الحداثة المتقهقرة   
الخميس 1427/3/7 هـ - الموافق 6/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:25 (مكة المكرمة)، 13:25 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يسعى هذا الكتاب كما يصف المؤلف إلى حوار مع الثقافة العربية الحديثة متوجها إلى اسمين، طه حسين الذي ما زال على الرغم من الظلام المسيطر يعثر على قراء وتلاميذ، وأدونيس الذي يلقي بأسئلة متمردة كثيرة، متضحة متسقة حينا، وقليلة الوضوح والاتساق أحيانا أخرى.

والمقصود من هذا ليس العثور على الحقيقة، فلن يعثر عليها أحد، بل التعرف على بعض الطرق التي تفضي إلى بعض الحقيقة.

- الكتاب: الحداثة المتقهقرة
- المؤلف: فيصل دراج
- عدد الصفحات: 263
- الناشر: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله
- الطبعة: الأولى/2005

إشكال طه حسين
يتمثل إشكال طه حسين الإنسان المتمرد على التقاليد البائسة، في بحثه الصعب والشائك عن شرعية جديدة تواجه حصار شرعية أخرى مستقرة ومتجذرة.

ويشكل الانتقال من الواحد الساكن إلى المتعدد المتغير قوام منظوره إلى الحياة والمجتمع والتاريخ، فالاختلاف والتنوع كما في كتابه "حديث الأربعاء" ليس شيئا جديدا، وإنما هو شيء عرفه الإنسان منذ تحضر، ومنذ فكر.

فالإنسان عرف الديانات منذ تحضر، ومنذ فكر أيضا، فما استطاعت الديانات أن تقضي على اختلاف المذاهب، ولا استطاع اختلاف المذاهب أن يقضى على الديانات، وإنما الإنسان إنسان، فيه الخير والشر، وفيه الإيمان وفيه الإلحاد، وفيه الفضيلة وفيه الرذيلة، فيه الإباحية التي لا حد لها وفيه التحرج الشديد.

ويطالب وهو ينقد "سياسة السواد" بفصل الدين عن العلم، والدين عن عبث السياسة، وهو في منظوره هذا يتكئ على الاستقلال الذاتي للظواهر الاجتماعية والمعتقدات الدينية، والواضح في هذا التصور أنه يحاكي النموذج الأوروبي أو أنه اعتصم بمبدأ الحرية، وهو الفصل بين السلطات على مستوى الدولة، والفصل بين العلاقات الاجتماعية والانتماء المذهبي على مستوى المجتمع.

"
نموذج طه حسين هو التجربة الفرنسية، حيث الدولة القومية أنتجت ثقافة قومية، وحيث الأمة تعبير عن وحدة سياسية وثقافية في آن، لأن الدولة هي التي خلقت الأمة، وخلقت فرنسا نفسها، منذ الملوك إلى الثورة والجمهوريات المتعاقبة
"
فالفصل بين السلطات يتيح للدولة أن تأخذ بسياسات علمية وتربوية وثقافية طليقة، والفصل على المستوى المجتمعي شرط للحداثة الاجتماعية التي تقبل بالأحزاب السياسية والهيئات الاجتماعية والمراكز العلمية دون تحرج أو إعاقة.

ويصل حسين إلى العلمانية معتمدا ما يقول بمساواة البشر، فللإنسان مهما كانت عقيدته وجود نظير، ويرى أن الإسلام لا إكليروس فيه (سلطة دينية تملك تفسير الدين وترعاه)، وأن الحضارة الإسلامية معطى ثقافي ثمين.

إضافة إلى ذلك فإن علمانيته لا تشتق من صعود العلم ومعطيات المجتمع الصناعي، وهو حال العلمانية في شكلها الأوروبي، بل من ضرورة الحرية والتقدم.

ومثل حسين الذي رفع النقد الاجتماعي إلى المقام الأكثر وضوحا واتساقا، المثقف العربي الحديث الذي ولد متعثرا، في منتصف القرن التاسع عشر، وبسبب الولادة المتعثرة لا يتكئ حسين، في مجتمع مستعمر تسوده الأمية على طبقة أو طبقات أو فئات اجتماعية فاعلة، بل على الرهان والإرادة ونسق قلق من المثقفين، يتعرف بخطابه المستنير ولا يتعرف إلا صدفة بجمهور ينتظر الرسالة المستنيرة.

وفي سطور تحاور الزمن الآتي وتثق به ينهي طه حسين كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" مبشرا بمصر جديدة تظللها المعرفة ويداعبها الرخاء، بعد أن نصرها العقل ونصرته، وأقامت حياتها على عقل كوني حديث.

يعبر حسين عن مشروعه الثقافي في كتبه الشهيرة: الأدب الجاهلي، والدراسات الإسلامية، ومستقبل الثقافة في مصر مقدما ثلاثة وجوه للمشروع الثقافي، اجتماعي ينحو نحو التطور والاكتمال بحرية الفكر وتاريخيته، ومعالجة التراث بالفصل بين قراءة مستظهرة وقراءة فاعلة، والحداثة الاجتماعية.

وقد يكون كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" تتويجا لمشروع طه حسين الثقافي، فقد وضعه وهو في الخمسين من عمره، وقدم فيه إشكاليات وأسئلة تقوم على كيف تنشئ السلطة التقليدية مدرسة حديثة غاياتها تنقض التقليدي في السلطة والمجتمع؟

ولماذا تستولد السلطة الآمنة شعبا متعلما يبدد أمانها ويختلس منها بعض الأمان؟ من أين تولد الدولة التي تولد منها مدرسة جديدة تعطي المجتمع ولادة جديدة؟

يجيب طه حسين بأن ذلك يتأتى من العقل الإنساني الذي وزع على البشر بحظوظ متساوية، ومن التجارب الحضارية المتقدمة التي تقتبسها الشعوب المختلفة، بلا ضلال أو تحرج، بسبب وحدة الغايات والأهداف الإنسانية.

والنموذج المقترح علانية أو بشكل مستتر هو التجربة الفرنسية، حيث الدولة القومية أنتجت ثقافة قومية، وحيث الأمة تعبير عن وحدة سياسية وثقافية في آن، فوفقا للتراث الفرنسي، فإن الدولة هي التي خلقت الأمة، وخلقت فرنسا نفسها، منذ الملوك إلى الثورة والجمهوريات المتعاقبة.

"
الاتباعية توجه الذائقة العربية وتسود النظرة العربية للشعر، وهذه الاتباعية تشمل حقولا غير شعرية تتضمن الثقافة واللغة والسياسة والدين
"
إشكال أدونيس
ربما يكون أدونيس الصوت الأعلى تنديدا بالواقع العربي عامة وبالثقافة العربية خاصة، مؤكدا أن الثقافي يؤسس ما عداه، وأن النقد الثقافي مبتدأ ضروري لكل نقد محتمل.

يرفض الشاعر حاضرا عربيا يستمر فيه ماضيه ويرى في الزمنين باستثناء حالات هامشية نقضا للإبداع والمبدعين، كأن في الجوهر العربي ما ينفي الإبداع ويقاومه.

وعلى هذا فإن الواقع العربي لا يصلح إن صلح إلا بثقافة أخرى غير مسبوقة، تحتفي بالإبداع وتتحرر من الاتباع.

يقوم الخطاب الأدونيسي على تبادلية المعنى بين الكلمة والفعل، بعد أن يماهي العلاقتين بالخلق والإبداع، كأن يتحدث عن السياسة العظيمة والفكر العظيم، والسياسة التي إما أن تكون إبداعا ثقافيا أو لا تكون.

تساوي "الكلمة" في هذا الخطاب الخلق، ويصبح "الفعل" خلقا، لأنه كلمة أخرى، هكذا يعلن الخطاب عن مفارقته، لأنه يعطي الاحتجاج على الواقع العربي المعطل نبرته الأعلى من ناحية، ويعطل في الاحتجاج إمكانية تحققه من ناحية ثانية، لكونه غير قابل للتجريب ولا يأتلف مع التجربة اليومية المباشرة.

كافح أدونيس بجهد متواتر استثنائي يقترب من الفرادة كي يكون شاعرا مختلفا عن غيره، وكي يكون مخلصا للشعر الذي هو مرآته، وكافح بشكل مواز كي يكون مصلحا اجتماعيا حداثيا، يرى في الوجود قصيدة وفي البشر طلابا نجباء للشاعر وللشعر العظيم.

لكنه جاء بذلك "السر الشعري" الذي لا ضفاف له، الذي يحول الشاعر المصلح إلى سر، ويملأ الإصلاح المنشور بأسرار لا تنتهي، فـ"المتجذر المتفرد" لا يطمئن إلا إلى المتفردين في تجذرهم، وذلك في مجتمع عربي مأخوذ بـ"سلطة الإجماع" وفضائل الأغلبية، وهذا ما يجعل من الشعر مأساة ويحمل الشاعر المتفرد بمآس كثيرة.

وربما يكون أدونيس رائدا منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي في إشاعة مصطلح الحداثة، بعد أن أعطى الجزء الثالث من عمله "الثابت والمتحول" عنوانا محددا هو صدمة الحداثة.

يوحي العنوان وهو يشير إلى الواقع العربي بحداثة معاقة، فهو لا يتحدث عنها كمعطى داخلي بل كصدمة خارجية، تلزم المصطدم بأن يقترب من الظاهرة وأن يبتعد عنها في آن، ذلك أنه لم يذهب إليها طائعا، بل جاءت إليه على غير إرادة منه.

ووضعها القسري هذا يفصل بينها وبين الفعل السوي المفكر به ويجعلها رد فعل معطوبا ينطوي على الدهشة والعصاب معا.

لا غرابة والحال هذه أن تتوزع الحداثة العربية على مشاريع فردية أو جزئية، وأن تتعين دائما كحداثة مبتورة، تأخذ بأبعاد من الحداثة وتعرض عن أبعاد أخرى، وأن تعيد الحداثي المجزوء لاحقا إلى الحقل التقليدي.

وإذا كان طه حسين قد بدأ بنقد الشعر الجاهلي منتهيا إلى التشكيك في تاريخ الأدب مطالبا بإعادة كتابة هذا التاريخ، فإن أدونيس قد انطلق من تقليدية الشعر العربي المعاصر ليصل منها إلى ثقافة عربية تقليدية متقادمة هي أصل الوعي التقليدي في الحاضر والماضي معا.

وبعد أن قرأ الموروث الشعري العربي بيتا بيتا، وخرج من هذه القراءة بديوان الشعر العربي الذي يضم أجمل وأغنى ما كتبه الشعراء العرب منذ الجاهلية وحتى الحرب العالمية الأولى، اعتمادا على هذه القراءة انتهى إلى خلاصة مفادها أن الاتباعية توجه الذائقة العربية، وتسود النظرة العربية للشعر، ثم رصد هذه الاتباعية في كتابه "الثابت والمتحول" في حقول غير شعرية تتضمن الثقافة واللغة والسياسة والدين.

"
التمرد على عادات الفكر اليقيني التي تحول العادة إلى مقدس، والمثابرة القلقة المقلقة التي تنادي بعالم تحرر من عاداته المستبدة، هو ما يجمع بين طه حسين وأدونيس
"
بين طه حسين وأدونيس
ما الذي يجمع بين طه حسين الذي اطمأن إلى العقل مبكرا، وعرف ديكارت قبل أن يلتقي به، وبين أدونيس الشاعر الذي يرى العالم كله بمنظور شعري؟

من الواضح أنه التمرد على عادات الفكر اليقيني التي تحول العادة إلى مقدس، والمثابرة القلقة المقلقة التي تنادي بعالم تحرر من عاداته المستبدة.

طه حسين مؤرخ الأدب الذي شاء أن يؤرخ لغير الأدب، والناقد الأدبي الذي نقد مجتمع النص قبل النص، والأستاذ الجامعي الذي رأى في إصلاح الجامعة إصلاحا للمجتمع كله، فكان رجل سياسة يعمل في حقل الثقافة ورجل ثقافة يطمح إلى بناء سياسة جديدة، وأدونيس الذي واجه النزعات السياسية والأيديولوجية اليمينية واليسارية في الخمسينيات والستينيات بالتمرد، ووجدها تقدم لغة واحدة.

تكونت تجربة طه حسين عبر الأزهر وفرنسا التي شكلت رؤيته باتجاه ضرورة إصلاح هذه المؤسسة وإعادة تأسيسها، وثورة 1919 التي ظهرت كما لو كانت تحرر الحاضر من قيود الماضي، وكما لو كانت تطلق المجتمع المصري باتجاه المستقبل، وثورة 1952 وتجربة جمال عبد الناصر.

وواقع الأمر أن أدونيس رغم دعوته الصادقة إلى الحداثة فإنه ينغلق في إشكالية تراثية عنوانها الأكبر كيف نحارب التراث بالتراث نفسه؟ وكيف نتحرر من التراث اعتمادا على التراث التحرري القديم؟

فيمكن العثور على إسلام حداثي بجانب الإسلام السلطوي الذي انتهى (مقابل دعوة طه حسين إلى الخروج من علاقة الدين بالدولة والاندراج في الأزمنة الحديثة منظورا وقيما وسياسة وثقافة).

ولهذا يستطيع أدونيس العودة إلى النص القرآني باحثا عن آفاق الكتابة معتقدا بتزامن الإبداع الذي لا يحتاج إلى تاريخ، مما يجعل الفكر العربي يتحرر من القرآن، وهو ما فعله في كتابه "الكتاب".

وبهذا المعنى يكون أدونيس قد أنجز فكرتين أساسيتين، تقول الأولى منهما يجب تحرير الفكر العربي من التقليد، وتقول ثانيهما إن سطوة التقليد لا تقاوم ولا سبيل إلى كسرها.

ينظر طه حسين إلى المستقبل مؤمنا بالزمن العالمي متحررا من التراث، وينظر أدونيس إلى زمن الأصل القديم مكتفيا بزمن الإبداع الذي لا يشيخ، أو بزمن الإبداع الذي لا زمن له.

فمشروع طه حسين جماعي، سياسي واجتماعي، ومشروع أدونيس خاص بالأفراد المبدعين الذين يقفون فوق الأمة ويسبقونها، ويطلبون منها أن تقتفي آثارهم للوصول إلى ديار الإبداع، مؤكدين بلا توقف أن الأمة كلها معادية للإبداع، وأن سيطرة الاتباع الكاسحة تجعل من الإبداع شيئا لا يرى.

ما الذي تبقى من حداثة طه حسين اليوم؟ يتبقى منه ربما مشروعه كله ويأسه الصريح، لأن هذا المشروع لم يتحقق في الماضي ولا يبدو قابلا للتحقق اليوم.

يمكن القول إن طه حسين ترك منهجا في العمل الثقافي يتلخص في الاقتراب العقلاني الشجاع من الأسئلة الممنوعة التي تعيد اكتشاف التاريخ العربي– الإسلامي بعيدا عن الأسطرة والبلاغة والتمجيد الذاتي الفارغ، وربط السياسة بالارتقاء الاجتماعي الكلي لا بالأحزاب السياسية التي تعطل أحيانا الفكر السياسي وتلغي السياسة، والتحرر من الغيبيات والتربية التقليدية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة