الصناعات الإبداعية   
الأربعاء 1428/6/19 هـ - الموافق 4/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:11 (مكة المكرمة)، 12:11 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
ينطلق هذا الكتاب الذي يتكون من جزأين من الحاجة إلى مواجهة التحديات المفروضة في عالم يشكل فيه الإبداع والابتكار والمخاطرة حاجة عامة إلى المشروعات الاقتصادية والثقافية، حيث تقود المعرفة والأفكار عملية تكنين الثروة والتحديث، وحيث تشكل العولمة والتقنيات الجديدة قوام الحياة والخبرة اليومية.

-الكتاب: الصناعات الإبداعية (كيف تنتج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة)
المؤلف: مجموعة من المؤلفين
-تحرير: جون هارتلي
-ترجمة: بدر السيد سليمان الرفاعي
-الصفحات: ج1: 293، ج2: 247
-الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, الكويت
-الطبعة: الأولى/2007

الصناعات الإبداعية
في مقدمة طويلة وضافية يقدم المحرر جون هارتلي لأفكار الكتاب، ويستشهد بأهمية الصناعات الإبداعية أنه في العام 2001 قدر صافي عائدات حقوق النشر الأميركية بـ791.2 بليون دولار أميركي، ويعمل بها حوالي 8 ملايين عامل، ويبلغ إسهامها في الصادرات: 88.97 بليون دولار، أي ما يفوق صادرات السيارات والطائرات والصناعات الكيماوية والكمبيوتر.

ويؤشر ذلك على أهمية الصناعات الإبداعية التي بدأت توجه المعرفة الاقتصادية وتسير الصناعات والخدمات الأخرى.

وبطبيعة الحال ستقود المجتمع طبقة جديدة تتفق مع قيادة الإبداع للاقتصاد، وهي طبقة من الفنانين والموسيقيين والعلماء، الذين يحددون ساعات عملهم ولا يمكن إجبارهم على العمل.

وستنتقل طريقتهم في الحياة والعمل إلى الحياة الاقتصادية بعامة، أو بتوصيف رمزي لتحولات العمل، من الياقات الزرقاء إلى الياقات البيضاء، إلى عمل بلا ياقات، وسيؤدي ذلك إلى أشكال جديدة من الإدارة الذاتية والمساواة والعمل السريع الحاسم.

وستتغير أيضا أساليب التعليم، فنحتاج أن نتعلم لنكون مبدعين، وثمة حاجة للتعليم الذاتي والمستمر المعتمد وغير المعتمد، وهذا يجعل المعلمين (بشروط) من الطبقة الإبداعية الجديدة.

ويجب أن تكون الأهداف الجديدة للتعليم تطوير الملكات، الأساسية كالقراءة والكتابة والحساب، والتصرف بمسؤولية تجاه الآخرين، والمبادرة والعمل الجماعي، والقدرة على مواصلة التعلم، وسيتولى تقديم التعليم منظمات أقدر على تحديد احتياجات المتعلمين، وسيتوزع التعليم بين الأسرة والعمل والمقاهي والفصول الدراسية.

 

 

 

 

غلاف الجزء الثاني من كتاب الصناعات الإبداعية

ما هي الصناعات الإبداعية؟
لا يزال الإبداع هو جوهر الثقافة، ولكن طريقة إنتاج الإبداع وتوزيعه والاستمتاع به كانت تختلف في مجتمعات ما بعد الصناعة كل الاختلاف عن المراحل السابقة.

وقد ثبت أن قطاع الصناعات الإبداعية شريك مزعج لكل من الحكومات والمؤسسات التعليمية التي كانت أكثر اعتيادا على التعامل مع صناعات كبيرة أو مهن جيدة التنظيم.

ولكن الحدث الأكثر أهمية كان تحول الصناعات الإبداعية إلى مصدر هائل للثروة، فالقيمة لم تعد تأتي من تصنيع الأشياء، وإنما من المعلومات (نظم تشغيل الحواسيب)، وانتقلت السيادة من شركات مثل جنرال إلكتريك إلى أخرى مثل ميكروسوفت، وتحولت المعلوماتية إلى التفاعلية والتواصلية، وما تبع ذلك من أعمال ومشروعات عبر شبكة الإنترنت وشبكات الاتصالات، وأصبح الإبداع في هذه المرحلة أحد أصول السوق.

وبدأت الاقتصاديات المتقدمة تشهد انتقالا كبيرا من الشركات الكبيرة إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ومن توجيه المدراء إلى توجيه المستهلك أو الفنانين والمؤلفين ومديري الإنتاج، وتمتد إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وأصبح الاستهلاك جزءا من دائرة الصناعات الإبداعية لا غايتها.

وأصبح التعليم عملية إبداعية لا ينظر إلى الطلاب باعتبارهم فقط محتاجين للمعرفة، ولكنهم محفزون للعملية التعليمية، وتحولت الصناعة من منتج إلى مدخل.

"
الحدث الأكثر أهمية كان تحول الصناعات الإبداعية إلى مصدر هائل للثروة، فالقيمة لم تعد تأتي من تصنيع الأشياء وإنما من المعلومات (نظم تشغيل الحواسيب)، وانتقلت السيادة من شركات مثل جنرال إلكتريك إلى أخرى مثل ميكروسوفت، وتحولت المعلوماتية إلى التفاعلية والتواصلية
"
وارتبطت الصناعات الإبداعية بوضوح مع خدمات أخرى: السياحة، والنقل، الشحن، الطاقة، المالية، التأمين، الاتصالات، المحاسبة، الشؤون القانونية، الرعاية الصحية، الإعلان، البناء، الهندسة، العمارة، تكنولوجيا المعلومات، الضرائب، التعليم، التجارة الإلكترونية، الخدمات البيئية.

ويضم العاملون الإبداعيون قوة عمل واسعة متعددة القوميات من الموهوبين، يستخدمون إبداعهم الفردي في التصميم، والإنتاج، والعرض، والكتابة، وهم يتراوحون بين مصممي الأزياء في ميلانو وعمال مصنع أحذية في إندونيسيا، ويعمل هؤلاء عند أنفسهم، وتشهد هذه القوة تزايد العمل المؤقت ولنصف الوقت، كما تشهد المزيد من التدويل.

تصنيف الصناعات الإبداعية
تتسم الصناعات الإبداعية إلى حد كبير بطبيعة مدخلات العمل: أفراد مبدعون، الإعلان، العمارة، التصميم، برمجية التفاعلية، سينما وتلفزيون، موسيقى، نشر، فنون أداء، ومن أهم مجالاتها:

صناعات حقوق النشر: فن تجاري، فنون إبداعية، فيلم وفيديو، موسيقى، نشر، إعلام مسجل، معاملة بيانات، برامج إلكترونية.

صناعات المحتوى: تحددها بؤرة إنتاج الصناعة: موسيقى سابقة التسجيل، موسيقى مسجلة بالتجزئة، إذاعة وسينما، برمجية، خدمات إعلامية.

الصناعات الثقافية: تتحدد في ضوء وظيفة السياسة العامة والتمويل، المتاحف والقاعات، فنون وحرف بصرية، تعليم الفنون، إذاعة وسينما، موسيقى، فنون أداء، أدب، مكتبات.

المحتوى الرقمي: يتحدد عبر الجمع بين التكنولوجيا وبؤرة إنتاج الصناعة، فن تجاري، فيلم وفيديو، تصوير فوتوغرافي، ألعاب إلكترونية، إعلام مسجل، تسجيل صوت، تخزين المعلومات واسترجاعها.

العالم الإبداعي
يعرض في هذا الجزء وعبر أربعة فصول كل من إيلي ريني، زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة كوينزلاند للتكنولوجيا، ولورانس لسيغ، أستاذ القانون بمدرسة ستانفورد للحقوق ومؤسس مركز الإنترنت والمجتمع التابع لها ومؤلف كتاب "مستقبل الأفكار"، وغراهام ميكل، الأستاذ بجامعة ماكواري بسيدني ومؤلف كتاب "المستقبل الفعال" وجيرت لوفيننك، المستشار بجامعة كوينزلاند للدراسات النقدية والثقافية ومؤلف كتاب "الشبكات الخارقة"، ونستور غارسيا كانكليني الباحث الأنثروبولوجي بجامعة يونيفرسدادا بالمكسيك نماذج وجوانب من عالم الصناعات الإبداعية.

فيوضح لورنس لسيغ كيف صممت شبكة الإنترنت بحيث يبقى التحكم في الشبكة بيد المستخدمين النهائيين لا بيد مركز، حتى تتسع قاعدة المشاركة في اختراع التكنولوجيا، وهو يقر صراحة بنهج للاختراع لا يسخره لخدمة قطاع الأعمال الكبيرة أو قلة موهوبة، وإنما لخدمة مصالح ووقت المتحمسين في كل مكان.

ويمثل برنامج لينوكس للتشغيل أفضل مثال للمصدر المفتوح، فهذا البرنامج المجاني الذي عمل على تطويره أكثر من 100 ألف من المتحمسين المتطوعين من المبرمجين والخبراء أصبح أسرع نظام تشغيل متنام في العالم.

ويلاحظ المفكر الاجتماعي كاستلز أنه كلما كانت المعرفة جزءا مهما من الاقتصاد اتسعت الفجوة بين الغني والفقير، وفي بيئة كهذه فإن النجاح الاقتصادي يخفق في توفير تعليم وبيئة تزدهر فيها الأفكار الجيدة، ويدعو الأمر إلى التساؤل عما يمكن عمله أيضا للوصول إلى عالم إبداعي.

ويقترح ليسغ أن يكون للحكومة دورها في ضمان توفير بعض الفضاءات التي تتيح التواصل لأي فرد، ويجب أن يكون برأي ديفد بوليير حرية تريب وإقامة بنية جديدة وفضاءات عمل لا تخضع لنسق محدد، للتخيل والتوصل إلى أفكار جديدة وتطبيقها.

ويتحدث جيرت لوفينك عن فضاء إبداعي في دلهي بالهند، حيث تقدم أدوات الإعلام لدعم الجهود الإبداعية للفنانين، والنشطاء والمفكرين، ويستمد منتجو الإعلام في سراي محتواهم من المدينة نفسها.

"
الإنتاج الإبداعي يسمح للناس بالمشاركة في تقرير خطابهم والتعبير عن أنفسهم بوضوح محليا وعالميا، وكمركز للإبداع تشتبك سراي بهمة في النقاش الفكري والسياسي الذي تجد نفسها مشاركة فيه بما في هذا دور التقنيات الجدية وأزمة التنمية وخطاب الفجوة الرقمية
"
إنها لديهم أكثر من مجرد نقطة تقاطع في اقتصاد عالمي، بل صورة لإبداع يرتبط ارتباطا حميما بفضاء وثقافة، حيث تروى وتسمع حكايات دلهي، وحيث تجري مواجهة أي شكل متوقع من التمثيل الثقافي.

ويبين كيف يتضمن التطور الإبداعي ما هو أكثر من الخيارات السياسية للاستدامة أو توفير الموارد أو نشر المعلومات، فالإنتاج الإبداعي يسمح للناس بالمشاركة في تقرير خطابهم والتعبير عن أنفسهم بوضوح محليا وعالميا، وكمركز للإبداع تشتبك سراي بهمة في النقاش الفكري والسياسي الذي تجد نفسها مشاركة فيه بما في هذا دور التقنيات الجدية وأزمة التنمية وخطاب الفجوة الرقمية.

ويعمل المنتجون الإبداعيون أحيانا منعزلين، ولكنهم يعملون غالبا كجزء من مجموعة، وأحيانا من أجل قضية، ويحدثنا غراهام ميكل عن تطور منتدى نشر مفتوح على الإنترنت، منذ نشأته كتقويم لأحداث وأنشطة جماعات سيدني إلى شبكة تضم أكثر من 70 موقعا محليا حول العالم.

ويشارك ليسغ قلقه بشأن مستقبل الإنترنت، ويدعو إلى فضاءات مفتوحة لا مالك لها خارج نطاق السوق، وتعطي الإحساس بمشاع معلوماتي، تقطنه جماعات وأفراد لديهم ما يقولونه، من خلال الفن الإلكتروني، أو الإذاعة، أو النشر المفتوح، أو التدوين، أو القرصنة، ويضفي ميكل على الإنجاز التكنولوجي إحساسا بالمكان مبينا كيف يأتي الاختراع من جماعات وثقافات تتمتع بأهمية محلية.

إن التأكيد على المحلية له تداعياته على الطريقة التي ننظر بها إلى ثقافة المقاومة والإعلام الفئوي، ويمكننا أن نجد الآن الأفكار الجديدة عن التقدم والتنمية في فضاءات لم تكن تتلاءم مع التنمية، فالإبداع يمكن أن يكون نتاجا للمقاومة والثقافة المحلية.

وبعامة فإن الإنتاج الإبداعي المتحقق في فضاءات الهواة والفضاءات البديلة (خارج قطاع الصناعة والحكومة) يحظى باهتمام قليل في إطار السياسة الثقافية خارج حدود تطور الجماعة.

ويراه بعض المؤلفين لا يتلاءم مع إطار الصناعات الإبداعية، خاصة عندما يكون لها طابع تخريبي واضح، ومن المحظور أن تحضر بعض الجماعات الراديكالية والمعارضة التي تندرج تحت لواء "البديل" لقاء حكوميا حول السياسة الثقافية بحال من الأحوال، لكن هذا النشاط يؤخذ في الاعتبار من زاوية المصير الأوسع للابتكار والإبداع.

فهو يولد أفكارا وصورا جديدة، وربما كان الأكثر أهمية أن البديل أو الهاوي يشيران إلى بعض الموضوعات الحساسة في الآليات الاجتماعية والاقتصادية التي صيغ تعبير الصناعات الإبداعية كإجابة وتفسير لها، مثل التوترات بين الملكية والحرية، وبين العمل والإشباع الشخصي، وبين المعارضة والحكومة.

هويات إبداعية
يقدم في هذا الجزء كل من جون هارتلي، أستاذ وعميد كلية الصناعات الإبداعية بجامعة كوينزلاند، وجون هوكنز، مؤلف كتاب "الاقتصاد الإبداعي، وشارلز ليدبيتر، مؤلف كتاب "الاقتصاد الجديد، وريتشارد فلوريدا، أستاذ السياسة العامة بجامعة جورج ميسون ومؤلف كتاب "الطبقة المبدعة" وتوبي ميلر، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، ونيتين جوفيل، أستاذ سوسيولوجيا الإعلام بجامعة فرجينيا أفكارا ومشروعات للتقدم والصناعة على أساس من الإبداع.

وكيف يرتبط قطاع الصناعات الإبداعية بجوانب أوسع من الإبداع الإنساني، وكيف يعزز الخيال الإنساني والابتكار والخبرة والعمل الإبداعي والاستهلاك الصناعات الإبداعية، وكيف يرتبط الإبداع اليومي المشروعات الكبيرة، ولماذا تختلف الصناعات الإبداعية عن التصنيع التقليدي أو الصناعات الأولية.

ويتفق المؤلفون على اختلاف وجهات نظرهم بعامة على أن الصناعات الإبداعية تقوم على الأفكار والموهبة والعمل الشخصي، ويوضحون أن تطوير قطاع اقتصادي مستدام على هذا الأساس مهمة صعبة ومعقدة.

لكن يتضح أن ما يحدث في كل حالة هو أن الصناعات الإبداعية أيا كان تعريفها تعتمد على هويات فردية، ويظل النمو والتنوع هو السياق الأكبر الذي تنمو وتزدهر فيه الصناعات الإبداعية نفسها.

ويبدأ جون هوكنز بتعريف الصناعات الإبداعية الذي يعتبره غير مرض ومناقضا للحس العام، ويحدد المفهوم في الصناعات التي تستخدم عمل العقل لإنتاج الملكية الفكرية، ويعتقد أن العالم يتحرك بطريقة غير منتظمة نحو عالم يعطي الأولوية للتفكير والتعبير الشخصي.

"
الصناعات الإبداعية تقوم على الأفكار والموهبة والعمل الشخصي وتعتمد على هويات فردية، ويظل النمو والتنوع هو السياق الأكبر الذي تنمو وتزدهر فيه الصناعات الإبداعية نفسها  
"
ومن مفاجآت التحولات التي تجري في السوق والمجتمعات أن شركات ومؤسسات استثمارية حققت عوائد ومبيعات كبيرة لمنتجات في مجال الحريات ومناهضة العولمة ومناهضة العنصرية، أي تحويل المقاومة والنضال إلى سلعة استهلاكية.

ويميز شارلز ليدبيتر بين نوعين من المعرفة، الضمنية والجلية، ليبين كيف يعمل نظام اقتصادي يقوم على المعرفة والأفكار، أي كيف تحول المعرفة إلى سلعة، وهذا يحول مفهوم الاستهلاك نفسه من فعل إلى علاقة، وتنشأ أيضا جمهورية جديدة قائمة على الاتجار بالمهارات والأفكار، يبدو وكأن كل شخص بإمكانه المساهمة فيها، إن التوصل إلى المعرفة عملية إنسانية وليست تقنية، وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه الصناعات الإبداعية.

ويقول ريتشارد فلوريدا إن التجارب تحل محل البضائع والخدمات لأنها تشحذ الإبداع وتدعم القدرات الإبداعية، ويرى في الخبرة مثيرا أساسيا للاقتصاد الإبداعي، إذ إنه يرى طريقا ذا اتجاهين بين المستهلك والمستثمر، لأننا نتصل بالاقتصاد عبر إبداعنا، ونحدد أنفسنا من ثم كـ"كائنات إبداعية"، فإننا نتبع أشكال تسلية وثقافة تعبر عن إبداعنا وتغذيه.

ويرى فلوريدا أن الإبداع نفسه نوع من النسخة المنقحة، والعامل الحاسم عنده هو أن تحويل الخبرة إلى سلعة يمكن أن يجعل الخبرة غير أصيلة ويحول الناس إلى عبيد لا حيلة لهم أمام المستحدثات.

ويرى توبي ميلر وزملاؤه ضرورة وجود نظرية للاستهلاك من منظور العمل، فالاستهلاك وليس الإنتاج هو المكان الحق لوضع مجموعة من حقوق العمل تتناسب مع الصناعات الإبداعية واقتصاد المعرفة، والاستهلاك ينشئ الملكية.

وهذه الملكية بحاجة لحماية مثل أي شكل آخر من أشكال الملكية، وتحتاج الفعاليات والمواطنة إلى الائتلاف حول حقوق المستهلك، فالعمل الذي ينجزه المستهلكون للمعرفة من المشاهدة والتشجيع والقراءة يضيف قيمة إلى السلعة الإبداعية، وممارسة الاستفتاء تحول إلى سلعة تباع للمعلنين.

ولذلك فإن هذه الممارسات التأليفية للمستهلك برأي ميلر وزملائه بحاجة إلى أن تكون أساسا لأشكال جديدة من السياسات الثقافية والسياسية والقانونية.

ممارسات ومشروعات إبداعية
يتحدث في هذا الجزء كل من براد هيزمان، الأستاذ بكلية الصناعات الإبداعبة بجامعة كوينزلاند، وإمبرتو إيكو، رئيس المدرسة العليا للدراسات الإنسانية بجامعة بولونيا، ومؤلف مجموعة من الروايات مثل "أرض أول أمس" ومجموعة من الكتب الأكاديمية، مثل "حدود التأويل"، وجانيت موري، مؤلفة كتاب "هاملت في مقاعد المتفرجين: مستقبل القص في الفضاء الإلكتروني" وكن روبنسون، الأستاذ بجامعة وورويك ببريطانيا ومؤلف كتاب "خارج عقولنا"، ولويجي ماراموتي، رئيس مجموعة ماكسمارا فاشن التي تتجاوز مبيعاتها السنوية الـ600 مليون جنية إسترليني، وتعد من أنحج وأشهر الماركات في عالم الموضة، وجين روسكو، رئيسة دراسات الشاشة بالمدرسة الأسترالية للفيلم والراديو والتلفزيون عن تأثير التغير الثقافي والاقتصادي والتقني في الممارسات الإبداعية للأفراد والجماعات، وكيف تتحول الصيغ التقليدية للفن والجمال لتفسح الطريق أمام بيئة ثقافية جديدة.

ويشمل تعبير الممارسات الإبداعية مجموعة كبيرة من الأنشطة التي تتقابل في حشد من المواقع وللعديد من الأغراض المختلفة، ويستخلص المؤلفون صفات محددة تميز الممارسة في الصناعات الإبداعية، وهي التفاعلية والتهجين، والامتداد إلى مواقع وأشكال جديدة من الإنتاج الثقافي، والاتجاه نحو تعددية الأنظمة ووسائل ترويج متقاطعة للتوزيع، وارتباط الإبداع بالتجارة.

إن الإبداع اليوم في أزمة بسبب التغيرات الاجتماعية والتقنية، وفي ندوة عقدت عام 1996 في واشنطن تحت عنوان "الإبداع الأميركي في خطر" شارك فيها علماء وفنانون لمواجهة القلق المتصاعد في كثير من مجالات التعليم والاقتصاد والمهن.

"
الحكومات تسعى الآن لتطوير نماذج لاقتصاد يقوم على المعرفة ويتضمن دورا ابتكاريا مجددا للدولة في وضع سياسات الصناعة في القرن الحادي والعشرين وتحديد أولويات الابتكار والمشروعات القائمة على الأبحاث والتطوير
"
وأكدت الندوة أن الإبداع صفة إنسانية أساسية يجب تنميتها في كل الناس، فحرية التعليم والإبداع والمغامرة والنجاح والفشل والتساؤل والنضال والنمو هي الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه الولايات المتحدة الأميركية، ونشر الإبداع بين كل الناس من كل المواقع والفئات الاقتصادية والأصول العرقية يمثل ضرورة للمصلحة العامة.

ويقدر جون هوكينز (1999) إجمالي الاقتصاد الإبداعي بـ 2.2 تريليون دولار، ومن المميزات الاقتصادية لهذه الصناعات الإبداعية أنها سلع تجربة، تعوز المشتري فيها المعلومات قبل الاستهلاك، ويستلهم المنتجون نشاطهم الإبداعي اعتمادا على أنشطة أكثر رتابة مثل المحاسبة والتسويق لإتاحة تلك الأنشطة اقتصاديا، وتحتاج إلى عمل جماعي وفرق إبداعية تتمتع بمهارات متنوعة، ويتنوع الإنتاج في أشكاله وتسويقه، وتحتاج إلى التنسيق بين أنشطة إبداعية متنوعة في مدى زمني قصير نسبيا ومحدد غالبا.

وهناك صناعات تعتمد على خدمات كثيفة الإبداع، مثل التصميم، وهو من أهم الصناعات الإبداعية تنوعا وديناميكية، وقد بلغ حجمه الاقتصادي عام 1999 حوالي 140 مليار دولار.

وكان ينمو في السنوات 1995–2000 بنسبة 21%، كما يعد التصميم مدخلا أساسيا في معظم منتجات وخدمات الاقتصاد الجديد، وإحدى الأدوات الأساسية المخولة للإبداع في اقتصاد الخدمات.

ويوضح تقرير التنافسية العالمية (2000/2001) للمنتدى الاقتصادي العالمي وجود ارتباط واضح بين كثافة التصميم في أنشطة المشروع وتطور المنتج، والتنافس الاقتصادي العريض.

ويشير بحث لبرايس هاوس كوبرز إلى أن أعلى المشروعات أداء ترى في التصميم أصلا إستراتيجيا، بينما تتراجع أهميته في المشروعات الأقل نجاحا.

وتمثل منتجات شركة نوكيا لأجهزة الاتصالات نموذجا يمكن دراسته للنجاح والإبداع، فهذه الشركة الفنلندية استطاعت التحول إلى لاعب كبير ومؤثر في الأسواق العالمية بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان وغرب أوروبا.

وقد كانت نوكيا أول شركة هواتف أدركت ضرورة الانتقال بالهاتف النقال من كونه جهاز اتصال إلى جهاز يناسب الحياة اليومية وأسلوب الحياة، وتحولت نوكيا إلى دار لتصميم الاتصال النقال لا مجرد موزع تجزئة للأجهزة اللاسلكية.

تسعى الحكومات الآن لتطوير نماذج لاقتصاد يقوم على المعرفة يتضمن دورا ابتكاريا مجددا للدولة في وضع سياسات الصناعة في القرن الحادي والعشرين، وتحديد أولويات الابتكار والمشروعات القائمة على الأبحاث والتطوير، وإعادة تدريب وتعليم السكان بكثافة، والتركيز على عولمة فوائد التواصلية عبر القضاء على الأمية في مجال المعلوماتية والاتصالات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة