الحرب في الداخل   
الاثنين 1429/10/7 هـ - الموافق 6/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:35 (مكة المكرمة)، 7:35 (غرينتش)

عرض/طارق الكحلاوي
كالعادة يتصدر آخر كتب بوب ودورد، كبير المحررين في "الواشنطن بوست" والحاصل على الجوائز العديدة وصاحب لقب مفجر فضيحة "واتر غيت" المشهد الإعلامي الأميركي بوصفه حدثا في ذاته.

هذا الكتاب الرابع في سلسلة كتب بدأ نشرها منذ سنة 2002 تتميز بقربها الاستثنائي من كواليس إدارة الرئيس بوش، المتسمة عموما بالغموض، وكشفها عن تفاصيل كثيرة عبر حوارات مباشرة مع صانعي القرار في واشنطن.

-الكتاب: الحرب في الداخل: تاريخ سري للبيت الأبيض 2006/2008
-المؤلف: بوب ودورد
-الصفحات: 487
-الناشر: سيمون وشوستر، نيويورك
-الطبعة: الأولى/سبتمبر 2008
من الصعب قراءة الكتاب للوهلة الأولى لخلوه من عناوين تفصيلية عدى أرقام الفصول التي بلغ عددها أربعين فصلا.

وتشير الأجواء التي حفت بنشره رغبة ناشريه وهيئة تحرير الواشنطن بوست في إصداره بسرعة وفي توقيت يتناسب مع أجواء الحملة الانتخابية بشكل يصنع الحدث جراء كم المعلومات الجديدة التي حواها. وهي ظروف من الممكن أنها أدت للتسرع في تحضير بعض تفاصيله المنهجية.

ينقسم الكتاب عموما إلى كتابين. يحتوي الكتاب الأول (غير معنون) على 31 فصلا في حين يحتوي الكتاب الثاني (غير معنون) على 9 فصول (من الفصل 32 إلى الفصل 40).

ويعتمد الكتاب على نصوص وتسجيلات لحوالي 150 حوارا أجراها ودورد مع صانعي القرار في واشنطن بدءا من الرئيس بوش إلى صغار المدنيين والعسكريين المكلفين بمهام تخص الملف العراقي.

الكتاب يتميز بأسلوب ودورد المثير للجدال، والذي يحاكي السرد القصصي بما في ذلك تصوير الأحداث بشكل ونسق مشوقين بالرغم من أنه في الأساس كتاب إخباري.

ولذلك يشير ودورد منذ البداية، مثلما حصل في كتبه السابقة، أنه استعان في البحث وتحريره الكتاب بشابين مجازين في التحرير بالإنجليزية أحدهما شابة مختصة في الكتابة القصصية.

ومن المثير للانتباه أن الصفحات الأولى من الكتاب تحتوي على "قائمة الشخوص" (cast of characters) المشاركة في أحداث الكتاب مشابهة لقائمة ممثلين في مسرحية.

غير أنه بالرغم من غياب عناوين تفصيلية في متنه فإن هناك نسقا ناظما للكتاب يتمثل في التسلسل الزمني للأحداث. إذ كل فصل يلخص فترات زمنية تتراوح بين الشهر والشهرين أو أكثر.

وبشكل عام يمثل الكتاب الأول المرحلة الزمنية التي سبقت تنفيذ خطة "زيادة القوات" (the surge) في العراق في حين يمثل الكتاب الثاني مرحلة تنفيذها منذ وصول الجنرال بتراوس إلى العراق قائدا للقوات الأميركية في يناير/كانون الثاني 2007 حتى شهر يوليو/تموز 2008، تاريخ آخر الأحداث التي ينقلها الكتاب.

وهكذا فموضوع "الحرب في الداخل" بالتحديد هو الظرف الذي أدى إلى اتخاذ قرار خطة "زيادة القوات" وتطورها ونتائجها.

مأزق السياسة الأميركية في العراق 2004/2006
يبدأ الكتاب الأول (الفصول من 1 إلى 4) بالرجوع قليلا إلى ما قبل 2006 عبر التركيز على المرحلة التي أدت إلى جلب الجنرال كايسي لقيادة القوات الأميركية في العراق ومعه خطة نقل السلطات العسكرية بشكل تدريجي وبطيء إلى القوات العراقية التي يتم تدريبها بشكل حثيث.

يشير أيضا إلى تقلد ستيف هادلي موقع مستشار الأمن القومي والدور المركزي الذي سيلعبه من هنا فصاعدا، خاصة تناغمه الكبير مع الرئيس بوش (هذا الكتاب تم اقتراح إنجازه من قبل هادلي كما ينقل ودورد نفسه).

ثم ينتقل الكتاب إلى الظروف التي اضطرت الرئيس الأميركي في سياق تدهور الخطط الأميركية إلى تكوين فريق ثنائي من أعضاء الحزبين "مجموعة دراسة العراق" بين ربيع وصيف 2006 (الفصول من 5 إلى 16).

لكن في نفس الأثناء يركز الكتاب على جهود في اتجاهات مختلفة في أوساط صناعة القرار في واشنطن غير معلنة كانت تعمل على "مراجعة" هذه الخطط في الفترة نفسها وخاصة مع حلول خريف 2006.

بادرت في البداية "هيئة رؤساء الأركان المشتركة" وهي السلطة العسكرية الأعلى في الولايات المتحدة إلى تكوين مجموعة أطلقت عليها "مجلس العقداء" من أجل تقييم وتقديم بدائل عن الخطط العسكرية في العراق.

في الجهة المقابلة قاد هادلي فريقا آخر يتكون من مختلف فروع الإدارة الأميركية: مكتب الأمن القومي، الخارجية، البنتاغون، هيئة رؤساء الأركان، الاستخبارات.

"
الكتاب في الحقيقة يتكون من كتابين: الأول يتناول المرحلة الزمنية التي سبقت تنفيذ خطة "زيادة القوات" في العراق في حين يمثل الكتاب الثاني مرحلة تنفيذها منذ وصول الجنرال بتراوس إلى العراق قائدا للقوات الأميركية في يناير/كانون الثاني 2007 حتى يوليو/تموز 2008
"
النقطة الأساسية التي يجب التركيز عليها في هذين المسارين أنهما كانا يتمان في شكل متباعد. في الحالة الأولى هناك مجهود عسكري خالص لـ"مراجعة" الخطط العسكرية في العراق في حين في الحالة الثانية هناك مجهود مدني-عسكري، لكن يجب التأكيد هنا بإشراف مدني، للقيام بـ"المراجعة".

أخيرا يتم ذلك في إطار موقف رسمي متكرر من قبل الرئيس بوش مباشرة يدعم الخطة الجارية بقيادة الجنرالين كايسي وأبي زيد.

المعطى الجوهري في عمليات المراجعة السرية هذه ورقة قدمها وليام (بيل) لوتي في أكتوبر/تشرين الأول 2006 (الفصل 17) تحث على "زيادة القوات" والتخلي عن صيغة الانسحاب التدريجي ونقل السلطات للجيش العراقي.

استمرار لوتي في شغل دور ريادي في صياغة السياسات الأميركية مثير للانتباه إذ كان ضمن الفريق الذي أعد في البنتاغون -مع دوغلاس فايث- التقرير الاستخباراتي الذي هيأ الأجواء للحرب على العراق قبل أن يتم نقله للعمل مساعدا خاصا للرئيس.

ينقل هادلي في هذه الأثناء مقترح لوتي إلى البنتاغون آملا أن يتم تبنيه في البدء من قبل العسكر قبل المدنيين. في حين ينقل ودورد أجواء اجتماعات مشحونة في "الدبابة" المقر الخاص والمضيف لأعضاء "هيئة رؤساء الأركان" (على الأرجح على أساس رواية قائدها الجنرال بايس) والتي تكرر فيها طوال خريف 2006 الشعور بصعوبة التواصل بينهم وبين البيت الأبيض، وأنهم يشعرون بتدهور سريع في الوضع و تجاهل الرئيس لانشغالاتهم.

خاصة أن "مجلس العقداء" الذي شكلوه قدم لهم في شهر نوفمبر/تشرين الثاني تقييما ينتهي بجملة واحدة "نحن لا نربح، إذا كنا نخسر". التعليق الوحيد صدر آنذاك عن رئيس الهيئة الجنرال بايس: "كيف لم يتسن لي معرفة ذلك؟" (الفصل 20).

وفي هذه الفترة تبدأ جلسات "مجموعة دراسة العراق" مع أركان البيت الأبيض السياسية والعسكرية والاستخباراتية والتي تميزت بالاحتكاكات بين وزير الخارجية السابق جيمس بيكر مع أركان الإدارة حول تقييم الوضع العربي وطريقة التعامل مع إيران وسوريا (الفصلين 21 و22).

في أكثر المماحكات سخونة قاطع بيكر كوندوليزا رايس عندما كانت تشير إلى تحول في المشهد العربي في اتجاه "المعتدلين" -مع التأكيد على الموقف السعودي- الذين يرون إيران هي العدو وليس إسرائيل.

بيكر سارع للإشارة إلى أن "الحكومات العربية دائما تتصارع لكن السؤال الأهم الذي علينا طرحه هو من الذي سيقود". ردت رايس: "أنا منشغلة جدا بالسعر المكلف في علاقة بـ(تحويل وجهة) سوريا.. بالنسبة للعرب الآن إيران هي الخطر".

مشهد آخر مثير للانتباه يعكس طبيعة رؤية رايس للمشهد السياسي العراقي وخاصة الصراع السني الشيعي المتصاعد آنذاك. تقول: "في العراق هناك خوف وجودي من الآخرين... هؤلاء أناس يرغبون في العيش في دولة واحدة، لكنهم لا يرغبون في أن نتركهم لوحدهم في غرفة واحدة".

تضيف رايس أن كل عنصر يرى في الولايات المتحدة "حرزا" له ضد الأطراف الأخرى: "بالنسبة للشيعة فإننا نساعدهم على ضمان دور الأغلبية. بالنسبة للسنة يرغبون أن نبقى للدفاع عنهم ضد القمع والمذابح".

رايس كانت تحظى بقوة هائلة في الإدارة مع خروج رمسفيلد في خريف 2006. إذ تبدو ممسكة بأكثر من مفصل الآن: هادلي الذي عوضها في مكتب الأمن القومي صديق مقرب، وكذلك علاقتها بكل من غيتس (الذي زكته للرئيس في موقع وزير الدفاع) وكذلك مايكل هايدن مدير "وكالة الاستخبارات المركزية" الجديد الذي عملت معه سابقا.

من جهة أخرى تطور النقاش في مجموعة "المراجعة" التي يشرف عليها مستشار الأمن القومي هادلي التي بدأت اجتماعاتها في نوفمبر 2006 (الفصل 23) بصراعات بين ممثلي وزيرة الخارجية (ساترفيلد وزيلكيو) ولوتي الذي وصف رؤيتهم التي تؤكد على ضرورة تسليم الوضع للعراقيين "إعلانا غير مشرف للهزيمة".

"
في خضم كل الفرق الاستشارية كانت الإدارة وخاصة مكتب الرئيس ونائب الرئيس تتفاعل بشكل متسارع مع فريق استشاري غير حكومي يعمل ضمن "معهد المؤسسة الأميركية" (آي إي أي) الذي ارتبط في السنوات الأخيرة بفريق المحافظين الجدد
"
غير أن مكتب الأمن القومي بقيادة نائب مستشار الأمن القومي يدفع بقوة نحو مقترح زيادة القوات ويتم إشعار "هيئة رؤساء الأركان" بذلك وهو ما يزيد الاحتقان لدى الجنرالات لشعورهم بمحاولة فرض خطة غير دقيقة ومن دون موارد عسكرية عليهم (الفصل 24).

غير أنه في خضم كل هذه الفرق الاستشارية كانت الإدارة و خاصة مكتب الرئيس ونائب الرئيس تتفاعل بشكل متسارع مع فريق استشاري غير حكومي يعمل ضمن "معهد المؤسسة الأميركية" (آي إي أي) الذي ارتبط في السنوات الأخيرة بفريق المحافظين الجدد.

إذ عمل فريق صغير بإشراف الجنرال المتقاعد جاك كين وأستاذ التاريخ العسكري بيتر كيجان على تحضير ورقة تفصيلية مدعمة بالخرائط للدفاع عن خطة "زيادة القوات" مع إخراجها من القواعد العسكرية المعزولة وتقريبها أكثر من الأحياء السكنية التي تشهد صراعات طائفية دموية خاصة في بغداد (الفصل 27).

جاك كين على وجه الخصوص لقي تجاوبا قويا وسريعا من مكتب نائب الرئيس الذي رتب له لقاءا مع الرئيس. تفطنُ "هيئة رؤساء الأركان" لهذا الدور الجديد خارج تسلسل المؤسسات أدى لتأزم كبير في العلاقة بين الرئيس وكبار جنرالاته في ديسمبر/كانون الأول 2006.

قائد الجيش الجنرال شومايكر علق بغضب: "منذ متى يوضع رأي (معهد المؤسسة الأميركية) في الصدارة عند تقرير هذه المواضيع؟" (الفصل 28).

نتج عن ذلك لقاء غير مسبوق بادر فيه الرئيس إلى مقابلتهم في مقرهم المركزي "الدبابة" لتحسين الأجواء. غير أنه تم اتخاذ القرارات الأساسية: قرار "زيادة القوات" وإقالة كل من كايسي وأبي زيد (الذين كانا خارج الصورة تماما معتقدين دعم الإدارة لهما) وتعويضهما بقائدين اقترحهما بشكل مباشر جاك كين، وليس هيئة رؤساء الأركان.

تنفيذ خطة "زيادة القوات"
منذ سفر بتراوس وبدء تنفيذ الخطة في فبراير/شباط 2007 كان جاك كين مشرفا بشكل فعلي (بالرغم من عدم تقلده أي منصب رسمي) على مراقبة سير تنفيذها.

قدم كين أول تقاريره بعد رحلة إلى بغداد في مارس/آذار 2007 إلى مكتب نائب الرئيس تشيني. منذ هذه اللحظة تم التأسيس لقناة خلفية خارج التسلسل المؤسساتي والعسكري تربط بتراوس بالرئيس عبر كين.

غير أن الأميرال وليام فالون، خليفة أبي زيد في "القيادة المركزية" والقائد العسكري الأكثر خبرة بين نظرائه، بادر منذ البداية بمشاغبة آراء البيت الأبيض بما في ذلك خطة "زيادة القوات" معتبرا أن المشكل هو وجود عدد زائد من القوات وليس نقصها.

فالون بدأ بالتدخل أيضا في الشأن السياسي مصرا بشكل مستمر على تغيير السياسة تجاه إيران وسوريا وإشراكهما في ترتيب الأوضاع في المنطقة كمدخل ضروري لحل المأزق العسكري في العراق، وهو ما كان مصدر غضب وتذمر كبيرين من البيت الأبيض وحتى ممن زكوه في منصبه الجديد خاصة غيتس وكين (الفصول 32 و33).

"
فالون الذي حل محل أبي زيد بدأ بالتدخل في الشأن السياسي مصرا بشكل مستمر على تغيير السياسة تجاه إيران وسوريا وإشراكهما في ترتيب الأوضاع في المنطقة كمدخل ضروري لحل المأزق العسكري في العراق وهو ما كان مصدر غضب وتذمر كبيرين من البيت الأبيض
"
في المقابل زيارات كين المتواصلة ستنقل "تحسنا" في الوضع الأمني خاصة منذ صيف 2007، حين تحول دعم القبائل السنية في الأنبار بشكل سريع من "القاعدة" إلى التعاون مع القوات الأميركية وطلب، كين في هذه الأثناء "ربح الوقت" ودعم الخطة لضمان نجاحها حتى بداية سنة 2008 ومن ثمة التأكيد على "نجاحها" بعد رحلاته إلى العراق في ربيع 2008 (الفصول 35 و37 و41).

في هذه الزيارات يبدو كين ذا صلاحيات غير عادية إذ يقوم بزيارة واستجواب قيادات عسكرية وأمنية أميركية وعراقية على مدى طول العراق وعرضه.

هذا النشاط لاقى اعتراضات من قبل الجنرال مولين، خليفة فالون الذي استقال في هذه الأثناء، في ربيع 2008، ولكن كين لقي دعما حازما من قبل تشيني و غيتس.

قبل ذلك أي ربيع 2007 (الفصل 34) حمل معه أزمة أميركية سعودية في علاقة بالوضع في العراق إثر موقف العاهل السعودي في مارس/آذار الذي وصف الوجود الأميركي في العراق بـ"الاحتلال غير الشرعي".

قامت رايس بإرسال معاونها ساترفيلد للقاء الملك في 22 أبريل/نيسان. في اللقاء قال الملك بغضب: "لقد سمحتم للفرس الصفويين بالسيطرة على العراق.. لقد حذرتكم من ذلك.. حذرت الرئيس ونائب الرئيس لكن آذانكم كانت مغلقة. ليست لدي الرغبة في النقاش أكثر من ذلك".

ساترفيلد لاحظ بأن الملك لم يكن قادرا على تخيل حكومة شيعية مستقلة عن إيران وحاول طمأنته مشيرا إلى صفقات الأسلحة الأميركية مع دول الخليج ومصر وإسرائيل: "هذه كلها مؤشرات بأننا هنا. وأننا لسنا ذاهبين إلى أي مكان".

غير أن ذلك لم يهدئ من مخاوف الملك الذي تمسك بالموقف غير المطمئن لحكومة شيعية في العراق. ساترفيلد نقل هذه المخاوف إلى الرئيس الذي أرسل تشيني على خلفية علاقته القوية بالرياض. اللقاء الذي دار في 12 مايو/أيار كان صعبا وانتهى برغبة واضحة من الملك يرفض فيها الحديث في الموضوع أصلا.

كذلك بدا في هذه الأثناء أن العلاقة بين الأميركيين وخاصة السفير كروكر والجنرال بتراوس والحكومة العراقية مثيرة للانتباه. إذ ينخرط بتراوس في أدق تفاصيل تسيير الحكومة العراقية (حتى لوحات السيارات الحكومية) وحتى تأنيب علني للجنرالات العراقيين.

في حين لا يشير ودورد إلى مشاعر لا تخلو من التعالي من قبلهما إزاء رئيس الوزراء المالكي حتى إشارتهما لنفاد صبرهما حيال جمود طريقة تفكيره إلى حد الرغبة في "القفز على الطاولة وخنقه".

كما تتم الإشارة إلى عدم ثقة الأميركيين في فريقه خاصة مستشارته للأمن (باسمة الجادري). ويأتي في هذا الإطار كشف ودورد عن برنامج التجسس على مكتب المالكي (الفصول 36 و37 و39).

يختم ودورد الكتاب بموضوع مثير جدا للانتباه وهو انخراط كين في التحضير للقيادات العسكرية الجديدة، مما يضمن استمرار خطة "زيادة القوات" وبشكل يمكن فرضها فيه حتى على إدارة ديمقراطية قادمة.

"
النقطة المركزية التي لا يمكن تجاهلها في هذا الكتاب تحديدا هي إصرار الإدارة الأميركية، رغم كل الواجهات الاستشارية المؤسساتية، على العمل ضمن أوساط غير حكومية خاصة حول مجموعات بحث قريبة من المحافظين الجدد
"
في لقاء مع غيتس في أبريل/نيسان 2008 يشير كين إلى الأسباب التي تجعله ينصح باختيار بتراوس وأديارنو (نائب بتراوس في العراق) كنواة القيادة المركزية الجديدة: "لنكن صريحين حول ما يحدث هنا. ستأتي إدارة جديدة (إلى البيت الأبيض). هل نريد لهذه السياسات أن تتواصل أم لا؟.. لنفترض أنه ستكون هناك إدارة ديمقراطية وستقرر أن تنهي هذا الأمر بسرعة. سيكون عليهم عندها التعامل مع الجنرال بتراوس والجنرال أديارنو. سيكون هناك ثمن يتعين عليهم دفعه إذا حاولوا التخلص منهما" (الفصل 41).

قبل ذلك عندما يحاول كين إقناع بتراوس، الذي طلب من الرئيس بوش سابقا أن يكون موقعه القادم في قيادة الناتو في أوروبا، بأن زمن أوروبا مضى يقول إن "المستقبل في الشرق الأوسط.. سنبقى هنا خمسين سنة في أقل الأحوال.. الجيش يرغب في إنهاء هذه الحرب والرحيل ولكن ذلك لن يحصل" (الفصل 40).

تعليق
يجب القول أن من بين أكثر النقاط المسكوت عنها عند قراءة كتب ودورد هي السبب الذي يجعله قادرا على خرق حجب البيت الأبيض وسماح الحلقة الضيقة للرئيس وأعوانه بكشف أسرار كبيرة له. وهي قدرته على كتابة "التاريخ الراهن" دون انتظار "رفع السرية" عن الوثائق الحساسة وقبول صانعي القرار تقاسم محتويات جلسات سرية معه، وتلك مسألة تحتاج لفهم وتمحيص.

عدا ذلك فإن النقطة المركزية التي لا يمكن تجاهلها في هذا الكتاب تحديدا هي إصرار الإدارة الأميركية، برغم كل الواجهات الاستشارية المؤسساتية، على العمل ضمن أوساط غير حكومية خاصة مجموعات بحث قريبة من المحافظين الجدد حتى بعد إبعاد رموز هؤلاء من المواقع التنفيذية الواحد تلو الآخر.

الإصرار أيضا على تجاوز التسلسل البيروقراطي والارتياح لفرق تعمل "تحت الرادار". العمل الاستشاري يبدو في هذا الإطار موجها وليس عفويا.

إذ تتم استشارة من يتوقع أن تتفق رؤاه مع توجهات الإدارة. ومن الملفت في هذا السياق استحضار إشارة قام بها بيتر كيجان (شريك جان كين في صياغة خطة "زيادة القوات") عندما أشار إلى أن عبقرية قائد مثل نابليون تكمن تحديدا في اتخاذه القرارات الحاسمة بشكل "حر" بعيدا عن تراتبية "المجالس العسكرية".

والصورة التي يتركها كتاب ودورد هي أن مسارات الحرب الأساسية يتم تقريرها بين مواقع ليس من المفترض أن تقوم بأية أدور تنفيذية: مكتب نائب الرئيس وجنرال متقاعد مقرب من نائب الرئيس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة