها ويوفر إجاباتها الواضحة.

وهي إجابات ينتظرها الكثيرون في الإقليم، تنتظرها نساء الإقليم اللاتي دفعن أغلى وأعز ما لديهن -الشرف-  ينتظرنها وهن يكابدن الحياة البائسة في المخيمات من أجل توفير لقمة فقيرة لأطفال أبعدوا قسرا عن مكانهم الطبيعي -المدارس- ينتظرها كل أهل السودان وهي ليست مستحيلة، بل هي لدى أبناء السودان وفي متناول من يتسنم السلطة في المقام الأول، وهي أيضا لدى من حملوا السلاح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة