عصر الاضطراب   
الاثنين 1429/6/27 هـ - الموافق 30/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:32 (مكة المكرمة)، 7:32 (غرينتش)

عرض/بدر محمد بدر

مؤلف هذا الكتاب آلان غرينسبان هو واحد من أبرز رموز المجتمع الاقتصادي الأميركي, ومن الذين لعبوا دوراً ملموساً في تشكيل المنظومة الاقتصادية وبدرجة ما السياسية لهذه الدولة الضخمة, منذ أن درس الاقتصاد في منتصف القرن العشرين, وحتى استقالته من رئاسة بنك الاحتياط الفدرالي الأميركي في عام 2006, بعد أن بلغ الثمانين من عمره.

والكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن رحلة شديدة التفاصيل والأهمية, في حياة المؤلف وعلاقاته الاقتصادية والسياسية والمالية, يكشف فيها ما يجري من أمور داخل المؤسسات المالية في المجتمع الأميركي, طوال نصف القرن الأخير, ويقدم في النصف الثاني من الكتاب, الذي تنتظم صفحاته تحت 25 عنوانا داخلياً ومقدمة مهمة, رؤيته لاقتصادات بعض الدول الكبرى ومستقبلها المنظور.

لحسن الحظ 
-الكتاب: عصر الاضطراب
-المؤلف: آلان غرينسبان
-المترجم: كلمة, الإمارات, ودار الشروق, القاهرة
-عدد الصفحات: 622
-
الطبعة: الأولى/ 2008
في مقدمة الكتاب يستدعي المؤلف أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001, أثناء رئاسته بنك الاحتياط الفدرالي الأميركي, والمخاوف التي سيطرت على كبار المسؤولين والخبراء الاقتصاديين من انهيار النظام المالي في الولايات المتحدة, باعتبار أن بنك الاحتياط هو المسؤول عن نظام الدفع الإلكتروني, الذي يحول أربعة تريليونات دولار يومياً من النقود والأوراق المالية بين البنوك في أميركا وجزء كبير من بلدان العالم.

فإذا كان الهدف هو إعاقة الاقتصاد الأميركي, فقد يتسبب فعلياً في خسائر هائلة, ولحسن الحظ لم يحدث ذلك, وتأثر الإنفاق قليلاً, وسرعان ما صحح الاقتصاد نفسه في نوفمبر/تشرين الثاني, وبحلول ديسمبر/كانون الأول كان الاقتصاد الأميركي ينمو من جديد, ليستقر عند معدله قبل الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

ويقول المؤلف إن أحداث 11/9, ولدت لديه قناعة بأننا نعيش في عالم جديد, عالم الاقتصاد الرأسمالي العالمي, الذي يتسم بقدر من المرونة ومقاومة الصدمات والانفتاح وتصحيح نفسه, وفي نفس الوقت هو ذلك العالم الذي يفرض علينا تحديات جسام.

إن العالم الجديد الذي نعيش فيه الآن, يعطي مواطنين عديدين الكثير مما يخافون منه, بما في ذلك اقتلاع الكثير من مصادر الهوية والأمن, التي كانت مستقرة من قبل, وحيثما كان التغير أسرع, يزداد التفاوت في توزيع الدخل, ومن الحكمة والأخلاق أن نحد من التكلفة البشرية لتمزقاته.

ويستعرض المؤلف في النصف الأول من الكتاب رحلة حياته بدءاً من انفصال والديه بعد ولادته بقليل, ومروراً بدراسته الثانوية ثم الجامعية وحصوله على درجة الدكتوراه في الاقتصاد, وافتتاحه مكتباً للمحاسبة والاستشارات الاقتصادية, وهو ما فتح أمامه الأبواب وسرعان ما لمع نجمه وانضم إلى الحملات الانتخابية للمرشحين من الحزب الجمهوري (باعتباره جمهوريا) أثناء الانتخابات الرئاسية, وانتهاءً باختيار الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان له لرئاسة بنك الاحتياط الفدرالي في عام 1987, وهو أحد أكبر المؤسسات الاقتصادية المؤثرة ليس فقط في الولايات المتحدة, بل في العديد من بلدان العالم.

ويقول المؤلف إنه أتيحت له فرصة التفاعل مع كل واضعي السياسات الاقتصادية المهمين في الجيل السابق في الولايات المتحدة, والحصول بطريقة لا مثيل لها على معلومات تقيس اتجاهات العالم من الناحية العددية, ومن الناحية الاقتصادية والسياسية, واستنتج منها أن هناك عوائق ضخمة سوف تواجه العالم في العقود المقبلة يجب مواجهتها.

التدمير الخلاق
"
النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة عزز من النفسية القومية, فخلال الثمانينيات وجزء كبير من التسعينيات كان الأميركيون يمرون بفترة من الخوف والاكتئاب والقلق, من ضياع مكانتهم, لكن انتعاش التكنولوجيا غير كل شيء
"
ويرى المؤلف أن مستوى المعيشة المادي في الولايات المتحدة خلال ربع القرن الأخير مازال يتحسن, إلا أن ديناميكية هذا الاقتصاد نفسه تخرج مئات الآلاف من البشر كل أسبوع من العمل.

وليس مستغرباً أن طلبات الحماية من قوى منافسة في السوق تتزايد, وكذلك الحنين إلى ذلك الزمن الذي كان يتسم بالبطء والبساطة, فليس هناك ما هو أشد ضغطا على الناس من رياح التدمير الخلاق التي لا تهدأ, ومع نهاية التسعينيات من القرن الماضي, كانت تقنية الكمبيوتر والإنترنت تنعش الاقتصاد الأميركي من جديد.

لقد عزز النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة من النفسية القومية, فخلال الثمانينيات وجزء كبير من التسعينيات كان الأميركيون يمرون بفترة من الخوف والاكتئاب والقلق, من ضياع مكانتهم لمصلحة ألمانيا, وأوروبا التي توحدت حديثا, واليابان, لكن انتعاش التكنولوجيا غير كل شيء, فاجتاحت تقنية المعلومات الأميركية الأسواق العالمية, بينما انزلقت أوروبا واليابان إلى ركود اقتصادي.

ويقول المؤلف إن هناك ثلاث صفات مهمة تؤثر على النمو العالمي هي: 
1- مدى المنافسة على المستوى المحلي, ثم مدى انفتاح البلد على التجارة واندماجه مع سائر دول العالم, وخاصة الدول النامية.

2- نوعية مؤسسات الدولة التي تجعل الاقتصاد يعمل.

3- نجاح واضعي السياسات في تنفيذ الإجراءات الضرورية للاستقرار الاقتصادي الكلي.

ولا شك في أن المحدد الاقتصادي الكلي للنجاح الاقتصادي هو مدى مرونة الاقتصاد, ومن ثم قدرته على الشفاء السريع من الصدمات.

خيارات أمام الصين
وتحت عنوان "الاختيارات التي تنتظر الصين" يقول المؤلف إن على الحزب الشيوعي هناك أن يواجه اختيارات شديدة الصعوبة, لأن ما يحدث في الصين الآن سوف يقود الحزب في نهاية المطاف إلى التخلي عن جذوره الفلسفية, وتبنيه شكلاً من أشكال رأسمالية السوق على نحو رسمي.

فهل سيتحول حينئذ إلى حزب اشتراكي ديمقراطي, مثلما حدث في الكثير من دول الكتلة السوفياتية السابقة؟ وهل يوافق على التعددية الحزبية التي هي نتيجة محتملة, وتكون بالتالي تهديداً لهيمنة الحزب؟ أم سيتخلى عن الإصلاح ويعود إلى النظام الأصلي الخاص بالتخطيط المركزي والنزعة الاستبدادية, وهو ما سوف يقوض بالتأكيد الرخاء الذي تعتمد عليه القيادة في المشروعية؟

"
الحزب الشيوعي في الصين يمكن أن يواجه اختيارات شديدة الصعوبة, لأن ما يحدث هناك الآن سوف يقود الحزب في نهاية المطاف إلى التخلي عن جذوره الفلسفية, وتبنيه شكلاً من أشكال رأسمالية السوق على نحو رسمي
"
إن الحزب الشيوعي الصيني يمكنه الحفاظ على النظام الاستبدادي شبه الرأسمالي والمزدهر نسبياً لبعض الوقت, ولكن بدون صمام الأمان الخاص بالعملية الديمقراطية, هناك شك في النجاح طويل المدى لهذا النظام, وسوف يكون للطريقة التي تتطور بها تلك الخيارات دلالات عميقة, ليس بالنسبة للصين فحسب, بل كذلك بالنسبة للعالم بصفة عامة.

ويرى المؤلف أنه لكي تكون الهند فاعلاً في المجال الاقتصادي الدولي, فإن عليها بناء المصانع التي تجتذب جزءاً كبيراً من عمالها الزراعيين إلى الجيوب الحضرية, لإنتاج الصادرات كثيفة العمالة, وهذا هو السبيل الذي تسير فيه النمور الآسيوية الناجحة والصين منذ فترة طويلة.

لقد بلغ إجمالي العمالة في صناعة تكنولوجيا المعلومات الهندية حالياً 1.5 مليون نسمة, وهو خمسة أضعاف ما كانت عليه في عام 1999, وتتصل الزيادة كلها تقريباً بالتصدير, ويبدو أن هناك ثلاثة ملايين فرصة عمل أخرى جرى خلقها في الاتصالات والطاقة والتشييد, نتيجة لموجة تقنية المعلومات.

ويؤكد المؤلف أن روسيا لها دور مهم في المزيد من التطور الرأسمالي العالمي, لكن هذا الدور قد يقوضه بطء نمو الاقتصاد الداخلي, الذي يعتمد على النفط والغاز دون أن تدعمه صناعات اقتصادية تنافسية, وفي النهاية ستكون روسيا بما لديها من طاقة وأصول عسكرية, فاعلاً مهماً في المشهد العالمي لعقود مقبلة.

ويعبر المؤلف عن مخاوفه من عجز الحساب الجاري في الولايات المتحدة ودلالاته السلبية المحتملة, فالقلق يدفع الحائزين الأجانب إلى تغيير الدولار بعملات أخرى, حتى وإن كان عائد الاستثمارات الدولارية أكبر, ومع أن المستثمرين الأجانب لم يقللوا تمويلهم للاستثمارات الرأسمالية الأميركية بصورة كبيرة حتى الآن, فقد انخفضت قيمة الدولار منذ عام 2002 مقارنة بالعملات الأخرى, وكذلك حصة الأصول الدولارية في بعض قياسات المحافظ العالمية العابرة للحدود.

انتكاس العولمة 
"
عندما تتسع العولمة وتبدأ في النهاية في التباطؤ, سوف يحتاج نظامنا المالي إلى الاحتفاظ بمرونتها, والنزعة الحمائية مهما كان الشكل الذي تتخفى فيه اقتصادياً كان أم سياسياً
"
يحذرنا التاريخ من أن العولمة قابلة للانتكاس, ومن الممكن أن نخسر الكثير من المكاسب التاريخية التي تحققت في ربع القرن المنصرم, فالحواجز التي تقف في سبيل التجارة, التي سقطت في أعقاب الحرب العالمية الثانية, يمكن أن تحيا من جديد, ولكن من المؤكد أن هناك نتائج شبيهة بتلك التي أعقبت انهيار البورصة في عام 1929.

إن العالم كامل العولمة هو ذلك العالم الذي يحرك فيه الإنتاج والتجارة والتمويل غير المقيد, البحث عن الربح والمخاطرة اللذين لا يعيران أي اهتمام للمسافة والحدود القومية.

ولن تتحقق تلك الحالة أبداً, كما يقول المؤلف, لأن كراهية الناس الفطرية للمخاطرة, والتحيز للاستثمار المحلي, الذي هو أحد تجليات تلك الكراهية, يعنيان أن للعولمة حدوداً.

وقد حقق تحرير التجارة في العقود الأخيرة قدراً كبيراً من تقليل الحواجز التي تقف في سبيل انتقال السلع والخدمات وتدفقات رأس المال, إلا أن المزيد من التقدم سوف يتحقق بصعوبة متزايدة, وهو ما أوضحه المأزق الذي وصلت إليه دورة "الدوحة" للمفاوضات التجارية.

ويرى المؤلف أهمية التركيز على معالجة وتخفيف المخاوف التي يثيرها الجانب المظلم من التدمير الخلاق, وليس فرض القيود على البناء الاقتصادي, الذي يعتمد الرخاء العالمي عليه.

والتجديد مهم لسوق المال العالمية, مثلما هو مهم للتكنولوجيا أو المنتجات الاستهلاكية أو الرعاية الصحية, وعندما تتسع العولمة وتبدأ في النهاية في التباطؤ, سوف يحتاج نظامنا المالي إلى الاحتفاظ بمرونتها, والنزعة الحمائية مهما كان الشكل الذي تتخفى فيه اقتصادياً كان أم سياسياً, هي وصفة للركود الاقتصادي والاستبداد السياسي, ويجب علينا أن نفعل ما هو أفضل من ذلك.

ويشير المؤلف إلى أن على الولايات المتحدة أن تدخل المنافسة مع عالم التكنولوجيا الفائقة, الذي يزداد تنافساً, إذا أرادت أن تحسن وضعها الاقتصادي الذي بات يعاني من مشكلات كثيرة, كما أن عليها معالجة فشل نظامها التعليمي المحلي في توفير مستوى العمال الذين اكتسبوا المهارات حديثاَ, للحد من الزيادة المزعجة في تفاوت الدخل, وكذلك فتح الحدود بصورة أكبر أمام تجمع العمال المهرة المتنامي في العالم, ولكي تتحقق الأرباح لا بد من دفع التكاليف.

أزمة سكانية
"
لا يزال دور النفط كبيراً بحيث يمكن لأية أزمة نفط أن تحدث ضرراَ بالغاً بالاقتصاد العالمي, وإلى أن تفك الاقتصادات الصناعية ارتباطها بالنفط, فسوف يظل استقرار هذه الاقتصادات, وبالتالي الاقتصاد العالمي, في خطر
"
ويؤكد المؤلف أن العالم المتقدم بأسره تقريباً على شفا هوة ديمغرافية غير مسبوقة, والنقص في العمال المهرة أصبح أكثر سوءاً, سواء في أوروبا أو اليابان, وفي الولايات المتحدة بدرجة أقل, وهذا بالطبع سوف يؤثر بشدة على ميزان القوة الاقتصادية العالمي, وربما تقطع الطريقة التي تتصرف بها الدول المتقدمة في مواجهة هذا التحول, شوطاً بعيداً في اتجاه: إما الحد من التغيرات في ميزان القوة الاقتصادية العالمي أو تكثيفها, وربما تنغلق الدول المتقدمة على نفسها وتقيم الحواجز في وجه التجارة مع العالم النامي.

ويستنتج المؤلف من أزمة شركة "إنرون" التي انهارت في الولايات المتحدة, أن الرقابة المطلقة على الشركات بواسطة مساهميها ضرورية لنظام السوق الرأسمالي, وفي الشركات -كما في معظم المؤسسات البشرية الأخرى- يؤدي تفويض السلطة إلى درجة من الاستبداد.

ويعبر الكاتب عن أسفه لعدم الاعتراف سياسياً, بما يعرفه الجميع, من أن حرب العراق كانت إلى حد كبير من أجل النفط, وبالتالي فإن مستقبل الشرق الأوسط هو الاعتبار الأكثر أهمية في أي توقع طويل المدى للطاقة, ولا يزال دور النفط كبيراً بحيث يمكن لأية أزمة نفط أن تحدث ضرراَ بالغاً بالاقتصاد العالمي, وإلى أن تفك الاقتصادات الصناعية ارتباطها بالنفط, فسوف يظل استقرار هذه الاقتصادات, وبالتالي الاقتصاد العالمي, في خطر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة