فتنة التكفير   
الأربعاء 1428/1/26 هـ - الموافق 14/2/2007 م (آخر تحديث) الساعة 11:16 (مكة المكرمة)، 8:16 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
هذا الكتاب أثار ضجة كبرى في العديد من وسائل الإعلام المصرية, أدت إلى منع مؤلفه, وهو المفكر الإسلامي المعروف د. محمد عمارة, من كتابة مقاله الأسبوعي الذي اعتاده منذ سنوات في صحيفة الأخبار(عدد الجمعة) بل إنه اضطر إلى تقديم اعتذار مكتوب نشرته وسائل الإعلام.

-الكتاب: فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية
-المؤلف: محمد عمارة
-عدد الصفحات: 120
الناشر: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة
الطبعة: الأولى/2006
وقام وزير الأوقاف, باعتباره مسؤولاً عن جهة النشر-المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - بسحب جميع النسخ من الأسواق لرفع هذه الجملة التي أثارت كل هذه الضجة, وإعادة طبعه وتوزيعه مرة أخرى.

الكتاب عبارة عن عناوين عشرة, أشبه بفصول صغيرة, وهدف المؤلف من الكتاب, كما جاء في مقدمته "التأكيد على أن الإسلام ليس فيه سُلطة سوى الموعظة الحسنة, والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر, وأنه ليس لمسلم، مهما علا كعبه في الإسلام، على آخر مهما انحطت منزلته فيه، إلا حق النصيحة والإرشاد, وبالتالي لابد من صيانة الإيمان من التكفير العبثي وعبث التكفيريين.

الكل يتوحد فأين المسلمون؟
في البداية يؤكد د. عمارة أن الأمم والشعوب في مختلف القارات تتوجه نحو التقارب والتضامن والاتحاد, انطلاقاً من الضروريات الحياتية لهذه الأمم, لكن حال الشعوب الإسلامية في ضوء هذه الظاهرة العالمية, يدعو للأسى والاستغراب!

فالمسلمون أمة واحدة, وهذه الوحدة هي إرادة إلهية وصناعة ربانية, وليست مجرد نزوع بشرى دنيوي, ومع هذه الفريضة الإلهية وشهادة التاريخ عليها, فإن واقع الأمة يؤكد أن تمزقها, وغيبة التضامن والاتحاد عن شعوبها, هو الذي مكن الأعداء وشذاذ الآفاق من نهب ثرواتها واحتلال أراضيها؟

وبالتالي -كما يقول المؤلف- فإن على أولى العزم والهمة من العلماء والمفكرين أن يجاهدوا في سبيل توحيد أمة الإسلام, في ضوء هذه الجوامع الخمسة: وحدة العقيدة، وحدة الشريعة، وحدة الحضارة، وحدة الأمة، وحدة دار الإسلام.

وعليهم كذلك معالجة هذه "النزعة التدميرية" -نزعة التكفير لأهل القبلة- لمواجهة هذه الفتنة.


بين التقريب والتوحيد والاحتضان
"
التقريب بين المذاهب هو الميدان الحقيقي للجهاد الفكري المطلوب الذي ينزع الألغام الفكرية التكفيرية التي تقسم وحدة الأمة بالتكفير لفريق أو لمذهب
"
التقريب بين المذاهب الفقهية غير التوحيد لها, وغير احتضانها, فالتقريب هو الانطلاق من تمايز المذاهب والحفاظ عليه, مع العدول عن نفى أحد المذاهب للمذاهب الأخرى, فهو إذن تعايش بين المذاهب.

أما التوحيد فهو دمجها جميعاً في مذهب واحد, والاحتضان هو بين التقريب والتوحيد, للاستفادة منها جميعاً, باعتبارها اجتهادات في إطار علم واحد -علم الفقه- وحضارة واحدة ودين واحد, والاحتضان هو ثمرة من ثمرات التقريب.

ويقول د. عمارة إن التقريب بين المذاهب هو الميدان الحقيقي للجهاد الفكري المطلوب, الذي ينزع الألغام الفكرية التكفيرية, التي تقسم وحدة الأمة بالتكفير لفريق أو لمذهب, ويقترح تحديد نطاق هذه الألغام الفكرية التكفيرية, ثم اعتماد منهج التدرج في إزالتها من الكتب التراثية, وخاصة ما يدرس منها في الحوزات العلمية والجامعات الإسلامية, ثم الاتفاق على منع تدريس هذه الاجتهادات الفكرية التكفيرية بعد ذلك.

العبارة التى أثارت الضجة
نقل المؤلف فقرات من كتاب "صحة الإسلام" لحجة الإسلام الإمام أبى حامد الغزالي تؤكد رفض واستنكار التكفير لمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, مادام قائماً بحقوق الشهادة, وكان منها هذه الفقرة التي يقول فيها الغزالي ".. الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شئ مما جاء به, والإيمان بتصديقه في جميع ما جاء به, فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول صلى الله عليه وسلم.. وهذا لأن الكفر حكم شرعي, كالرق والحرية مثلاً, إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار, ومدركه شرعي, فيدرك إما بنص أو بقياس على منصوص, وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى..".

"
الفقرة التي نقلها د. عمارة وأثارت ضجة إعلامية واسعة كانت نقلاً عن كتاب للإمام أبى حامد الغزالي عن كفر اليهود والنصارى وإباحة دمهم وخلودهم في النار, ولم يشفع للمؤلف أن هذا ليس رأيه الشخصي
"
هذه هي الفقرة "إباحة الدم والحكم بالخلود في النار" التي أثارت ثائرة بعض العلمانيين وصحف اليسار والأقباط ضد د. عمارة واعتبروها تأييداً وإقرارا بإباحة دم النصارى, وما يمكن أن يؤدى إليه ذلك من فتنة واضطراب في المجتمع.

ولم يشفع للدكتور عمارة أن هذا ليس رأيه الشخصي, ولكنها آراء منقولة, وفى ظل أجواء التوتر والصخب المجتمعي ليس مقبولاً التعامل بمبدأ "ناقل الكفر ليس بكافر".

واعتذر المؤلف مؤكداً أنه غفل -عندما نقل هذا الكلام- عن الأثر الذي سوف يحدثه في الواقع الآن. رغم أنه أكد -في كتابه هذا- أن رأيه "أن الرحمة تشمل كثيراً من الأمم السالفة, وإن كان أكثرهم يعرضون على النار, إما عرضة خفيفة, حتى لحظة أو ساعة, وإما في مدة حتى يطلق عليهم اسم بعث النار".

مستويات الخطاب والمخاطبين
يقرر المؤلف أن مستويات الناس متفاوتة, لتفاوت إمكاناتهم وطاقاتهم وحظوظهم في تحصيل المعارف, ولهذا تتمايز مستويات الخطاب الإسلامي بين جمهور المخاطبين وبين العلماء.

وبالتالي اجتمع علماء الإسلام على ضرورة حجب مستويات من العلم عن الذين لم يحصلوا من الأدوات ما يجعلهم يطيقون فقه هذه المستويات, حتى لا تتحول الحقائق إلى سبيل من سبل البلبلة والضلال والشكوك.

ويكشف المؤلف عن سلبيات ثورة الاتصالات في عصرنا في هذا الموضوع, بنقلها لكثير من المسائل الجدلية والخلافية من مصادرها المتخصصة, والمقصورة على علماء التخصص إلى الجمهور عبر مواقع الشبكة العالمية للمعلومات "الإنترنت" وبعض القنوات الفضائية.

وبالتالي يغرى غير المتخصصين, بل غير المؤهلين, للاطلاع على مسائل وقضايا قد تزعزع ما لدى الجمهور من اليقين, دون أن يكون قادراً على تحصيل اليقين.

نماذج من قضايا التكفير
وتحت عنوان: التكفير الصوفي للوهابية, يورد المؤلف الكثير من نماذج اتهامات الصوفية لعلماء السلفية, وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية, والشيخ محمد بن عبد الوهاب, بما في ذلك التكفير والإخراج من ملة الإسلام.

كما يورد نماذج أخرى من تكفير السلفية الوهابية للصوفية وأتباعها, وأيضاً لكل مذاهب الشيعة وفرقها, كما يورد كذلك نماذج من وقوع الشيعة في مستنقع التكفير لأهل السنة (الذين يشكلون نحو 90% من الأمة).

ويؤكد أن تراث الشيعة في المصادر المعتمدة, يعمه "فاحشة التكفير" ليقرر في النهاية أن الجميع قد سقط في هذا المستنقع, الذي كشفته وسائل الإعلام الحديثة, خصوصاً الإنترنت, الأمر الذي يستدعى وقفة جادة, من علماء الأمة ومفكريها, لمواجهة هذا الخطر الذي يشعل نيران التكفير في صفوف الأمة الإسلامية.

حوار حكماء
"
يدعو المؤلف إلى "حوار حكماء" تعقد جلساته بعيداً عن العامة ووسائل الإعلام, ويصدر فتوى جماعية بتحريم توجيه تهم التكفير وما يتصل به لأي من مذاهب الأمة التي يشهد أهلها شهادة التوحيد
"
ويخلص المؤلف في النهاية إلى الدعوة إلى "حوار حكما " وخاصة من السنة والشيعة والسلفية والصوفية, تعقد جلساته بعيداً عن العامة والإعلام, للاتفاق على أمرين:

أولهما: عاجل وهو إصدار "فتوى" جماعية.. سنية شيعية صوفية سلفية, بتحريم وضع تهم التكفير, وما يتصل به, لأي من مذاهب الأمة التي يشهد أهلها أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وتحريم نشرها -أي تهم التكفير- بمختلف وسائل النشر.

وثانيهما: العمل على تهذيب كتب التراث, لدى هذه المذاهب جميعاً, وذلك بتطهيرها من كل أحكام التكفير لمن يشهد شهادة التوحيد, والهدف هو نزع هذه "الألغام" الموقوتة والمتفجرة من ثقافة الأمة.

ويخلص د. محمد عمارة بالقول: بدون ذلك سيظل الحديث عن وحدة الأمة الإسلامية, ضرباً من العبث, بل -وفى بعض الأحيان- لونا من ألوان النفاق!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة