الأقباط ومطالبهم في مصر   
الجمعة 22/9/1433 هـ - الموافق 10/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:19 (مكة المكرمة)، 11:19 (غرينتش)
عرض / حسين عبد العزيز
تتناول هذه الدراسة طبيعة وخصوصية سياسات الاستبعاد والتضمين تجاه الأقباط في مصر منذ 1991 وحتى 2008، وذلك من خلال دراسة مطالب الأقباط وطبيعتها. وفي معرض تحليل أوضاع الأقباط، سجلت مؤلفة الكتاب مي مجيب عبد المنعم مسعد بروز الحيرة بين إلقاء اللوم على الدولة وحدها، وبين لوم المجتمع الذي هو جزء من الأزمة.

مفهوم الاستبعاد بين المجتمع والدولة
تؤرخ تسعينيات القرن الماضي لبداية دراسة مفهوم الاستبعاد رغم أنه واقع في كل المجتمعات، لكنه اتسع ليدخل في علاقة مع مفاهيم أخرى مثل التكامل الاجتماعي والانتماء والهوية والمواطنة والأقلية والاختلاف والتضمين.

-الكتاب: الأقباط ومطالبهم في مصر بين التضمين والاستبعاد
-المؤلفة: مي مجيب عبد المنعم مسعد
-عدد الصفحات: 495
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى 2012

وتؤكد المؤلفة أن الاستبعاد موضوع حيوي وكاشف لطبيعة البنية الاجتماعية، فهو ليس أمرا شخصيا ولا راجعا إلى تدني القدرات الفردية فقط، بقدر ما هو حصاد بنية اجتماعية معينة ورؤى محددة.

وترى أن العلاقة بين الدولة والمجتمع تمثل أحد المفاتيح الرئيسية في فهم أوضاع أي نظام سياسي، وأيا كانت العلاقة بين الطرفين، إلا أن هناك اتفاقا أن المجتمع هو السابق على الدولة، وإذا كان المجتمع شرطا للدولة فإن الأخيرة ليست كذلك بالنسبة للمجتمع.

وتذهب إلى أن حالة عدم التوازن بين الدولة والمجتمع تمثل إحدى المعضلات الأساسية للتطور السياسي والاجتماعي في مصر. وأمام عدم التوازن هذا اتجهت بعض قوى المجتمع إلى تعزيز أدوارها وتأمين مصالحها بعيدا عن الدولة، الأمر الذي أدى إلى تنامي الانتماءات الضيقة، خصوصا أن الدين في مصر يؤدي دورا لا يستهان به في مجال القيم والأخلاقيات المجتمعية.

التعريف بالأقباط
القبطية ليست دينا، ولكن مصطلح الأقباط يعني المصريين جميعا، وهو النطق العربي لكلمة GYPT وهي مشتقة من اليونانية AIGYPTUS التي ترجع في أصلها إلى الكلمة الفرعونية HAKAPTAH، أي "بيت روح الإله بتاح" ( إله الخلق) وهو ما يردد إلى الآن بالتعبير الدارج "يا فتاح يا عليم". وأيا كان الأمر فإن كلمة قبطي تسبق ظهور المسيحية، وكانت الكلمة مستخدمة مع الفتح الإسلامي للدلالة على أهل مصر الذين كانوا على الدين المسيحي، فأصبح المتداول بعد ذلك أن من دخل الإسلام أصبح مسلما، ومن ظل على المسيحية سمي قبطيا.

ويبلغ عدد الطوائف المسيحية ثلاثة عشرة طائفة، يمكن تصنيفها على النحو الآتي:

- الطوائف المسيحية الوطنية: الأقباط الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.
ـ الطوائف المسيحية غير المصرية: الروم الكاثوليك والأرثوذكس.
ـ الأرمن الكاثوليك والأرثوذكس.
ـ السريان الكاثوليك والأرثوذكس.
ـ اللاتين الكاثوليك.
ـ الموارنة.
ـ الكلدانيون.
ـ الأنجليكان البروتستانت.
ـ الخمسينيون.
ـ المعمدانيون.
ـ كنيسة المسيح.

تركز المؤلفة على طائفة الأقباط الأرثوذكس لكونها الطائفة الرئيسية في مصر من حيث القدم والانتشار (جاءت إلى مصر على يد القديس مرقس الرسول البطريركي الأول).

إحياء الهوية القبطية
إن الدولة في إطار سعيها إلى التغلغل في المجتمع وإحكام قبضتها على المؤسسات الشعبية، حولت الأقباط إلى طائفة، وجعلت الكنيسة الأداة المؤسسية لهذه الطائفة، واختزلت الطائفة في شخص رأس المؤسسة، مما قوى رموز المؤسسة الكنسية.

تصاعد دور المؤسسات الدينية في مصر وقدرتها على تعبئة موارد مالية متعددة زاد من قدرتها على القيام بوظائف اجتماعية ورعائية، ومن ثم ظهور ما يسمى السلطة الدينية البطريركية

ولعل تصاعد دور المؤسسات الدينية في مصر وقدرتها على تعبئة موارد مالية متعددة زاد من قدرتها على القيام بوظائف اجتماعية ورعائية، مما أدى إلى تديين الحياة الاجتماعية، وظهور ما يسمى السلطة الدينية البطريركية، في ظل غياب أنظمة تمثيلية توزع القيم السياسية والدولتية على الخرائط الاجتماعية على تنوعها.

إن استبعاد الفئات الوسطى وعدم مشاركتها في الحياة السياسية والحزبية من جهة، وقدرة الكنيسة على تلبية متطلبات اقتصادية وصحية وتعليمية من جهة ثانية، جعل القبطي ينظر إلى الكنيسة ليس كمخلص روحي فحسب، بل كمخلص معيشي أيضا.

وإضافة إلى ذلك ينشر الأقباط عددا من المجلات الدورية، كمجلة مدارس الأحد ومجلة رسالة الشباب الكنسي، وهناك دراسات تتناول مشكلات الأقباط وهمومهم، وقد كرس هذا الإعلام القبطي -إن جاز التعبير- الخصوصية القبطية.

وتضيف المؤلفة عاملين آخرين ساهما في تبلور الهوية القبطية، أولهما القيادة الكاريزمية للبابا شنودة ونجاحه في إحياء التراث القبطي وانتعاش الدراسات القبطية من فن وموسيقى وتاريخ، وثانيهما فكرة الاستشراق حيث بلور الانقسام الحضاري بين الشرق والغرب التمايز بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، ودفع بالأقباط للنظر إلى أنفسهم على أنهم العرق الأساسي للمصريين.

مطالب الأقباط
1- المطالب الاقتصادية، وتشمل تعيين الأقباط في الوظائف العليا والإسراع بصدور قانون يضمن نسبة محددة للأقباط للتعيين في وظائف الدولة.

والأقباط في عرف المنادين بهذه المطالب مستبعدون من الدخول في أي مؤسسة رقابية، ومستبعدون من الوظائف العليا إلى حد كبير. وهنا تطرح المؤلفة تساؤلا: هل الاستبعاد من الوظائف العليا تصرف متعمد من قبل الدولة، أم أنه يأتي في إطار أوسع يمكن أن نطلق عليه الاستبعاد الموجه؟

ترى المؤلفة أن شغل المناصب الحكومية يتوقف على المحسوبية والواسطة، وما قد يصاحبهما من تمييز بين المواطنين على أساس ديني أو سياسي. إن المحك في تأييد تعيين الأقباط في الوظائف العليا هو مدى كون ذلك يحقق مصالح المواطن ومصالح الوطن.

2- المطالب الاجتماعية، وتتضمن الاستفادة من وسائل الإعلام كما يستفيد منها غالبية المسلمين، وإذاعة القداس كل يوم أحد على الهواء أسوة بصلاة الجمعة.

يطالب الأقباط برفع خانة الديانة من البطاقة الشخصية لما يترتب على وجودها من استبعاد على أساس ديني، كما يطالبون بتضمين التاريخ القبطي في مناهج التعليم

كما يطالب الأقباط بإنهاء العمل بلائحة 1938 والبدء بالعمل طبقا للائحة 1981 الموحدة والمتعلقة بالأحوال الشخصية لغير المسلمين، بعد رفض البابا شنودة الثالث منح تصاريح الزواج للمطلقين إلا لعلة الزنا، حتى لو كان قد حصل على حكم قضائي لسبب من الأسباب التي حددها قانون عام 1955 الخاص بالأحوال الشخصية لغير المسلمين المستوحى من اللائحة الخاصة بالأحوال الشخصية لعام 1938.

كما يطالب الأقباط برفع خانة الديانة من البطاقة الشخصية لما يترتب على وجودها من استبعاد على أساس ديني، وبتضمين التاريخ القبطي في مناهج التعليم.

3- المطالب السياسية، وتتمثل في مطلبين رئيسيين:
الأول ـ تفعيل مشاركتهم في العمل العام، وترى المؤلفة أن عبء هذا التفعيل يقع على عاتق المجتمع بكل منظماته وهيئاته ومؤسساته، كما أن الطبيعة السلطوية للثقافة المصرية مسؤولة أيضا عن ذلك، لكن المؤلفة سرعان ما ترجع سبب العزلة السياسية إلى الأقباط أنفسهم الذين اختاروا اللجوء إلى الكنيسة كملاذ آمن، مما حول الأقباط إلى جماعة سياسية منعزلة.

الثاني ـ إلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

4- المطالب المؤسسية، وتتمثل أيضا في مطلبين أساسيين: 
الأول ـ إعادة الأوقاف القبطية، وتستند الأصوات المنادية بذلك إلى عدم صرف الأوقاف المصرية ريع الأوقاف القبطية منذ عقود، مما استلزم رفع دعوى من قبل البابا شنودة ضد وزير الأوقاف للمطالبة بتسليم كافة الأوقاف القبطية. وصدر حكم محكمة النقض عام 1989 بأحقية هيئة الأوقاف القبطية، لكن القرار لم ينفذ بسبب الظروف السياسية في البلاد.

الثاني ـ الإسراع بإصدار القانون الموحد لدور العبادة.

خاتمة
قصدت الدراسة الإجابة عن سؤال محوري هو: ما هي العلاقة بين سياسة التضمين والتهميش وطبيعة النظام السياسي في مصر؟ وما هي العوامل الوسيطة التي تؤثر في طبيعة هذه السياسات؟

وتضمنت الإجابة عددا من النقاط التالية:  

ـ عند الإجابة عن التساؤل الرئيسي للدراسة، تبرز الحيرة بين إلقاء اللوم على الدولة بسبب محورية دورها وعدم قدرتها على الوفاء بمطالب الأقباط، وبين المجتمع الذي هو جزء من الأزمة وليس جزءا من الحل.

ـ يشير تأمل الحالة المصرية إلى أعراض مرضية تمس مختلف جوانب البناء الاجتماعي والسياسي.

ـ تآكل العلاقة بين المجتمع والدولة بات سمة من سمات الحالة المصرية، وهذه العلاقة غير الصحيحة دفعت بالمجتمع نحو الاغتراب.

ـ الخط الفاصل بين الدين والدولة ليس خطا مستقيما، ولكنه خط في صعود وهبوط تبعا للظروف الاجتماعية والدينية والتاريخية المتغيرة.

ـ ضعف المواطنة في مصر على المستوى الاجتماعي وعلى مستوى علاقة المواطن بالدولة، كما أن فكرة العمل الجماعي كانت معقودة على علاقة المجتمع بالدولة.

ـ لا تتحمل الدولة وحدها مسؤولية ضعف المجتمع، بل يشاطرها المجتمع ذاته في تحمل المسؤولية.

ـ محاولة الإجابة عن السؤال: من يؤثر في الآخر الدين أم السياسة في مصر؟ يمكن ملاحظة دور الدين في التأثير على التفاعلات السياسية، ولجوء السياسة أحيانا إلى استخدام الدين، ولهذا يمكن النظر إلى الحركات الاحتجاجية على أنها نتاج ضعف المجتمع والدولة معا.

في الحالة المصرية تبرز الحيرة بين إلقاء اللوم على الدولة بسبب محورية دورها وعدم قدرتها على الوفاء بمطالب الأقباط، وبين المجتمع الذي هو جزء من الأزمة وليس جزءا من الحل

ـ عند الإجابة عن التساؤل حول طبيعة الخطاب القبطي، وهل كان يقلل من فرص التفاعل مع الجماعة المصرية، يمكن القول إن الأقباط والدولة يرضيهما وجود خطاب كنسي قبطي، إلا أن ذلك يرفضه العديد من الأقباط الذين يرغبون في وجود خطاب مصري جامع غير مبني على الهوية الدينية. ولكن يجب التفرقة بين أمرين: أولهما أن خطاب الكنيسة خطاب قبطي يجب أن يكون موجها إلى شعب الكنيسة، وهنا لا يتسم الخطاب القبطي بأي سمات سياسية. والثاني تحول الخطاب الكنسي إلى خطاب سياسي، وهنا يبدأ الخطر لأنه يعني انتقال التمييز الخاص للأقباط من الدين إلى المجال السياسي.

وعلى خلفية التحليل السابق، تتقدم المؤلفة بمجموعة من التوصيات:

- تمرير اقتراح القانون الخاص بتجريم الإساءة للأديان وازدرائها. 
- تمرير مشروع قانون حظر التمييز بين المواطنين إلى المجلس القومي الأعلى لحقوق الإنسان ضمانا لتكافؤ الفرص، وحظر التمييز بين المواطنين على أساس الجنس.
- تكوين لجنة تعنى بشؤون الأديان من المسلمين والمسيحيين.
- اعتماد الأساليب العلمية لمواجهة الاستبعاد من خلال وضع تعريف له، وإعداد قائمة بعناصره ومفرداته.
- إنشاء مركز للإنذار المبكر بالأزمات الطائفية، بحيث يسهم في رصد وتحليل أي ظواهر قد تؤدي إلى توترات طائفية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة