مفهوم الحريات   
الاثنين 29/7/1433 هـ - الموافق 18/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:11 (مكة المكرمة)، 13:11 (غرينتش)

عرض/ أحمد حسن علي

(الحرية) الهتاف الهادر في الميادين العربية، وطريق العذابات والآلام لبلوغ الهدف الأسمى من الوجود. أو كما تقول المذاهب الفلسفية، هي جوهر الإنسان أو وسيلته أو غايته، والدعوة والنضال من أجلها ليس أمرًا تفردت به التجربة الغربية الحديثة بل سعت إليه التجارب البشرية منذ فجر الضمير.

-الكتاب: مفهوم الحريات (دراسة مقارنة في النظم السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والدينية المعاصرة)
-المؤلف: د. محمد أبو سمرة
-عدد الصفحات: 142
-الناشر: دار الراية للنشر والتوزيع، عمان – الأردن
-الطبعة: الأولى 2012م

وأطلقت أشواقها العارمة رسالة الإسلام الخاتمة، وجسدتها فعليًا صرخة الفاروق عمر المدوية: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟). 

من أجل ذلك، كان مدار الكتاب وغايته الكبرى تحليل مفهوم الحرية وتناول الدلالات اللغوية ثم الدلالات الحضارية التي قدمتها النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية المعاصرة لهذا المفهوم.

 (الحرية) لغويًا: معناها القدرة على قيام الفرد بأداء ما يريد وما يشاء دون أي موانع تحد من ذلك، وأيضًا هي مجموعة الحقوق التي يتمتع بها الأفراد أو الجماعات ويلتزم الأفراد بصونها. فالحرية لما تفترضه من الروية والمسؤولية والاختيار والتنفيذ، هي ميزة الإنسان عن سائر المخلوقات.

واصطلاحًا هي: المقابل المناقض للعبودية، فالحر ضد العبد والرقيق، وتحرير الرقبة: عتقها من الرق والعبودية، فالحرية هي رخصة الإباحة التي تمكن الإنسان من الفعل أو الترك، المعبر عن إرادته. 

فإذا كانت الحرية هي ما يتنازل عنه الفرد للمجتمع أو السلطة مقابل ضمان وجوده الفسيولوجي والمعنوي، فمن ذلك نستطيع أن نحدد عدة أشكال للحرية: (الحرية المقيدة أو المحددة)، والتي تعطى للفرد أو المجتمع ضمن سقف من القيود والكوابح.

- (الحرية المطلقة أو الكاملة) تمنح دون قيود على الاختيار.
- (الحرية النسبية) تتبدل من مجتمع إلى آخر.

مفهوم الحريات في الإسلام والأديان والمعتقدات الأخرى
الإسلام في جوهر رسالته، هو إحياء للإنسان، يحرر ملكاته وطاقاته من استعباد العادة أو الصنمية، فيوجه تلك الملكات خالصة لوجهه سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) (الأنفال: 24).

فمثلاً، أعطى الإسلام للرجل والمرأة كليهما حريات متساوية، وجعل للرجل حريات أكثر من جهة أخرى، وللمرأة حريات تختلف عن الرجل، وجعل المسؤولية والتكاليف متساوية، وحرية التفكير والفكر مكفولة ما لم يتم الخروج على أصول الدين وفي مصلحة الفرد والجماعة. 

أما في مسألة (الرق) التي يزن عليها بعض المستشرقين الذين أعشى الله أبصارهم ترحيل مائة مليون أفريقي قسرًا إلى أميركا والغرب، ونعلم جميعًا مآلهم ومصائرهم.

فقد لاحظ المفسرون للقرآن الكريم سر التشريع الذي جعل كفارة القتل الخطأ تحرير رقبة من رق العبودية (ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة) (النساء: 92)، وذلك لأن الرق موت، والحرية حياة، فلما كان القاتل قد أخرج بالقتل نفسًا من عداد الأحياء إلى عداد الأموات، فإن كفارة هذا الذنب.

-المعادلة له: هي تحرير رقبة بإخراج صاحبها من عداد الأموات بالرق إلى عداد الأحياء بالحرية. أما (الديمقراطية) فهي نمط سياسي يختلف من نظام إلى آخر، بينما (الحرية) هي معطيات وثمرات ونتائج هذا النظام، فالإسلام سبق هذه النظم جميعها بتحريره لمن شاء التحرر بالحرية والاختيار المسؤول ضمن حدود الشريعة.

- التركيز على قيمة الإنسان وتكريمه بصرف النظر عن دينه ولونه وجنسه (ولقد كرمنا بني آدم…) (المؤمنون: 101).

- ولذلك فالناس متساوون في الحقوق والواجبات، ولا فضل على أحد إلا بالتقوى، إضافة إلى أن التكاليف واحدة دون تفرقة أو تمييز.

تُطرح الاشتراكية كحل لعلاج التناقضات داخل النظام الرأسمالي، والهدف الذي تسعى إليه هو التحرر الاقتصادي في العمل والإنتاج، إلا أنها تظل ناقصة من غير التحرر السياسي

مفهوم الحريات في النظام الاشتراكي والشيوعي والماركسي
الاشتراكية تعني استلام الجماهير للسلطة السياسية وتوجيهها لمصلحتها، وتُطرح الاشتراكية كحل لعلاج التناقضات داخل النظام الرأسمالي، والهدف الذي تسعى إليه البروليتاريا (مذهب رعاية الكادحين) هو التحرر الاقتصادي في العمل والإنتاج، والاستفادة من فائض القيمة الذي يصب في جيوب الرأسماليين، إلا أنها تظل ناقصة من غير التحرر السياسي.

وفي ظل انقسام المجتمع إلى طبقتي (البورجوازية) و(البروليتاريا)، فلا بد أن تتقدم البروليتاريا لاستلام السلطة من مغتصبها، واستخدامها في مصلحتها الطبقية، لأنها لا تمثل مصالحها فقط، وإنما تمثل جميع الطبقات الدنيا وهي صاحبة المصلحة في إلغاء الاستغلال، وإشاعة الحريات الاقتصادية والسياسية والديمقراطية، وأن ما يكسب الحريات خاصيتها الإنسانية، بحسب الطرح الماركسي، هو ارتباطها بالعمل الاجتماعي الذي بواسطته تمد الجسور بينها وبين قوانين التاريخ والسياسة والاجتماع.

مفهوم الحريات في النظام الرأسمالي
تتسم المجتمعات الرأسمالية بصفات واضحة، أهمها، أنها تعتمد على:

- قاعدة إنتاج مادي ضخمة يرتكز على قاعدة علمية وثقافية وتقنية.
- الديمقراطية البرلمانية على المستوى السياسي والاقتراع والتعددية.
- العدل الاجتماعي من ناحية الضرائب التصاعدية ومجتمعات (الرفاه).        
- سيادة السوق الرأسمالي كأداة اقتصادية وممارسة الديمقراطية السياسية وما يتبعها من حريات الأفراد (دعه يعمل .. دعه يمر)، وهما ظاهرتان لا يمكن الفصل بينهما.

الحريات في زمن العولمة
يعرف بعض المفكرين (العولمة) بأنها رسملة العالم على مستوى التصميم بعد أن تمت رسملته على مستوى النظام الاقتصادي الرأسمالي على دول العالم أجمع، من خلال استثمار قوى الهيمنة عند الدول الضعيفة والعولمة ليست بالعالمية ولا بالعلمانية، حتى لا يختلط الأمر والمعنى على الناس، وتقوم العولمة الجديدة على مصادرة الحريات العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتثبيتها للأقوياء، والاعتماد على الغزو الغربي للاقتصاد ثم السياسي والاجتماعي لحساب الدول الغنية (أميركا – الغرب) على حساب حريات وحقوق الدول الضعيفة وتطبيق سياسات النيوليبرالية التي زادت الفقراء فقرًا والأغنياء غنى. 

ويطالب المؤلف باستعراض طرق وأساليب لمجابهة العولمة الغربية ونشر عولمة مضادة، وفي ذات الوقت الاستفادة من العولمة الغربية وطرح مساوئها، حتى لا نكون في نهاية الأمر وقودًا لأهداف الغرب في السيطرة على العالم كله.

الرأي العام واستطلاعات قياس الحرية في المجتمع 
يعرف (الرأي العام) على أنه التعبير عن موقف أو مسألة أو اقتراح، وهو ما يعبر عنه إزاء قضية معينة متنازع عليها, فتشير وجهات نظر مختلفة بين الأفراد الذين لهم علاقة بها، ويمكن أن نميز بين قسمين من الرأي، وهما: (الرأي الخاص)، وهو الرأي الشخصي الذي ينفرد به عادة فرد معين، ومجال بحثه هو علم النفس السلوكي.

(الرأي العام) الذي يرتبط بموضوع ذي اهتمام عام، ويمثل قياس الرأي العام أهمية كبرى لدى الحكومات، لاستشراف رأي عام يمكنها من اتخاذ القرار أو تصحيح رؤيتها حيال القضايا التي يستهدفها القياس، وهناك ثلاث طرائق لقياس الرأي العام في أي مسألة، أو قضية الحريات:

1- طريقة (الاستفتاء): وتتلخص في اختيار عينة من الجمهور بدقة، ويوِّجه إليها عدد من الأسئلة التي تحوي موجزًا عن المشكلة المراد قياس اتجاهات الرأي العام حيالها، ثم يتم بعد ذلك إعداد دراسة الإجابات واستخلاص النتائج عن طريق إحصاءات رياضية رسوم بيانية أو غيرها من الطرائق المختلفة لإبراز النتائج.

2 – طريقة (المسح)، وتعتمد قياس الرأي العام الظاهر والكامن الذي لا يعلن عنه لجماهير الرأي العام لاعتبارات سياسية، وتستخدم وسيلتان لقياسه: الملاحظة، والمقابلة.

3 – طريقة (تحليل المضمون): بتحليل اتجاهات الصحافة المحلية والعالمية، وأجهزة الإعلام المختلفة.

4 – (القياس): وهو تقدير قيمة الأشياء وقياس الرأي العام مرتبط بالسؤال والجواب، ولكن مع اختلاف الوسيلة التي يتم بها عرض الأسئلة وطريقة التعامل معها، ويتم بطريقتين: الطريقة الكمية، والكيفية.

مفهوم الحريات في النظم السياسية الرئيسية المعاصرة
تتنوع الحريات بين الوجود أو عدم الوجود أو بين السماح والممانعة حسب الأنظمة السياسية السائدة في المجتمع، التي تنقسم بدورها إلى:

تتنوع الحريات بين الوجود أو عدم الوجود حسب الأنظمة السياسية السائدة في المجتمع، التي تنقسم بدورها إلى: نظم ديمقراطية تستمد سلطتها من رضا الشعب, ونظم شمولية ترتكز على حزب واحد, والنظم التحكمية
- نظم ديمقراطية تستمد سلطتها من رضا الشعب وإرادته، وتمنح الحرية لمؤسسات الدولة وسلطاتها وللأحزاب والنقابات والإعلام.

- نظم شمولية ترتكز على حزب واحد يحتكر الحياة السياسية، ويعمل على فرض أيديولوجيته على كل أفراد المجتمع بشتى الطرق والوسائل القانونية وغير القانونية طبعًا.

- النظم التحكمية هذه النظم يغيب فيها ربط القدرة بنسق قيمي، فيقف الأمر هنا عند حل (السلطة التحكمية)، وذلك في مواجهة السلطة الشرعية، كما في معظم الدول العربية والإسلامية.

مبادئ النظم السياسية المعاصرة وانعكاسها على الحريات
النظام السياسي الليبرالي: ويسمى النظام التحرري، حيث إن كلمة الليبرالية هي كلمة لاتينية، ويرتكز النظام الليبرالي على مجموعة مبادئ، وهي:

- مبدأ الشرعية: وأصل مرجعية هذا المبدأ المفكر (مونتسكيو) الذي نبه على ضرورة التزام القائمين على السلطة بدستور مسبق، وذلك بصرف النظر عن عدد القائمين على السلطة قلة كانوا أم كثرة.

- مبدأ سيادة الأمة: وأصله الغربي هو (جون لوك) الإنجليزي الذي انطلق من أن السلطة السياسية تنشأ نشأة إرادية من جانب أفراد المجتمع، وأن مصدرها هو الرضا بها من جانب المحكومين.

- مبدأ الوكالة التمثيلية: وهي حل وسط بين المبدأين السابقين، والمنتخبون وفقًا لهذه النظرية ليسوا مجرد أعضاء في الهيئة الحاكمة في الدولة، وإنما هم ممثلون عن الأمة وفق مدة محددة، حتى لا تفقد الأمة رقابتها عليهم.

وفي الخاتمة، أوصى المؤلف بتأمل وفهم نظام الحكم في الإسلام، فالتشريع السماوي يكفل الحريات للمجتمع كافة داخل الدول الإسلامية، ولا بد من المراجعة والتحليل ومعرفة الحقيقة من مصادرها والإحسان في التطبيق، من أجل تحقيق الشورى والديمقراطية وصيانة وكفالة الحريات العامة والشخصية، وكافة أنواع الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة