الثورة العربية.. وبعد؟   
الأربعاء 3/10/1432 هـ - الموافق 31/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 11:42 (مكة المكرمة)، 8:42 (غرينتش)
عرض/ بوعلام رمضاني
 
تتجلى أهمية الكتاب في تجاوزه مستوى الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة أو الانتفاضة –كما يفضل البعض نعتها- في تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا، اعتمادا على تحليل نظري يقوم به أكاديميون، وانتهاجه أسلوب البحث الميداني واستنطاق وثائق نادرة ومئات الأرقام مكنت الفريق المؤلف من استشراف مستقبل الشعوب العربية التي تخلصت من بن علي ومبارك، والأخرى التي تقاوم البطش المستمر في ليبيا (قبل سقوط القذافي) اليمن وسوريا ،في الوقت الذي تستبق فيه دول مثل المغرب والجزائر والأردن والسعودية والبحرين حتمية التغيير والإصلاح مخافة ثوران شعبي جارف.
 
- الكتاب: الثورة العربية.. وبعد؟
- المؤلف: مجموعة من الباحثين
- عدد الصفحات: 127
- الناشر: لافو برس، سلسلة ملفات "أحداث". باريس 
- الطبعة: الأولى/2011      
وحسب رونيه شيش المشرف على الكتاب الصغير الحجم والكبير القيمة والأبعاد، فإن مد الثورة العربية سيطال كل الأنظمة العربية والإسلامية الأكثر انغلاقا وتعنتا، لأن الشعوب العربية مصرة جميعها على نيل نصيبها الكامل من الحرية والديمقراطية والحداثة والثروة الوطنية، مثلها مثل الشعوب الأوروبية التي أطاحت بأنظمة تعسفية وقمعية اعتبارا من مطلع الثمانينيات، وحطمت جدار برلين ووضعت حدا لحكم شمولي بغيض في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية.
 
وهذا ما أكده الكاتب الصحفي إدوي بلينال في حواره مع المؤرخ بنجامين ستورا في كتاب "89 العربي" الذي عرضته "الجزيرة نت" مباشرة بعد صدوره. 
 
أرقام وأسباب مرعبة
في الفصل الأول نقرأ أن أسباب الغضب التي أدت إلى اندلاع الثورة العربية تمثلت أساسا في كوكتيل غياب حرية التعبير والبؤس الاقتصادي والاجتماعي والحكم الدكتاتوري الفاسد، وتكمن خصوصية الثورة العربية الزاحفة في قدرة الشباب على صنعها متجاوزين المثقفين والمتدينين والعساكر الواعين بواقع انحراف السادة الحكام.
 
تواجه البلدان العربية المكونة من شقيها المغاربي والمشرقي مشكلة سكانية اليوم، حيث إن أكثر من 100 مليون نسمة تتراوح أعمارها ما بين 15 و29 عاما مقابل 67 مليون عام 1990، وهذه الشريحة الشبابية الطاغية سوسيولوجياً هي التي ما زالت فريسة نسبة بطالة مرعبة حرمتها من تكوين عائلة تحت سقف محترم يضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
 
في مصر 90% من العاطلين عن العمل تقل أعمارهم عن 30 عاما، وفي البلدان العربية الأخرى تتراوح نسب البطالة ما بين 20 و25% عند الشبان الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 عاما، وتتجاوز 40% في الجزائر، حسب تقرير التنمية البشرية العربية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية عام 2009.
 
"
تحويل مسار الخصخصة التي فرضتها المؤسسات الدولية على القطاع العام لصالح قادة أنظمة فاسدة كان سببا رئيسا في خلق جيل متعلم وعاطل عن العمل في آن واحد
"
ورغم التحسن العام -الذي عرفته البلدان العربية في مجال التعليم العام، كما أكده الباحث يان مانس- فإن نسبة مرعبة من التفاوت قد ميزت مختلف الشرائح الاجتماعية، الأمر الذي أحدث شرخا بين المناطق الريفية والحضرية، وكان تحويل مسار الخصخصة -التي فرضتها المؤسسات الدولية على القطاع العام لصالح قادة أنظمة فاسدة سياسيا واقتصاديا وأخلاقيا- سببا رئيسا في خلق جيل متعلم وعاطل عن العمل في آن واحد.
 
العالم العربي فشل في توفير فرص عمل لسكان معظمهم من الشباب الذين ما زالوا في حالة انتظار، كما أكدت ذلك دراسة "جيل الانتظار"، وهو العالم الذي صنع الشاب المتعلم محمد بوعزيزي وأرغمه على بيع الخضار والفواكه، وحرق نفسه تعبيرا عن يأس لا يطاق بعد تعرضه لضرب وبطش سلطة ظالمة وقامعة وفاسدة منعته من سد رمق عائلة فقيرة.

حكم الطغاة
حكم الطغاة واللصوص والمافيا كان مضمون الفصل الثاني الذي حفل بحقائق وصور قادة سقطوا في مزبلة تاريخ الفساد من أمثال بن علي ومبارك، في انتظار التحاق آخرين يترنحون تحت ضربات شعوب يختلفون في أسلوب وخصوصيات رفضهم للغبن العام، ومطالبتهم بواقع بديل لا توقفه آلة القهر والتنكيل والتهميش، كما جرى ويجري يوميا في بلدان حققت شعوبها الثورة غير المنتظرة، وفي أخرى يرتعد حكامها من فرضية وصول زحفها الموضوعي.
 
تضمن الفصل الثاني بطاقات تعريف بالطغاة العرب الذين سقطوا من أمثال بن علي ومبارك، والآخرين الذين يتاجرون بالقوى الأجنبية التي تعاملوا معها لتكريس حكمهم في وقت سابق وينددون بها اليوم، لأنها تتدخل في شؤونهم السياسية الداخلية كما قال العقيد القذافي المصر على البقاء في الحكم حتى الموت (قبل السقوط).
 
وإذا كان من حق أي مواطن عربي الاعتراض على التدخل الأجنبي، فإن كل الحكام العرب قد تعاملوا وما زالوا يتعاملون مع قوى غربية معروفة لأسباب تاريخية واقتصادية وجيوسياسية.
 
وتكمن مفارقة منطق الحكام العرب الطغاة في توظيفهم موضوع التدخل الأجنبي بمكيال مصلحتهم الشخصية والسياسية، وحفاظهم على عروشهم بإشهارهم سلاح المؤامرة الخارجية، كما سبق أن قال أنصار بن علي ومبارك وقال القذافي ويقول الأسد وصالح وقادة دول عربية، يلوحون بمبرر التدخل الأجنبي كلما طلعت أصوات شعبية تطالب بحقوق مهضومة تستغلها قوى أجنبية، كانت دائما تترصد الفرص لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية في دول عربية وإسلامية استعانت بنفس الأجنبي لفرض الدكتاتورية باسم محاربة الفكر الشمولي الشيوعي ثم "الإرهاب الإسلامي" في وقت سابق، خدمة لمصالحه الدائمة وتكريسا لمكيافيلية أبدية.
 
"
عوامل الفساد والقمع والحكم الفردي الاستبدادي تشكل حقيقة هؤلاء الحكام الطغاة بغض النظر عن خصوصيات هامشية وفرعية لا تنقص شيئا من أنظمة باتت مرفوضة شعبيا وليس دوليا بالضرورة 
"
وبرع الفريق المؤلف للكتاب الأول من نوعه منذ انطلاق قطار الثورات والانتفاضات العربية في التعريف بهويات القذافي ومبارك وبن علي والأسد وصالح على الصعيدين الشخصي والسياسي، وأجمع على أن عوامل الفساد والقمع والحكم الفردي الاستبدادي تشكل حقيقة هؤلاء الحكام الطغاة، بغض النظر عن خصوصيات هامشية وفرعية لا تنقص شيئا من أنظمة باتت مرفوضة شعبيا وليس دوليا بالضرورة.
 
وسكوت الأنظمة العربية المرتعدة من فرضية انفجار الشعب حيال التنكيل القائم في اليمن وسوريا وليبيا، مثل الجزائر والمغرب والأردن ودول خليجية أخرى، لا يفسر إلا بتواطؤ يبرره حكم قادتها الرافضين للديمقراطية والتغيير، أيضا خدمة لمصالح غرب يتحول إلى عدو حينما يضطر لمساندة شعوبها الثائرة مكرها، كما حدث في تونس ومصر ويحدث في ليبيا وسوريا.

ثورة فيسبوك وتفضيل الجزيرة
الحكام العرب الطغاة فشلوا هذه المرة في إخفاء قمعهم، والتقتيل المنهجي والمطموس الذي تعرضت له عدة شعوب عربية قبل ثورة الإنترنت لم يعد ممكنا، وهذه الشعوب المقهورة هي نفسها التي تعرض الجثث المفحمة والأجساد المشوهة والمسيرات الاحتجاجية المليونية بفضل تكنولوجيا تعادي كل أصناف التعتيم والكذب والتشويه.
 
وبفضلها استطاع وائل غنيم في مصر وشبان تونس واليمن وليبيا وسوريا والبحرين فضح الحكام الطغاة المتربعين على سلطة الفساد منذ أكثر من أربعين سنة من خلال فيسبوك وتويتر ويوتيوب وديلي موشن.
 
الرقابة الحكومية التي سادت لعقود باتت في حكم الماضي والسلطة التونسية التي حاولت التغطية على حادثة بوعزيزي الشهيد العربي الأول لم تتمكن من صد التجاوب الجماهيري مع صور تويتر بثها شاب مجهول قبل التقاطها ونشرها بواسطة سليم عمامو الذي أصبح لاحقا سكرتير دولة للشبيبة والرياضة.
 
ثوار الإنترنت -الذين فضلوا الجزيرة للتوسيع من رقعة تأثير صورهم على أوسع نطاق شعبي ممكن- حظوا بتكريم غير مسبوق في كتاب "الثورة العربية.. وبعد؟"، ومن بين الذين ساهموا في إسقاط بن علي ومبارك، سامي بن غربية وأحمد ماهر وهشام الميراث ومحمد نابوس.
 
"
الأجهزة البوليسية القمعية للطغاة أضحت عاجزة عن مواجهة تسونامي الثورات العربية الزاحفة والمستمرة رغم البطش والتنكيل
"
وعلق الخبير الإعلامي فيليب ميياد متحدثا عن دور الشبان العرب في دحر الحكام العرب الطغاة من خلال الحاسوب وأجهزة سمارتفون، مؤكدا أن أجهزة هؤلاء الحكام البوليسية القمعية قد أضحت عاجزة عن مواجهة تسونامي الثورات العربية الزاحفة والمستمرة رغم البطش والتنكيل، وفشلت في الوقوف ضد قرصنة مواقعها القهرية، وأنهى تعليقه مضيفا أن الإنترنت قد تحولت اليوم إلى خلاص لمواطني الدول العربية الدكتاتورية والديمقراطية على السواء، ودعا كل الثوار الرقميين إلى الاتحاد من أجل حرية مدنية كبيرة وكرامة إنسانية أكبر.

الحكم الديني مستبعد
في إطار استشرافه للمستقبل السياسي في الدول العربية التي تشهد ثورات مستمرة، راح الفريق الفكري والإعلامي المؤلف للكتاب يتحدث عن آفاق الوضع السياسي بعد إزاحة بن علي ومبارك وإمكانية التحاق القذافي (قبل السقوط) وصالح والأسد وآخرين بهم، لافتين النظر إلى حقيقة بروز قوى دينية قوية، لكنها عاجزة على الحكم وحدها مستقبلا.
 
وفي هذا السياق، تم الرد على فرضية توسع النفوذ الشيعي في البحرين وفي المملكة العربية السعودية المجاورة و"الممولة الأولى للإسلام السني"، واستبعد فريق الباحثين إمكانية ذلك بحكم أن نسبة الشيعة لا تتجاوز نسبة 10% في العالم مقابل 90% من السنة، ناهيك عن غيابهم في المغرب العربي وعزلة إيران المواجهة لاحتجاجات داخلية مستمرة منذ إعادة انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في يونيو/حزيران 2009، حسب خبير سياسي مقيم في الإمارات العربية لم يذكر اسمه، فضلا عن عدم تحرك شيعة العراق ولبنان.
 
وحسب مؤلفي الكتاب، فإن سيناريو وصول منظمات إسلامية إلى السلطة استبعد هو الآخر بحكم نجاح ثورتي تونس ومصر واندلاع أخرى بعيدا عن شعاراتها وفلسفتها السياسية، ورغم الحضور الإسلامي المنظم والقوي، فإن التيارات الإسلامية قد أصبحت فاقدة لمصداقية سياسية أكبر بسبب عدم تبلور مشاريعها واختلاف مشاربها، ووقوعها بين سندان توجهات أخرى لا تشاطرها الرؤية ومطرقة روح الإصلاح التي تقتضي تقاسم السلطة والقبول باللعبة الديمقراطية والخطاب الشبابي الجديد غير المؤسس على الحل الإسلامي الوحيد بالضرورة.
 
وبغض النظر عن خصوصيات الثورات العربية التي نجحت أو تلك التي تسير نحو تغيير أكيد بشكل أو بآخر، فإن مستقبل الدول العربية سيخضع لآفاق عسيرة وتدريجية تفرضها تجاذبات متعددة ناتجة عن معطيات داخلية وعالمية متفاعلة مع كل الحساسيات الوطنية التقليدية والحديثة في علاقتها بمصالح
قوى أجنبية سترافق التحولات الديمقراطية العربية المرتقبة لا محالة، وستلعب الأسرة الدولية بشقيها الأميركي والأوروبي دورا حاسما تجنبا لفوضى سياسية تكون مبررا لعودة أنظمة عسكرية واستبدادية جديدة.
 
"
بغض النظر عن خصوصيات الثورات العربية التي نجحت أو تلك التي تسير نحو تغيير أكيد بشكل أو بآخر، فإن مستقبل الدول العربية سيخضع لآفاق عسيرة وتدريجية تفرضها تجاذبات متعددة
"
ولا يوجد شيء يؤكد -حسب الفريق الباحث- أن السلطات العربية الجديدة سوف تقبل طريقة المساعدة الاقتصادية والمالية الغربية، وفي تصور المحلل دونيه بوشار الرئيس السابق لمعهد العالم العربي الديغولي النزعة فإنه "يجب التفكير بصفة عقلانية في الأسلوب الواجب انتهاجه مع الدول العربية في جدليتها مع تنوع سياسي وديمقراطي غير مسبوق".
 
إن فريق الباحثين الذي هلل للثورات العربية الناجحة والأخرى المتجهة نحو تغيير جديد، لم يشر من قريب أو من بعيد لفرضية محاولة الغرب نفسه إجهاض الثورات العربية بتشجيعه الفتن التي تضمن مصالح قوى أقرب إلى خطابه الأيديولوجي التقليدي الذي ميز الحقب السابقة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة