الصراع العربي الإسرائيلي في استطلاعات الرأي الأميركية   
الثلاثاء 1435/8/20 هـ - الموافق 17/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:49 (مكة المكرمة)، 11:49 (غرينتش)

عرض/أحمد محمود

في ظل المساعي الأميركية الحثيثة من أجل استئناف عملية السلام في الشرق الأوسط، وبروز عوامل فشل جديدة، قد تضر بالخطط الأميركية لاستعادة الأرض التي فقدتها في المنطقة بعد الربيع العربي، شُغِلَت بعض الدوائر البحثية والأكاديمية العربية بالحديث عن رؤية الرأي العام الداخلي في الولايات المتحدة للأوضاع في الشرق الأوسط، وتطورات عملية السلام في المنطقة.

وفي هذا الإطار، صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كتاب بعنوان "الصراع العربي-الإسرائيلي في استطلاعات الرأي الأميركية" للباحث سامر أبو رمان، يتناول اتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة خلال الفترة بين عامَيْ 1991 و2008، فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

ويحاول الكتاب الإجابة عن عدد من الأسئلة، مثل: ماهية أوجه التشابه والاختلاف بين استطلاعات الرأي الأميركية المختلفة ذات الصلة بقضايا الصراع في منطقتنا، وأسباب اختلاف آراء الأميركيين بين قضية وأخرى، وكذلك أسباب هذا الاختلاف، وما إذا كانت هذه الآراء تتغير إزاء هذه القضايا بين فترة وأخرى، وطبيعة العوامل التي تؤثر في هذه المتغيرات كلها؟

-العنوان: الصراع العربي-الإسرائيلي في استطلاعات الرأي الأميركية
-المؤلف: سامر رضوان أبو رمان
-الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
-الطبعة: الأولى/ 2013
-عدد الصفحات: 574

الكتاب في الأساس هو الرسالة التي تقدم بها مؤلفه الدكتور أبو رمان لنيل درجة الدكتوراه، من إحدى الجامعات الأميركية، ويقول إن هذا ساعده على الاطلاع المباشر على تطور الرأي العام الأميركي من أهم قضايا المنطقة، وتطور دراسات الرأي العام ذاتها، في الولايات المتحدة.

الكتاب جاء حجمه ضخما، حيث حفل بالإحصاءات والصور والأشكال البيانية التي تحدد بدقة طبيعة اتجاهات الرأي العام الأميركي، ويتناسب حجمه مع كونه في الأصل رسالة الدكتوراه الخاصة بالمؤلف.

ولقد حفلت الفترة التي اختارها المؤلف كمجال زمني للبحث الذي قام به، من العام 1991، وحتى العام 2008، بالعديد من التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

فالعام 1991، كان مفتتح عملية السلام في الشرق الأوسط، من خلال مؤتمر مدريد للسلام، الذي عُقِدَ في نهاية أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، ثم بدء المفاوضات المُباشِرة بين منظمة التحرير الفلسطينية وكل من سوريا ولبنان، مع إسرائيل.

وتتتالى بعد ذلك التطورات التي تناولها الكاتب من وجهة نظر الرأي العام الأميركية، مثل عملية أوسلو، وما نتج عنها من اتفاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية، وإسرائيل، في الأعوام من 1993 وحتى 1995.

كما يتناول تطورات الحدث السياسي في المنطقة في هذا الإطار، وخصوصا بعد وصول حكومة بنيامين نتنياهو الأولى في العام 1996م، وتوقف محادثات السلام بين سوريا ولبنان وبين إسرائيل، وتعثر المفاوضات بين السلطة الفلسطينية -بعد نشوئها بموجب اتفاق "أوسلو2" أو "غزة أريحا أولاً"، عام 1994- وتل أبيب على خلفية السياسات التي تبنتها حكومة نتنياهو تجاه القدس وتجاه ملف الاستيطان، ونكوصها عن التعهدات الأميركية في هذا الإطار.

يتبنى الرأي العام الأميركي تقليديًّا موقفًا مؤيدًا لإسرائيل ومعاديًا للعرب في أية قضية مطروحة، حتى أعمال القتل والحروب التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين وغيرهم

كما يرى كيف تناولت استطلاعات الرأي الأميركية انتفاضة الأقصى الثانية "2000- 2006"، وانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الثانية، والحرب على لبنان في صيف 2006.

تأييد تقليدي
ومن خلال النتائج التي قرأها الكاتب من واقع التحليل المُعمَّق -الذي قام به في كتابه- لعدد كبير من استطلاعات الرأي، وخصوصا تلك التي قام بها معهد "غالوب" الشهير، وبعض المراكز التابعة للمؤسسات الصحفية الأميركية، مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست، توصل إلى حقيقة مهمة، وهي أن الرأي العام الأميركي في الغالب يتبنى تقليديا موقفا مؤيدا لإسرائيل ومعاديا للعرب في أية قضية مطروحة، حتى أعمال القتل والحروب التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين وغيرهم من الشعوب العربية المجاورة.

فيقول إن استطلاعات الرأي الستة التي أجراها معهد "غالوب" على مدار أكثر من ستين عاما -هي عمر القضية الفلسطينية- تظهر استمرار تأييد أغلبية الشعب الأميركي لهذه الجريمة التاريخية التي ارتُكِبَت في حق الشعب الفلسطيني، والقتل العشوائي والتهجير الذي تم في حق أبناء الشعب الفلسطيني، مما صنع من هذا التأييد اتجاها وتيارا وليس مجرد رأي كما هو معلوم في دراسة اتجاهات الرأي العام.

ويقول إنه في الحرب الإسرائيلية على لبنان المعروفة بحرب "تموز 2006" أو "حرب الصيف"، أيدت أغلبية ساحقة، تم اختيارها كعينة من اليهود الأميركيين "سحق" الشعب اللبناني بنسبة حوالي 85% حسب استطلاعات الرأي الصهيونية في الولايات المتحدة.

وكذلك في حرب غزة التي وقعت في نهاية العام 2008، وفي أوج وذروة القتل والتدمير الإسرائيلي الممنهج، أيد الرأي العام الأميركي استخدام القوة ضد القطاع الأعزل المحاصر.

ويقول، إنه لا يوجد الكثير من التحولات لدى الرأي العام الأميركي إزاء قضايا الصراع العربي الإسرائيلي طيلة الفترة محل البحث، وكذلك في العقود الطويلة التي شهدت فيها المنطقة أكثر من حرب، كانت إسرائيل هي المعتدية فيها، حتى أعمال القتل والتنكيل التي تقوم بها الآلة الحربية الإسرائيلية في حق المدنيين في المناطق التي تحتلها.

لا يوجد الكثير من التحولات لدى الرأي العام الأميركي إزاء قضايا الصراع العربي الإسرائيلي طيلة الفترة محل البحث، وكذلك في العقود الطويلة التي شهدت فيها المنطقة أكثر من حرب
ويشير إلى أن ذلك يؤكد على حقيقة أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يأت من فراغ، أو أنه كما يُقال دعم سياسي لاعتبارات المصلحة الأميركية، وإنما هو بناء على انتماء سياسي وديني وفكري أصيل.

ونختم بعبارة ملفتة لأبو رمان، قال فيها، إنه على إعلام وحكومات العالم الغربي وخاصة الأميركية، أن تدرك أن ظلمها للعالم العربي والإسلامي، يزيد من تأييد شعوبها للقتل كما تبينه هذه الاستطلاعات الدموية.

ومن خطورة ذلك أيضا -كما يقول أبو رمان- إنها تقدم مبررا للتنظيمات التي تؤمن بالعنف للتوسع في قتل المدنيين الذين أيدوا سياسات حكوماتهم من خلال انتخابهم ونتائج استطلاعات الرأي المؤيدة لهم، بحجة أن صفة المدنيين غير محصورة بالمقاتلين أو العسكريين، فالقتال ليس فقط بالسلاح، بل أشمل من ذلك، فقد يكون بالقول والفعل والتصويت، وكذلك بآرائهم في استطلاعات الرأي، فهم مشتركون معهم في الجريمة.

ويخلص إلى أن هذه استطلاعات دموية من جهتَيْن، دموية في تأييدها لقتل الفلسطينيين والعرب، ودموية في دفعها الآخرين وإعطائهم التبريرات لقتل شعوبهم في أنحاء المعمورة كافة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة