الحرب.. القمع.. الإرهاب   
الثلاثاء 1427/9/11 هـ - الموافق 3/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:05 (مكة المكرمة)، 12:05 (غرينتش)

عرض/خالد شمت
منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تمحورت السياسة الدولية حول قضية التعامل مع العنف السياسي، أي حول الإرهاب والحروب التي تستقطب المشاعر وتثيرها، وأصبح كل من يدعو اليوم إلى حوار إسلامي غربي مطالبا بوضع هذه المسألة في مركز النقاش حتى لا ينتهي هذا الحوار كما لو كان مجرد مناورة أيديولوجية.

وفي هذا الكتاب الذي يعد أحد أهم إنجازات منتدى الحوار والتفاهم في المعهد الألماني للعلاقات الثقافية الخارجية (أيفا) حاول د. يوخن هبلر الأستاذ في معهد التنمية والسلام بجامعة ديسبورغ الألمانية تشخيص القواسم المشتركة والاختلافات الهيكلية بين الغرب والعالم الإسلامي، ساعيا بذلك للوصول إلى فهم أفضل لأسباب العنف المختلفة وتبريراتها، والتفكير أيضا في كيفية تطوير إستراتيجيات مشتركة للتغلب على العنف تتخطى التركيز الآني القاصر على قضية الإرهاب.

- الكتاب: الحرب.. القمع.. الإرهاب
- المؤلف: د. يوخن هبللر
- تعليق : د. نصر حامد أبو زيد ود. عمرو حمزاوي
- عدد الصفحات: 200
- الناشر: المعهد الألماني للعلاقات الثقافية الخارجية، شتوتغارت
- الطبعة: الأولى/7-9-2006

الحرب.. القمع.. الإرهاب
شهد العقدان والنصف بعد انتهاء الحرب الباردة مواجهة حادة ليست بين الغرب ككل والإسلام ككل وإنما بين قوى سياسية قوية في شمال أميركا وأوروبا ومثيلتها في الشرقين الأدنى والأوسط بل وحتى الشرق الأقصى.

وقد تركت هذه المواجهة أثارا ضخمة انعكست على تفكير الرأي العام وأحاسيسه في المنطقتين في شكل تصورات تهديدية متبادلة.

ومازالت قضية العنف خاصة العنف السياسي تقع في مركز الجدل المرتبط بتلك المواجهة، ففي الغرب برزت شكوك عامة حول استعداد المسلمين جميعهم للعنف أو أنهم على أهبة الاستعداد لاستخدامه.

ومن جانبها حملت القوى الدينية والعلمانية على السواء في المجتمعات الإسلامية الولايات المتحدة أو الغرب مسؤولية الأعداد الهائلة من ضحايا الحروب والاحتلال، وقتل الأطفال والنساء في أفغانستان والعراق، والتحرش بالمعتقلين وتعذيبهم.

وعندما نتحدث عن العنف الغربي أو الإسلامي فإن المشكلة التي تطرح نفسها مباشرة هي من نعني بالتحديد باستخدامنا هذه المصطلحات التعميمية التي نستعملها عند وصفنا للجانب الآخر.

ماذا نعني ومن نعني عندما نتحدث عن العالم الإسلامي؟ لا يمكن اعتبار هذا المصطلح تعريفا دينيا إذ إننا نستبعد به الأقليات الدينية والنزعات العلمانية والإلحادية، وعلاوة على ذلك عندما نتحدث عن العالم الإسلامي (الحضارة والثقافة وغيرهما) فإننا ننظر إلى مجتمعات على درجة كبيرة من التغاير كما لو كانت فئة واحدة.

ينبغي علينا عند استخدام هذا المصطلح التعميمي (العالم الإسلامي) أن نضع نصب أعيننا بدقة أنه لا يتفق وتنوع الواقع الاجتماعي والعرقي والقومي والإيديولوجي والديني والسياسي وتناقضاته الفعلية.

وإذا قارنا بين إمكانيات العنف الكامنة في المجتمعات الإسلامية أو الغربية ورفضنا أن نقصر كلامنا على الكليشيهات فعلينا أن نتحفظ كثيرا في إصدار الأحكام حول سلمية هذه المجتمعات أو قابليتها للعنف.

وبطبيعة الحال تبرز مشكلة التعميم نفسها عند استخدام مصطلحات مثل الغرب أو المجتمعات الغربية حيث يبدو الغرب في هذه الحالة كما لو كان تسمية جغرافية غير أنه يعني نمطا من الثقافة السياسية التي تطورت من العصر الإغريقي عبر أوروبا المسيحية في القرون الوسطي وعصر التنوير وصولا إلى المجتمعات الغربية الحديثة.

ويري المؤلف أن هذا التعميم يؤدي إلى إبراز مشكلة ذات مستوين، فمن ناحية يبقي الغرب مبهما ومتناقضا وغير متجانس مثله مثل نظيره المقابل (العالم الإسلامي).

والمشكلة الثانية هي أننا بتعريفنا للغرب عبر قيمه ونقاط ارتكازه الإيجابية مثل التنوير وحقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية نغطي على الجوانب المظلمة من هذا الغرب المسيحي مثل محاكم التفتيش وذرائع العنصرية والحروب.

كذلك فإن الاتجاهات العلمانية في تاريخ الفكر الأوروبي لم تفرز الطيب فقط بل أفرزت الستالينية والفاشية، ونحن لا نستطيع النظر إلى تاريخنا بهذا المنظور المغلوط بل يجب أن نعترف بأن تاريخنا يضم التسامح والهولوكست معا.

"
الآمال في إسهام التحديث في رفع المستوى الحضاري للمجتمعات التقليدية أو في خفض معدلات العنف تبخرت، وأفرزت الحداثة إمكانيات جديدة للقوة زادت من مقدرات العنف وعدد الضحايا زيادة هائلة
"
بني العنف الجديدة: الاستعمار
في الحقبة المبكرة من العصر الحديث استمر مستوى العنف مرتفعا في أوروبا كما يظهر في حرق الساحرات الذي راح ضحيته عشرات الآلاف فضلا عن محاكم التفتيش المقدسة أو حرب الثلاثين عاما المدمرة (1618–1648).

وحتى في عصر التنوير ظلت مستويات العنف المرتفعة كما هي دون تغير، وفي القرنين الـ15 والـ16، مثل نجاح الدول الأوروبية المتأثرة آنذاك بالمسيحية في تحقيق سبق في القوة العسكرية وفي تقنيات الأسلحة إيذانا ببزوغ عصر الاستعمار الأوروبي الذي استمر أربعة قرون ونصفا.

وغرق العالم في موجات متجددة من العنف والتدمير، وكان من الطبيعي أن يسفر العنف الذي تمارسه قارة ودائرة ثقافية تستعمر العالم بأكمله عن مستويات ضخمة من العنف تفوق العنف الذي تمارسه المجتمعات الأخرى الضعيفة والتابعة للغرب.

كذلك فإن وقوع مجتمعات ما سمي لاحقا بالعالم الثالث ضحية للعنف المنهجي الذي مارسته القوى الاستعمارية لا يعني بأي حال أن هذه البلدان والمناطق لم تشهد عنفا سياسيا أو حربيا، لأن الأوضاع في العالم الثالث لم تكن أكثر سلمية على الإطلاق.

العنف والحداثة
لم يكن جهاز الدولة في أوروبا الحديثة أهم أداة لاستتباب السلام المجتمعي فحسب، بل كان أيضا أبشع فاعل للعنف، إذ الدول الأوروبية توصلت إلى تقليص هائل لمعدلات العنف داخلها وأفرزت أيضا القتل الجماعي الستاليني والهولوكست والاستعمار وحربين عالميتين.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتمثل في كيفية إنتاج دائرة ثقافية من الفلسفة الإنسانية والتنوير والثقافة المتطورة والعلوم المتقدمة والتصورات حول حقوق الإنسان، مع تمكنها في ذات الوقت من شن حروب عالمية مروعة وانتهاج السياسة الاستعمارية الدموية وسياسات التطهير العرقي والإبادة الأثنية.

وعندما نفكر في القرن العشرين -القرن الدموي– نتساءل: هل توجد علاقة بين الحداثة والعنف المتنامي؟

وفي واقع الأمر فإن المجتمع الحديث فتح أبوابا أمام العنف كانت موصدة في جميع المجتمعات السابقة مثل القتل الجماعي بالغاز أو بمواد الحرب البيولوجية وبالنابالم والقنابل الذرية والصواريخ.

لقد تبخرت الآمال في إسهام التحديث في رفع المستوى الحضاري للمجتمعات التقليدية أو في خفض معدلات العنف، كما أفرزت الحداثة إمكانيات جديدة للقوة زادت من مقدرات العنف وعدد الضحايا زيادة هائلة.

ولم يعد ممكنا دعم التوجهات الحضارية وحسب مثل الرخاء وسيادة القانون في مختلف المجتمعات، بل أمكن دعم قدرتها على العنف والتدمير وزيادة حجمه، وفي النهاية أفرز التحديث أيضا نماذج أيديولوجية لتبرير العنف المفرط الذي يصل إلى درجة إبادة الشعوب.

ولا يعني هذا أن الحداثة أو التحديث يتضمنان بذاتهما نزعات افتائية، لكننا على أي حال لا نستطيع أن نتوقع منهما بالضرورة تقليص مستوي العنف.

"
إمكانيات العنف التي يملكها الغرب المتفوق عسكريا وسياسيا، والموجهة بالدرجة الأولى إلى الخارج، وتلك الإقليمية في المجتمعات الإسلامية تتداخل فيما بينها ويعزز كل منهما الآخر بشكل مثير للخوف
"
الإرهاب كنمط للعنف السياسي
منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول سيطرت قضية الإرهاب الدولي، خاصة الإرهاب المصطبغ بالإسلام ورد فعل الولايات المتحدة عليه أثار كثيرا من النقاش العالمي.

كما طرحت هذه الأحداث بشكل مباشر أو غير مباشر أسئلة حول مدى ارتباط الإرهاب الجديد بالتطرف الإسلامي، وكيفية تغييره للعلاقة بين المجتمعات ذات الصبغة الإسلامية والغرب.

ومن التبسيط نفي وجود علاقة بين الإسلام والإرهاب بدعوى أنه دين مسالم مبدئيا، وفي الحقيقة ليس للإسلام أو المسيحية بذاتهما علاقة إيجابية أو سلبية بالعنف السياسي، ولكن عندما يستخدم الفاعلون الإسلام تبريرا لأفعالهم ويرتكبون العنف باسم الله لا يمكن تجاهل ذلك من الناحية السياسية حتى وإن كان غير صحيح من الناحية العقائدية.

ينبغي أن نفهم الإرهاب بوصفه عنفا سياسيا مبيتا ضد غير المحاربين، ومن الجلي أن الإرهاب في حد ذاته لا يرتبط بإيديولوجية معينة أو دين بعينه ولا حتى بالإسلام، لقد نشأ المصطلح في فترة الثورة الفرنسية، وبعد تلك الفترة وحتى اليوم لم يكن الإرهاب ظاهرة دينية أو إسلامية بشكل خاص وإنما حدث في سياقات سياسية وثقافية متباينة تماما.

ترابط العنف
يمثل العنف مشكلة معقدة تواجه المجتمعات الإسلامية والغربية التي ترزح تحت وطأة العنف وتمارسه أيضا بدرجات مختلفة، وسواء في الماضي أو الحاضر فإن قطاعات مهمة ومنظمات وأجهزة في المجتمعات الغربية والإسلامية وغيرها من المجتمعات تتحمل وزر ارتكاب جرائم مروعة بداية بالتعذيب والاغتيالات السياسية وانتهاء بالمذابح وإبادة الشعوب.

كذلك فإن هذه المجتمعات تتقاسم الميل الخاص بتجاهل العنف الذاتي وتبسيطه أو تبريره وتتعرف أيضا بدقة على عنف الآخر وتضخمه دعائيا بشكل مبالغ فيه، وإلى جانب هذه الرؤية الانتقائية فإن كلا الجانبين الغربي والإسلامي يعاني من عقدة تفوق أخلاقي تركز على أوهام كل منهما عن ذاته ما يعوق حل المشكلات المشتركة.

في هذا الإطار لا نستطيع تجاهل أن العنف الذي يمارسه الفاعلون الغربيون والفاعلون من البلدان ذات الصبغة الإسلامية يختلف من حيث بنيته، ولا يزال الفاعلون الغربيون يستخدمون العنف استخداما تسلطيا في الغالب حتى وإن كانوا يفضلون إخفاء ذلك وراء مبررات إنسانية عامة.

وبإيجاز نستطيع تأكيد أن إمكانيات العنف التي يملكها الغرب المتفوق عسكريا وسياسيا، والموجهة بالدرجة الأولي إلى الخارج وتلك الإقليمية في المجتمعات الإسلامية تتداخل فيما بينها ويعزز كل منهما الآخر بشكل مثير للخوف.

وشعور الناس في الغرب بالخطر من عدم الاستقرار والعنف والتحولات الجارية في المجتمعات الإسلامية أو القادمة منها يتيح للنخب السياسية الغربية منطلقا مهما لمراجعة فرضها لمصالحها في الهيمنة على المنطقة بالعنف مرارا وتكرارا، أو عبر إسقاط أنظمة الحكم المحلية المستبدة.

ومن ناحية أخري نجد أن الكثيرين في الشرقين الأوسط والأدنى –ولأسباب وجيهة– يشعرون أن البلدان الغربية تهددهم وتسير أمورهم وتتحكم في مصائرهم، وتسهم أوضاع الاحتلال في العراق وفلسطين في تأكيد هذه المشاعر بقدر ليس بالقليل.

وكثيرا ما يؤدي هذا إلى تجميد أوضاع المنطقة وتولد أحاسيس طاغية معادية للغرب هناك.

"
الخروج من هذه التركيبة الخطرة لدى الجانبين الغربي والإسلامي يتطلب حوارا نديا صريحا يفتح ملفات جميع القضايا الشائكة، وأن يضع كل طرف الأخطاء التي ارتكبها تحت دائرة الضوء
"
محصلة

ويخلص هبلر في نهاية كتابه إلى أن الخروج من هذه التركيبة الخطرة لدى الجانبين يتطلب حوارا نديا صريحا يفتح ملفات جميع القضايا الشائكة، وأن يضع كل طرف الأخطاء التي ارتكبها تحت دائرة الضوء.

ويري المؤلف أن حكومات الدول الغربية والإسلامية إذا أرادت أن تكبح جماح العنف المستقبلي أو أن تقلص معدلاته فعليها أن تغير سياستها.

ويطالب الغرب أن يأخذ مطالبه الخاصة بنبذ العنف وغرس الديمقراطية وحقوق الإنسان مأخذا جديا وأن يجعلها أساسا لسياسته الخارجية أيضا.

ويدعو الكاتب المجتمعات الإسلامية في الشرقين الأوسط والأدنى إلى تقليص نسبة العنف عبر كسر الجمود الداخلي وتوسيع رقعة الحقوق السياسية وتحسين الوضع الاقتصادي لشعوبها.

ويؤكد على أهمية هذه الإصلاحات في إثراء الحوار بين الغرب والعالم الإسلامي والوصول إلى وضع يتيح العمل على حل المشاكل المشتركة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة