المعرفة في خدمة الهيمنة   
الخميس 1432/7/2 هـ - الموافق 2/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 21:35 (مكة المكرمة)، 18:35 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
يشرح هذا الكتاب كيف تم استخدام المعرفة بمنطقة الشرق الأوسط وخصائصها ومكوناتها وقيمها ودينها, كوسيلة لتحقيق هيمنة الولايات المتحدة الأميركية، خصوصا في سنوات القرن العشرين, عندما بدأت مصالح أميركا الاقتصادية والأمنية والسياسية تتوسع في المنطقة, وبالتالي يفسر هذا الكتاب -جزئياً- السياسات التي هدفت إلى "صنع" شرق أوسط "متخيل" في المستقبل, أو ما يطلق عليه الآن "الشرق الأوسط الجديد".

ويسعى المؤلف -وهو باحث أميركي معروف- إلى دراسة أبعاد هذا التوظيف للمعرفة, باعتباره وسيلة لاستمرار حالة الهيمنة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط تحديداً, وذلك بالتركيز أكثر على قضايا الأمن القومي والدبلوماسية والاقتصاد, إضافة إلى السياقات الثقافية والأيديولوجية والفكرية, ويركز أيضاً على تطور الخبرة والمرجعية والرؤية في الولايات المتحدة، بخصوص منطقة الشرق الأوسط والسياسة الخارجية بشكل أوسع.

الأرض المقدسة

-الكتاب: المعرفة في خدمة الهيمنة
-المؤلف: ماثيو إف. جايكوبز
-المترجم: د. فاطمة نصر
-عدد الصفحات: 382
-الناشر: دار سطور الجديدة, القاهرة 
-الطبعة: الأولى/ 2011

 

ويتكون الكتاب من مقدمة وخمسة فصول, وفي المقدمة يطرح المؤلف تطور الخبرة وإنتاج المعرفة لدى الولايات المتحدة عن منطقة الشرق الأوسط, والجهات الداعمة لهذا التطور المعرفي, والبداية كانت في القرن التاسع عشر حيث اعتمدت الولايات المتحدة على البعثات التبشيرية الأميركية والسياح والكُتاب وقراء كتب الرحلات والأسفار, والذين تخيلوا "جميعهم" أن منطقة الشرق الأوسط هي "الأرض المقدسة", وأنها بانتظار الخلاص على أيدي الولايات المتحدة, وأن "أميركا" وحدها هي المصدر المشروع لإحداث التغيير في المنطقة, وهكذا أضحى أسلوب "تخيل" الولايات المتحدة للمشرق، عميق التجذر في علاقات أميركا بالشرق الأوسط حتى العقود التالية, ومازال تأثيره فاعلاً حتى وقتنا هذا!

وينتهي المؤلف في الفصل الأول إلى أن تلك الرؤية، وهذا الشكل من المعرفة والخبرة، واجه تحديات متنامية في أوائل القرن العشرين, مع نمو وتزايد مصالح الولايات المتحدة, وبعد الحرب العالمية الأولى, وبدأت الحرب العالمية الثانية بالذات تكشف مواطن الضعف، المتأصلة، في نظام إنتاج المعرفة, الذي اعتمد على روايات كانت تصور المنطقة على أنها مكان متخلف يحتاج إلى "الخلاص المقدس والدنيوي" على أيدي أميركا, وبدأت المطالبة بنظام جديد لتدريب المتخصصين على إنتاج معرفة جديدة، أكثر علمية وموضوعية وحداثة عن الشرق الأوسط المعاصر.

ويؤكد المؤلف في الفصل الثاني أن الدين الإسلامي برهن على أنه "أحد الأوجه المهمة، في كيفية تخيل الأميركيين لمنطقة الشرق الأوسط، طوال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين, لكنه اكتسب دوراً أكثر حسماً وأهمية للمتخصصين من الباحثين والخبراء والمهتمين, منذ منتصف القرن العشرين", وبدأ هؤلاء الذين يسميهم الكاتب "أعضاء الشبكة غير الرسمية", ينظرون إلى الإسلام باعتباره "قوة سياسية", و"الطريق الذي يمكن من خلاله فهم المنطقة ككل", لكن الأمر انتهى بهؤلاء المتخصصين إلى عكس ما فكروا فيه, مع بداية عقد الستينيات من القرن الماضي, عندما بدؤوا ينظرون إلى التيار القومي العلماني، باعتباره حل محل "الدين" كمشكلة ملحة -من وجهة نظرهم- ينبغي التعاطي معها في أنحاء المنطقة.

ويشير الكتاب إلى أن معظم الأبحاث كانت تركز على إيران منذ نهاية السبعينيات وقيام ثورة الخميني, أو على جهود الولايات المتحدة في مساعدة المجاهدين, الذين كانوا يقاتلون القوات السوفياتية في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي, باعتبارها أحداثًا منزوعة من سياق نظرة الولايات المتحدة للمنطقة, وهذا ليس دقيقًا على كل حال.

اعتقاد خاطئ
"
كان اعتقاد الأميركيين بأن الإسلام في حالة "تراجع" و"انزواء", ومن هذا المنظور فإن ثورة إيران الإسلامية غيّرت الأمر المتخيل عن الإسلام لدى الأميركيين والغرب بشكل كبير
"
ويقول المؤلف إن أفضل وسيلة للتصالح مع المفاجأة التي دهمت الأميركان, في أعقاب انتصار الإسلاميين في إيران نهاية سبعينيات القرن العشرين, لا تكون بالنظر إليها كحركة انبثقت من الفراغ, بل بإدراك أن جهود المتخصصين الأميركيين لفهم الإسلام ودوره في السياسات الإقليمية والدولية، في الفترة من الأربعينيات إلى الستينيات, أدت بهم إلى الاعتقاد بأن الإسلام كان في حالة "تراجع" و"انزواء", ومن هذا المنظور فإن ما حدث في إيران, غيّر الأمر المتخيل عن الإسلام لدى الغرب بشكل كبير.

وفي الفصل الثالث يشير المؤلف إلى إمكانية التعرف على ثلاث مراحل عريضة, في الجهود الأميركية لـ "تخيل" القومية الشرق أوسطية, فيما بين عام 1918 ونهاية الستينيات, وكان الدافع للانتقال من مرحلة إلى أخرى هو التطورات في المنطقة نفسها, بينما كان المراقبون الأميركيون يستجيبون لحركتها السياسية.

وفي المرحلة التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى بداية الخمسينيات، كان المتخصصون في دراسة الشرق الأوسط على وعي ببزوغ قوى قومية, وأكدت تفسيراتهم في البداية لـ "صحوة الروح القومية" على دور المبشرين الأميركيين في إيقاظها, وصوروها على أنها قوة حميدة جديرة بالترحيب, لكن ظهور أمثال مصطفى كمال في تركيا، والشاه رضا بهلوي في إيران، ومعهما حركات قومية عريضة القاعدة, تطلب تفسيرات أكثر تعقيداً.

وفي المرحلة الثانية التي امتدت طوال عقد الخمسينيات أصبح المتخصصون وصناع السياسة يتخيلون القومية الشرق أوسطية من منطلقات شديدة السلبية, وأطروها داخل خطاب للراديكالية, وساووا بينها وبين الشيوعية السوفياتية, وسعوا إلى عزلها, بعدما أدركوا قدرة الفرد (عبد الناصر كمثال) على جذب الجماهير والتأثير فيها, وشوه المتخصصون في الشرق الأوسط صورة الجماهير "التي تذعن لمثل هؤلاء القادة"، وحطوا من شأنها بصفتهم أتباعا طائشين لديكتاتور شمولي محتمل.

احتواء القادة
ومع نهاية عقد الخمسينيات، حينما بدت مصالح الولايات المتحدة معرضة للخطر بشكل كبير, بدأت المرحلة الثالثة, وفيها أعاد المتخصصون في المنطقة وصناع السياسة تخيل القومية العربية ومكانها في الشؤون الإقليمية, وأهميتها للولايات المتحدة, وانتهوا إلى أنه بدلاً من معارضة القومية فإن الأفضل للولايات المتحدة أن تحافظ على الصلة مع القادة القوميين, وأن التعامل مع هؤلاء قد "يرشد" طاقاتهم باتجاه أهداف أقل تطرفا، ويشجعهم على احتواء السياسات الجماهيرية في بلدانهم.

"
عدم قدرة الولايات المتحدة على إيجاد أية وسائل مرضية لإنجاز مهمتها "المقدسة والدنيوية" لتغيير الشرق الأوسط, أدى إلى قدر كبير من الإحباط في أوساط المتخصصين وصناع السياسة
"
وتحت عنوان "تخيل شرق أوسط متغير" يؤكد المؤلف في الفصل الرابع أن عدم قدرة الولايات المتحدة على إيجاد أية وسائل مرضية لإنجاز مهمتها "المقدسة والدنيوية" لتغيير الشرق الأوسط, أدى إلى قدر كبير من الإحباط في أوساط المتخصصين وصناع السياسة, وفي هذا الإطار صدر تقرير مكتب الاستخبارات والأبحاث التابع لوزارة الخارجية الأميركية بعنوان "جذور مقاومة العرب للتحديث" صيف عام 1969, ويمكن تحليله من ثلاث زوايا برأي المؤلف:

1- أن الوثيقة مذهلة من حيث رؤيتها ضرورة "اجتثاث عروبة العرب وتجريدهم منها", وبالتالي تعكس العلاقة بين إنتاج المعرفة وممارسة السطوة والهيمنة, ودليل على الافتراضات المهيمنة في تلك الفترة على المتخصصين والسياسيين، الذين كانوا يتخيلون الشرق الأوسط ومستقبله.

2- كشفت الوثيقة عن عدم قدرة هؤلاء الذين كتبوها، على تفحص فرضياتهم وقابليتها للتطبيق الشامل, أو اكتشاف العيوب المتأصلة في الأساليب، التي باشرت بها أميركا جهودها لتحقيق هذا الهدف في الشرق الأوسط طوال نصف قرن.

3- أما الزاوية الثالثة فقد كان من الضروري فهم عدم قدرة العرب على التحديث (أو التغريب بمعنى أدق), نظراً للأهمية الدولية لهذه المنطقة, خصوصًا بعد حرب 1967, حيث اكتسب الإسلام مرة أخرى دورًا مهمًا, وزعم البعض أنه يقيد جهود العرب الرامية للتحديث.

الصراع العربي الإسرائيلي
أما الفصل الخامس والأخير فقد ناقش فيه المؤلف القضية المركزية في المنطقة، وهي الصراع العربي الإسرائيلي, وأشار في تحليله إلى أن هؤلاء المتخصصين وصناع السياسة في منطقة الشرق الأوسط لم يهتموا بالقدر الكافي بهذا الصراع, واستندت أعداد منهم، من الموالين للصهاينة بعامة، إلى مدركات لا تمحى عن الشرق الأوسط، بوصفه "أرضًا مقدسة يهودية مسيحية, وعلى رسالة مقدسة ودنيوية أوسع لتغيير وجه المنطقة", استندوا إليها لإقناع صناع السياسة وغيرهم من الأميركيين بتخيل "فلسطين يهودية".

بيد أنه بحلول أواسط الأربعينيات عارض كثير من قدامى المبشرين والمستشرقين داخل الحكومة وخارجها, وبدعم من اليهود المعادين للصهيونية, عارضوا الوجود اليهودي في فلسطين، من منطلق التهديدات التي يمثلها هذا الوجود لمصالح الولايات المتحدة، ومصالح البعثات التبشيرية والأعمال الخيرية بالمنطقة, لكن القوى الصهيونية هزمت هؤلاء جميعا في المعركة في فلسطين.

"
مع منتصف الستينيات بدأ التوازن الهش, الذي كان المتخصصون يأملون بأنه في الإمكان الحفاظ عليه بين العرب وإسرائيل, في الانهيار، بينما أصبح الصراع أكثر تعقيداً
"
ومع منتصف الستينيات بدأ التوازن الهش, الذي كان المتخصصون يأملون بأنه في الإمكان الحفاظ عليه بين العرب وإسرائيل, بدأ هذا التوازن في الانهيار، بينما أصبح الصراع أكثر تعقيداً.

ويقول المؤلف إن حرب 67 يمكن اعتبارها هزيمة ثانية لكثير من المتخصصين في الشأن الشرق أوسطي بالولايات المتحدة, ولم تتمكن هذه الشبكات العاملة بهذا الميدان من الخروج من حالة الهزيمة, وبدأت تتصدع تحت الضغوط التي أوجدتها حالة الحرب.

وهناك العديد من الأمثلة التي تشير إلى أن تأويلات الحاضر وتخيلاته مازالت مستمرة في الاستناد إلى إطار للمعنى، الذي مازال قائمًا رغم استمرار تطويره, ذلك الإطار الذي تم تحديده من خلال إنتاج المعرفة والرسالة الدنيوية والمقدسة, ومازال قوة دافعة في كيفية "تخيل" الأميركيين لمنطقة الشرق الأوسط حتى الآن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة