حفاة العولمة   
الأربعاء 1425/10/25 هـ - الموافق 8/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:38 (مكة المكرمة)، 11:38 (غرينتش)
عرض/ سيدي محمود محمد الهلال
هذا الكتاب يطرح جملة من الأسئلة، وهي أسئلة كبرى تتناول مختلف القضايا العربية في عصر العولمة وتحاول أن توقظ الإنسان العربي وتحثه على التفكير والعمل وتدعوه إلى تغيير واقعه، وهي أسئلة رغم اختلافها وتنوعها مترابطة ترابط الحياة في مختلف أوجهها وترابط جوانب الأزمة التي تحاصر العالم العربي.

- اسم الكتاب: حفاة العولمة.. قراءة نقدية لقضايا الواقع العربي
- المؤلف: علي ناصر كنانة
-عدد الصفحات: 300
- الطبعة: الأولى 2004م
-الناشر: مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت

فالكاتب يطرح بجرأة إشكالات واقعنا من حرب العراق أو حرب السيطرة على منابع النفط، إلى العولمة أو إخضاع التاريخ والجغرافيا للأجندة الأميركية، إلى النفط الذي نملكه بالاسم وتملكه أميركا بالفعل، إلى التحول العربي من دور الفاعل تاريخيا إلى سلبية المفعول به واقعيا.. إلى غير ذلك من إشكالات الواقع العربي المأزوم والمهزوم داخليا وخارجيا.
 
العراق على مفترق طرق
يبدأ هذا الكتاب من حيث تنتهي الأحداث باحتلال العراق، مستنكرا أن تقوم الولايات المتحدة وبريطانيا في وقت لم يبق فيه استعمار على وجه الأرض غير إسرائيل بغزو بلد من العمق الحضاري والمكانة الإقليمية والقوة المفترضة بمنزلة العراق.
ويرى أن العرب يستيقظون في ربيع العولمة على احتلال بغداد من أعداء تاريخيين لم ينظروا إلى العالم العربي طوال نصف قرن من الزمان إلا على أنه مجال حيوي لمصالحهم وغابة يقطنها بعض العصاة العرب الذين يجب ترويضهم ليقبلوا بإسرائيل أكثر من قبولهم ببعضهم بعضا.
"
الأميركيون يسمونها حرب تحرير العراق ولكن الكثيرين يرونها حرب السيطرة على منابع النفط والقضاء على قوة العراق العسكرية والعلمية التي طالما أرقت إسرائيل
"
ويسمي الأميركيون هذه الحرب حرب تحرير العراق ولكن الكثيرين يرونها حرب السيطرة على منابع النفط، وأهم من ذلك حرب القضاء على قوة العراق العسكرية والعلمية التي طالما أرقت إسرائيل، بل وهي درء لكل من تسول له نفسه الخروج على طاعة الولايات المتحدة في زمن الأمركة.
ويتساءل الكاتب: أين كانت الولايات المتحدة طوال الحكم البعثي الذي جثم على صدر العراق وسلب شعبه الحرية منذ سبع وعشرين سنة.
ويخلص الكاتب إلى أن الاحتلال أصبح واقعا يجب التعامل معه. والشعب العراقي اليوم يقف على مفترق طرق خطير وأمام خيارات صعبة، كالموقف من الاحتلال والطائفية والقضية الكردية.
ويبرز الكاتب أنه رغم انقسام العراقيين إلى مواقف متباينة، تتدرج من محاربة الاحتلال -ومعظمها يتبنى المقاومة– إلى التعاون معه، فإن بقاء العراق يتطلب من العراقيين إبداء مرونة كبيرة للتفاهم وحكمة بالغة يحولون بهما مظاهر الاختلاف التي يمكن أن تعصف بهم وتزجهم في حرب أهلية إلى مظاهر قوة بالتنازل والتفاوض والاتفاق على خطوط رئيسية يلتزم بها الجميع تبدأ بدستور "يمنع إعادة إنتاج الدكتاتور" وبمؤسسات تحمي حرية الفرد وتسهر على المصلحة العامة وتتجاوز الخصوصيات دون أن تتجاهلها أو تلغيها.
 
غياب البعد الإستراتيجي
ينتقل الكاتب من حرب العراق التي لا تنفصل عن مآسي العالم العربي إلى البحث في عمق وأسباب هذه المآسي التي تعصف بالعالم العربي.

ويثير مسألة انعدام البعد الإستراتيجي في العمل العربي ويثبت أن العرب رغم أن لهم قضية معمرة حاربوا من أجلها فإنهم اليوم يفتقدون أية خطة، وينساقون خلف المبادرات الأميركية الإسرائيلية يستجدون الحلول، في تحول ميزان القوة والمبادرة إلى إسرائيل المدعومة دوليا، بسبب تخليهم عن مصادر قوتهم.
 
"
النظام العربي أعرج لأن شقه الشعبي ممنوع من التعبير في حين أن شقه الرسمي يكتفي بضمان سلامة العروش ويقدم في سبيل ذلك كل التنازلات الممكنة بل والمستحيلة
"
ويرد الكاتب غياب المبادرة إلى أن النظام العربي أعرج لأن شقه الشعبي مغيب مهمش ممنوع من التعبير في حين أن شقه الرسمي يكتفي بضمان سلامة العروش ويقدم في سبيل ذلك كل التنازلات الممكنة بل والمستحيلة، وإلا فكيف يمكن أن نفهم هذا الصمت أمام احتلال العراق وإبادة الشعب الفلسطيني، وكيف نفسر هذا التعاون اللامشروط مع واشنطن في حربها على الإرهاب التي هي حرب على الإسلام.

ويسخر الكاتب من العقل العربي الذي لم يستطع أن يستوعب الدرس ولم يدرك أو لا يريد أن يدرك أن تعاونه مع الولايات المتحدة هو تعاون مع إسرائيل، وأن تحالفه مع العدو تحالف خاسر لا يؤدي إلا لمزيد من الغطرسة الأميركية ومزيد من المطالب الإسرائيلية وبالتالي ضياع الحقوق العربية.

ويلقي الكاتب باللائمة على الأنظمة المستبدة من جهة وعلى المتطرفين الذين اعتقدوا -بدعم من المد الإسلامي بعد فشل التيارات القومية واليسارية العربية في جلب التغيير- أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، وألغوا مبدأ التشاور والتعاون.

وبين هذين الطرفين يبقى العالم العربي ضحية التبعية لغرب لا يريد له إلا مزيدا من التبعية، يحيك ضده المؤامرة تلو المؤامرة، إذا لم يقل قائل ألا مؤامرة وإنما هو منطق المصالح ومن حق الغرب أن يدافع عن مصالحه حتى على حساب مصالحنا ويتحول المنطق العربي إلى لا منطق.

وحين يبحث الكاتب في إمكان تغيير هذا المنكر يلاحظ أن العرب فقدوا منذ زمن القدرة على التغيير باليد أي بقوة السلاح بسبب التفوق الإسرائيلي الظاهر وتمزق العالم العربي وتشرذمه، كما فقدوا القدرة على التغيير باللسان حين جاؤوا إلى التفاوض فرادى وخضعوا للضغط الأميركي كلا على حدة، فلم يبق إلا التغيير بالقلب وذلك أضعف الإيمان.

"
العرب فقدوا القدرة على التغيير باليد بسبب التفوق الإسرائيلي وتشرذم العالم العربي، كما فقدوا القدرة على التغيير باللسان حين خضعوا للضغط الأميركي، فلم يبق إلا التغيير بالقلب وذلك أضعف الإيمان
"
ويخلص الكاتب إلى أن النظام العربي يقف اليوم على أبواب الألفية الثالثة فاقد الحول مسلوب الإرادة مثقلا بالهزائم المتلاحقة، ليس لديه ما يقدمه للعالم بل وليست لديه حتى الرغبة في أن يقدم شيئا مكتفيا باستهلاك ما يصدره إليه الغرب فكريا وعلميا وماديا.

فلا هم لحكامه سوى الكراسي ولا إرادة للشعوب بسبب القهر الدائم، فهم جميعا "حفاة يساقون في طوابير إلى سجن العولمة.. خاصة أن العولمة سرعان ما نزعت قناعها دون وجل لتتخذ هيأتها الأميركية الفاضحة ولتتحول إلى أمركة صارخة تفوح الأسرلة (مشتقة من إسرائيل) من ثناياها".

زمن المقاومة
في ظلام انهزام العرب حكاما وشعوبا "يقف أطفال (فلسطين) يدافعون عن حقهم في حياة مستقلة ومستقرة بعد أن خذلتهم سياسات السلام .. وطوال سنوات الانتفاضة الأولى وانتفاضة الاستقلال الحالية، اجترح فلسطينيو الداخل زمنا جديدا ولغة جديدة للكفاح من أجل الحقوق الوطنية والقومية بعد أن تدهور الزمن العربي وانحدرت لغته".

وبالحجر يفضح الطفل الفلسطيني اليوم صمت الأشقاء من جهة وتواطؤ الولايات المتحدة وجزء كبير من أوروبا مع إسرائيل من جهة أخرى، وفوق ذلك -وهذا هو الأهم- يعري همجية إسرائيل "بانتفاضته التي دخلت معاجم اللغة في الدول الأوروبية كأي اسم علم لا يدل إلا على نفسه. انتفاضة الحجارة هذه زعزعت إسرائيل كما لم تفعل ذلك جيوش قدر لها أن لا تجيش .. وإذا جيشت فإنها تصوب بنادقها لنحور شعوبها والأشقاء".

"
بالحجر يفضح الطفل الفلسطيني صمت الأشقاء وتواطؤ الولايات المتحدة وأوروبا مع إسرائيل ويعري همجيتها
"
ورغم أن المقاومة قد أثمرت في جنوب لبنان وهي الآن تفعل مفعولها في إسرائيل فإنه لا أحد من الأنظمة يستفيق، ويبقى الطفل وحيدا في الميدان، وحتى الشعوب تتحرك بحياء بقدر ما تسمح لها أنظمة تخشى أن تتحول المظاهرات والاحتجاج إلى عادة.

نفطنا بالاسم ونفطهم بالفعل
في بحث عن مصادر قوة العرب يخلص الكاتب إلى أن النفط ذلك السلاح الفعال والقوي والذي يفترض أن العرب يمتلكونه، بقي وسيبقى سلاحا خارج المعركة لفترة طويلة.

ولا شك أن النفط هو عصب الاقتصاد العالمي اليوم لأنه مصدر الطاقة الأول، غير أن الاستعمار الذي اكتشفه في بلاد العرب عمل على السيطرة عليه منذ البداية واحتكر لنفسه آليات التنقيب والاستخراج والتكرير، ثم أصبح هو المستورد الأول له مما يجعل الدول المنتجة له ليس لها منه إلا ما يصدره لها الغرب من بضائع مقابل ثمنه.

وبالتالي فإن النفط بدل أن يكون سببا لتطوير البلاد وتنمية اقتصادها وبالتالي مصدر قوة، أصبح على العكس تماما مصدرا للتخلف حين حول البلدان المنتجة إلى بلدان استهلاكية بل وفوق ذلك مصدر نقمة لأن السيطرة عليه أصبحت هاجس القوى العظمى التي لا غنى لصناعاتها عنه.
 
ويجد الكاتب أن القول إن النفط ملك للعرب غير دقيق إذ أنه بكل المقاييس ملك للغرب، فنحن ندفع له جزءا منه وهو في باطن الأرض عندما نقدم له امتيازات التنقيب، ثم ندفع له ضريبة التكنولوجيا عند التكرير وضريبة النقل عند التسويق وضريبة التأمين، ثم إنه في النهاية هو المستورد وصاحب المصرف الذي ستودع فيه موارد النفط فيكسب النفط ويبقى ثمنه يساهم في استقرار مؤسساته المالية ويوفر السيولة لحركة اقتصاده.

"
النفط لو كان ملكنا بالفعل لتصرفنا به بسيادة ولوظفناه لخدمة قضايانا المصيرية من خلال موازنة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وأوروبا
"
وبالمقابل فهذا النفط "لم يجلب للعرب ما يسرع حركة التطور في بلدانهم لتكون –على الأقل– في مصاف دول آسيا التي لا تمتلك من مقومات التطور أكثر مما نملك.. بيد أنه لا وجه للمقارنة بين تطورها الصناعي وتخلفنا الاستهلاكي".
وأخطر من ذلك أن النفط حول منطقتنا "من منظور أميركي إلى مجال حيوي للمصالح الأميركية، وبالتالي فإن أمن بلداننا أضحى مرتبطا بضمان تدفق النفط إلى مخازنهم أي أننا مهددون على الدوام".

والنفط بهذا المفهوم بدل أن يكون مصدرا لقوة العرب تحول إلى مصدر ضعفهم ومنشأ معظم مآسيهم وآلامهم، وأصبح نفطهم بالاسم لأنه على أرضهم ولكنه نفط غيرهم الذي يستفيد منه ويخطط سياساته ويحمي منابعه ويحرك به اقتصاده.

ويخلص الكاتب إلى أن النفط لو كان ملكا لنا بالفعل لتصرفنا به بسيادة ووطنية مطلقة تصرفا لا يراعي سوى رفاهية الحاضر وأمن المستقبل "ولوظفناه سياسيا لخدمة قضايانا المصيرية من خلال موازنة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وأوروبا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة