جيل الشباب في الوطن العربي   
الخميس 20/7/1434 هـ - الموافق 30/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:40 (مكة المكرمة)، 10:40 (غرينتش)

عرض/ حسين عبد العزيز

يتناول الكتاب دور الشباب في إطلاق وتحريك الثورات العربية عبر تجاوز المكوِّنات السياسية والحزبية التقليدية في بعض البلدان العربية. ويسعى إلى التعرف على العلاقة بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي، وقدرة الشباب العربي على فرض نفسه وأفكاره وقيمه وآلياته على الواقع.

الشباب المصري بين الالتفاف على النظام القمعي ومواجهته
بدأ الفضاء الإلكتروني في الانتشار عام 2000 في ظل حالة التعاطف مع الانتفاضة الفلسطينية بالتنامي في أوساط الشباب، فبدأ استخدام المجموعات البريدية ومنتديات الإنترنت للتحاور، لتبدأ بعدها ظاهرة التدوين في الانتشار. ومع تأسيس حركة كفاية عام 2005 انتشرت المدونات السياسية أكثر، لكن بظهور الفيسبوك والتويتر قطعت الوسائل غير التقليدية في التعبير والمشاركة مساحات واسعة، ولذلك يركز هذا الفصل على دور الفيسبوك، ولا سيما صفحة "كلنا خالد سعيد" التي بلغ عدد الأعضاء فيها نحو مليوني شخص.

- العنوان: جيل الشباب في الوطن العربي ووسائل المشاركة غير
التقليدية.. من المجال الافتراضي إلى الثورة
- المؤلف: مجموعة مؤلفين
- إشراف: محمد العجاتي
- عدد الصفحات: 287
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2013

تأسست الصفحة في أعقاب وفاة الشاب الإسكندراني خالد محمد سعيد جراء التعذيب على يد مخبريْ شرطة أرادا تفتيشه بموجب قانون الطوارئ، وأثار موته احتجاجات كبيرة، وأدت الصفحة التي تم تأسيسها باسمه دورا كبيرا في التعبئة الجماهيرية، ودورا مباشرا في كسر الرسائل المضللة والمنحازة إلى نظام مبارك، فكانت تبث صورا وحالات شخصية ومقاطع فيديو مباشرة من الميدان خلال الأيام الثمانية عشر قبل سقوط مبارك.

من ناحية أخرى، تبنت الصفحة مبادرات للتغلب على مشكلات الفتنة الطائفية، ولم يقتصر دورها -حسب المؤلف- على الفضاء الإلكتروني، بل كانت تضع قدما في العالم الافتراضي وأخرى في عالم الواقع. ومن هذه المبادرات تعليق الأعلام المصرية بين الكنائس والمساجد القريبة جغرافيا في الأحياء المصرية.

سوريا بين المعارضة التقليدية والقوى الشبابية الثورية
مع بدء الحراك الاحتجاجي في سوريا، بدا شباب الثورة وحيدين في الميدان مع غياب المعارضة التقليدية عن المشهد السياسي والميداني، ومن هنا حاول الشباب تشكيل إطار سياسي للناشطين الشباب غير المسيسين بالأساس، وقد أدى الحوار إلى تشكيل لاعب جديد على الساحة السياسية السورية.. إنها لجان التنسيق المحلية.

تتكون التنسيقية -يقول المؤلف- من عدد من المتطوعين الذين يتقاسمون العمل بحسب مهاراتهم، بدءا من الاسم الذي سيطلق على مظاهرات الجمعة، وكتابة اللافتات وتحضير الشعارات، وانتهاء بتنظيم عمليات التصوير ونقلها إلى وسائل الإعلام.

غير أن عمل لجان التنسيق لم يكن مقتصرا على العمليات الإجرائية هذه، بل حاول أن يتصدر المشهد السياسي في ظل غياب المعارضة التقليدية، ففي 22/4/2011 أصدرت لجان التنسيق بيانا أكدت فيه على ضرورة وقف النظام للقتل والاعتقال والتعذيب، وتقديم اعتذار رسمي بهذا الخصوص، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، وحل الأجهزة الأمنية الحالية.

استقطبت اللجان بعد بلورة رؤيتها أعدادا متزايدة من الناشطين، وكانت حمص في هذا المجال نقطة التحول الأساسية على أكثر من صعيد، فمن جانب كان المشاركون في الحراك الثوري من مختلف الفئات والطبقات المجتمعية، ومن جانب آخر كان أهالي حمص أول من حاول إقامة اعتصام في ساحة مركزية وسط المدينة، وهو ما نقل الصراع من مستوى المظاهرات إلى مستوى الاعتصام الذي سيعني -لو نجح- البدء بإعداد برامج سياسية واختيار ممثلين عن الساحة.

لعب الفيسبوك دورا أساسيا في الثورة السورية، ليس فقط في نقل المعلومات وصور عمليات القتل، بل في تسمية أيام الجمع، ومن هنا لجأت السلطات إلى عملية خنق للموقع بحيث يصعب فتحه

لكن طرأ عاملان جديدان: الأول تمثل في دخول حماة ودير الزور على الخط، حيث تحولت المدينتان إلى مركزين كبيرين للانتفاضة، كما دخلت إدلب وريفها على الخط، وشهدت كفرنبل مظاهرات سلمية في حين شهدت مناطق أخرى مواجهات مسلحة، وبدأ في يوليو/تموز يُطرح سؤال مهم عن سلمية الثورة، وكانت لجان التنسيق تمتلك الكثير من الشجاعة للإصرار على السلمية، واتخذت من الآية 28 من سورة المائدة شعارا لها على الفيسبوك "لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديَ إليك لأقتلك".

لقد استغلت التنسيقيات وسائل الاتصال الجديدة بحيث تحول الفيسبوك والتويتر إلى إدمان لدى كل الشباب الثوري، حيث لعب الفيسبوك دورا أساسيا ليس فقط في نقل المعلومات وصور عمليات القتل، بل في تسمية أيام الجمع، ومن هنا لجأت السلطات إلى عملية خنق للموقع بحيث يصعب فتحه.

على أن أهم وسيلة اتصال استخدمها السوريون هي السكايب الذي أدى دورا هاما في العملية الإعلامية، ثم كان للهاتف المحمول دوره الهام أيضا، فقد كان عبارة عن أدة سريعة لتوثيق ما يجري على الأرض ونقله إلى العالم.

وقد اكتسب الناشطون خبرات هائلة في مجال تقنية التصوير والاتصال، مستعينين بمختصين متعاطفين مع قضيتهم، ومع كل ذلك -يؤكد المؤلف- أن الفعل الحقيقي لم يكن على الساحة الافتراضية، بل في ساحات درعا وحمص وحماة ودير الزور وشوارع دمشق واللاذقية ودوما وبانياس وعامودا.. إلخ.
    
البحرين والشبكات الاجتماعية والتغيير
يسعى هذا الفصل إلى تسليط الضوء على الوسائل التقنية الجديدة للمشاركة في الحياة السياسية البحرينية، فكان أول استخدام سياسي للإنترنت عام 1997 مع الناشط السياسي محمد السهلاوي، ثم مع المدون التقني علي عبد الإمام الذي أسس أول منتدى بحريني تحت اسم "بحرين أون لاين"، وسرعان ما تحول المنتدى مع غيره من المنتديات إلى مرآة لتطور الوعي السياسي لدى كثير من الشباب.

وفي عام 2004 بدأ الشباب البحريني يتوجه نحو المدونات، وكانت السياسة والدين الجانبين الأقوى حضورا في موضوعاتها، وقد لعبت المدونات دورا بارزا في قيادة جزء كبير من حركة الشارع وتوجيهها.

غير أن التحول النوعي كان مع ظهور الفيسبوك بسبب سرعة توصيل المعلومات والأفكار من خلاله، وهو ما جعله منبرا للمناقشات السياسية والدينية والثقافية.

ومع الفيسبوك تم تجاوز حالات الفرد وأخباره، وانتقل إلى حالات المجتمع وأخباره، ومن خلاله تم إنشاء صفحة "ثورة 14 فبراير" التي حددت هذا التاريخ موعدا لبدء الاعتصامات السلمية للمطالبة بإلغاء دستور عام 2002 وتكوين مجلس تأسيسي لصياغة دستور تعاقدي، وإطلاق الأسرى السياسيين. ثم نشأت صفحات ثورية أخرى، تبعتها صفحات موالية للنظام الحاكم التي عملت على تشويه الحركة الاحتجاجية.

لقد استطاعت هذه الوسائل غير التقليدية تسريع عمليات التشبيك والتربيط والحشد بين المعارضة المطالبة بالإصلاح, كما استطاعت تغيير مطالب بعض المعارضين ومواقفهم.

المغرب.. معادلة المجال الافتراضي والمجال الواقعي
يؤكد مؤلف هذا الفصل على أهمية وسائل الاتصال الحديثة في فهم الحراك السياسي بالمغرب، حيث مكنت هذه الوسائل من إيصال فكرة الاحتجاج عبر تمكين الأفراد من فضاءات موسعة وتعددية لممارسة حرية افتراضية.

وقد عمل النظام الاقتصادي على الترويج لهذه الوسائل، وهو ما أدى إلى دمقرطة ملحوظة عملت على خلق فضاء افتراضي، يتيح تجاوز القيود المفروضة داخل الفضاء الاجتماعي، من قبيل الرقابة والتابوهات واللغة المحنطة.

وقد أدى ذلك إلى تنامي ظاهرة لجوء الشباب إلى استعمال الهواتف النقالة لتصوير وفضح الخروقات التي تقترفها السلطة، ولعل أبرز تجربة تمت قبل بداية حراك 20 فبراير/شباط، تجربة شخص مجهول صوّر رجال شرطة في حالة تلبس وهم يتلقون الرشى من سائقي السيارات، وتم نشرها على صفحات الفيسبوك وعلى اليوتيوب.

سرعان ما تحولت وسائل الاتصال الحديثة إلى أداة للتعبئة السياسية، وكانت حركة 20 فبراير أول حركة اجتماعية احتجاجية سلمية شكلت انتقالا واضحا في هذا الصدد

غير أن أدوات الاتصال الحديثة هذه سرعان ما تحولت إلى أداة للتعبئة السياسية، وكانت حركة "20 فبراير" أول حركة اجتماعية احتجاجية سلمية شكلت انتقالا واضحا من الاحتجاج الاجتماعي القطاعي إلى التعبير عن المطلب السياسي العام والشمولي.

لم تكتسب هذه الحركة -حسب المؤلف- رهان وجودها الفعلي إلا عبر النزول إلى الشارع، وتمكنها من حشد دعم الفاعلين المدنيين والسياسيين، والتحاق المواطنين بالمسيرات التي دعت إليها. كما أن حراك جزء من الشارع المغربي لم يأت نتيجة للتواصل الافتراضي فقط، بل جاء بعد تلاق للمجال الافتراضي والواقعي معا.

غير أن المؤلف يقف هنا عند مسألة في غاية الأهمية، وهي أن استعمال المجال الافتراضي لا يشكل دائما ضمانا لنجاح الفعل السياسي، فحركة 20 فبراير رغم تمكنها عبر الشبكات الاجتماعية من التواصل والتوحد حول مطالب محددة في البداية، اصطدمت في تطورها الميداني بواقع تعددها وتناقضاتها وعدم تجانسها الحقيقي، كما اصطدمت بواقع تجاذب موازين القوى داخل المجتمع. ولعل من أهم مظاهر ذلك، بروز بوادر ضعف الحركة من خلال عدم قدرتها على التعبئة الواسعة، حيث أظهر الواقع أن إمكانيات التعبئة عموما ظلت محدودة مقارنة بثورتي تونس ومصر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة