الإعلام.. حرية في انهيار   
الجمعة 20/3/1431 هـ - الموافق 5/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:02 (مكة المكرمة)، 13:02 (غرينتش)

خاص/الجزيرة نت

إن الإجابة عن التساؤل حول وجود أو جدوى فعل الرقابة على وسائل الإعلام والاتصال يجب أن تبدأ بمعالجة تساؤل أكبر وأعمق دلالة: هل الرقابة هي العقدة الواصلة بين مفهوم السلطة ومحتوى المعرفة؟ وهل فحص الأصول المنهجية في تحديد إطار الحق في الكلام والتعبير, يقودنا إلى إدراك معنى فعل الإعاقة في مواجهة رغبة الإفاضة في شحذ الأدوات النقدية وتطوير أسس الاختلاف في المفاهيم والدلالات؟.

ومليا فإن كلمة الرقابة, وهي إصلاح فكري وعملي واسع وعام, قد استخدمت في القانون والعلوم الاجتماعية منذ حقب زمنية موغلة في القدم وتذكرنا بمقولات أفلاطون وسقراط, ومفكري عصر النهضة والتنوير, عندما أضحى الدفاع عن الفكر يستحق الموت في سبيلها, أما اليوم فإنها تعكس مزيجا من العناصر والمعوقات المتصلة بمعنى السوق والعولمة والهيمنة, فهي أحيانا كوابح وممنوعات وأخرى محرمات وآثام, وثالثة باعتبارها قمعا وإقصاءً وإخفاءً.. وغالبا هي القوة المانعة لمحاولات تجاوز الخطوط الحمر في أكثر من ميدان.

وفي كتابه "الإعلام.. حرية في انهيار" يقدم الباحث الإعلامي الدكتور صباح ياسين، الجانب الآخر من بحث منهجي كان قد بدأه قبل عامين عن حرية الإعلام في كتاب "الإعلام: النسق القيمي وهيمنة القوة"، ويقدم اعترافا بمعنى المواصلة في البحث في أصول معنى الحرية في الاتصال والدفاع عن حرية الكلمة، وما يواجه تلك الحرية من إقصاء وقمع قديما وحديثا، بل إن أساليب القمع قد تفاقمت اليوم لتشكل تهديدا لحرية الإنسان بأسرها.

- الكتاب: الإعلام.. حرية في انهيار
- المؤلف: د. صباح ياسين
- عدد الصفحات: 159
- الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر, بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2010

وفي كتابه يقدم المؤلف قراءة مستفيضة لمعنى الحرية بالمعني التاريخي لتطورها, وبالدلالة الفكرية لاستخدامها, والارتباط الناجز بين غاية الحرية وسياق تفعيلها عبر ما اتفقت الإنسانية على تكريسه وإنجازه ليمثل إطارا لسياج ضامن لتطور الأداء الإنساني الخلاق في الأفكار والمبادئ, وهي الدساتير والقوانين الضامنة لحق التعبير والمدافعة عن معنى التواصل دون قيود وموانع, ولذا فإن الباحث يشير إلى أن ميدان الإعلام والاتصال هو من أكثر الموضوعات في التاريخ الإنساني التي شهدت إشكالية في إطار بناء مفهوم الحرية الفردية والحرية العامة.

فالاعتقاد بوجود حقوق أو حريات طبيعية أو أساسية لم يعد وحده كافيا لضمان الحرية بمعناها التطبيقي, إذ لابد من تنظيم تشريعي يؤمن الالتزام بالاحترام المتبادل بين حرية الفكر والحق في الإفصاح والتعبير.

ولذا فإن مقدمة الكتاب تفتح حوارا واسعا حول مناخ الحرية بشكل عام وأبعاد الحرية الفكرية وعلاقتها بحرية المجتمع، وصولا إلى معنى حرية القول في مواجهة الإقصاء والإلغاء, ثم كامل الحق في ممارسة الحرية ذاتها.. وعبر بوابة البحث في العلاقة بين مفهوم الحرية بشكل عام.

وتدخل في هذا المفهوم العام حرية التعبير والرأي، التي ينتقل الباحث ياسين إلى مناقشة تلازمية مفهومها ودلالة استخدام الإطار العملي المانع والمعطل لها، وهذه الجدلية لم تتوقف يوما عن التفاعل. والشاهد المتوفر هو تطور أساليب الرقابة الحالية التي تتنوع وتتشكل في صياغات ربما أكثر من تلك التي شهدها التاريخ عبر استخدام السيف أو حرق الكتب، وربما حرق الكاتب مع مؤلفاته.

ويعرض الكتاب فكرة الإفلات من قيد الرقابة, ويشير إلى أن جاذبية التخلص من الموانع والمحددات تنمي دوما الإحساس بالمقارنة من أجل الانعتاق وتخفيف آثار العمل السلبي المانع لحرية الرأي، وفي الواقع فإن هذا الصراع لن يتوقف, بل سيأخذ في كل حقبة زمنية شكلا ونوعا مختلفا, فالمسافة ليست بعيدة بين أولى التشريعات والقوانين التي تم وضعها في طريق إبداء الرأي وحرية التعبير وبين ما يحدث الآن، فالذين استبشروا خيرا بإنجازات التقنية الفائقة السرعة والقدرة على التواصل وانتشار الإنترنت, لم يكونوا يتوقعون إمكانية إطلاق حزمة من أبشع أنواع الرقابة على تلك الوسيلة, بل ومنعها عبر أساليب الاختطاف أو التشويه أو المنع المباشر.

الاستيلاء على الإعلام
ورغم كل ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المواثيق الدولية والعربية الراعية والحامية لحرية الرأي والتعبير, والحق في الوصول إلى المعلومة ونشر الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين عبر أي وسيلة, ودونما اعتبار للحدود الجغرافية.

"
إذا كانت الحكومات قد استخدمت مبدأ القانون في إطار ضيق وباتجاه ممارسة حق فرض الجزاء والعقوبة, فإن الأثر الذي سوف تتركه ممارسة التشديد على مساحة الحرية, سيقود إلى عودة صيغة الرقيب كما عرفته الصحافة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين
"
رغم كل ذلك فإن هنالك سلسلة من المعطلات والمحددات يمكن أن ترافق عملية الانتشار باتجاه أن تبني سياجا يصعب اجتيازه، وقد أدى ذلك إلى التباس كبير في فهم وممارسة معنى الحرية داخل منظومة الإعلام، ذلك أن كلمة "حرية" أو حرية التعبير الواردة في ثنايا القوانين تعطي انطباعا بأهمية تشكيل التزام يتطابق مع ماهية حرية التعبير, ولذلك يظهر جليا أن التعارض بين وعي الحرية ووجود القيد الذي يساق تحت عباءة الخوف على الفرد والمجتمع, هو في الواقع جزء من عملية مقصودة تعزز الرقابة على وسائل الإعلام، إذ في الوقت الذي تحرص فيه القوانين والأنظمة المتخصصة في قضايا الحريات الأساسية ومنها حرية الفكر والتعبير، فإن التقييد القانوني لتلك الحرية يخرج من حدود دائرة تنظيم تلك الحرية إلى دائرة القمع المباشر، رغم الادعاء بأن تلك القيود هي ضوابط أخلاقية وقيمية سبق أن اتفق عليها المجتمع لضمان عدم الاستخدام السلبي لمعطى القيمة أو فكرتها الأساسية وباتجاه حماية المجتمع أو الفرد، إلا أن الواقع يشي بأمر مختلف تماما.

وعمليا فإننا نرى اليوم, ومن خلال نماذج حية نشاهدها على شاشة التلفاز بشكل مباشر، كيف أن نقطة التوازن المفترضة قد غابت تماما، وأن الأمر أصبح خارج السيطرة، وأضحت هنالك رغبة جامحة من أطراف عدة في ممارسة حق وضع القيد مباشرة على حرية التعبير. ولما كانت الحكومات -أو في تخولها لمثل تلك الإجراءات- قد استخدمت مبدأ القانون في إطار ضيق وباتجاه ممارسة حق فرض الجزاء والعقوبة, فإن الأثر الذي سوف تتركه ممارسة التشديد على مساحة الحرية, سيقود إلى عودة صيغة الرقيب كما عرفته الصحافة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

توطين الخوف ومقاومة الهيمنة
وتشير المنظمات الدولية التي نشأت للدفاع عن الحريات ومنها الحريات الصحفية إلى الإجراءات والقرارات التي أقدمت عليها العديد من الدول لتشديد الرقابة على عمل الإعلاميين تحت حجج وذرائع مختلفة حتى أضحى الصحفي، سواء المراسل أو المصور، هدفا مباشرا للقمع، وعلى سبيل المثال فإن القميص الذي يرتديه المراسل الإعلامي ويحمل كلمة صحافة يمثل علامة ترشحه لأن يكون هدفا محتملا للقتل والاعتقال، لأن القائمين على الحرب في تلك المواقع لا يرغبون في وجود الإعلام أو الشهود على أفعال الحرب ونتائجها.

ولم يعد الأمر متصلا بممارسة السلطة أو الحق في حرية الرأي والتعبير، بل إن سياسة الإخفاء والإقصاء قد اتسع مداها، وقد قدمت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2008-2009) نموذجا عن سياسة ممارسة الإقصاء والمنع المباشرة، فقد أقدمت السلطات الإسرائيلية على منع جميع وسائل الإعلام الأجنبية من دخول قطاع غزة وسمحت فقط لفرق ووسائل الإعلام بنصب كاميراتها على بعد بضعة كيلومترات من حدود القطاع داخل المناطق المسيطر عليها من قبل القوات الإسرائيلية، وكان على أولئك المراسلين أن يفتحوا عدسات كاميراتهم باتجاه وميض الانفجارات المتوالية الناتجة عن قصف الطائرات الإسرائيلية للأحياء السكنية في غزة، دون تمكنهم من الوصول إلى موقع الحدث، وتسجيل جريمة الإبادة البشرية للسكان المدنيين العزل في المدينة، ليكونوا شهودا على تفاصيل الحرب وجرائمها.

معايير مزدوجة
"
تطور فعل الحجب والرقابة المسبقة خارج حدود مناطق الصراع، وأضحت الدول منفردة أو مجتمعة تسعى لوضع صياغات قانونية وتشريعات تسوغ لها التدخل في الرقابة المسبقة أو اللاحقة
"
ومن مقولة المعلم كونفوشيوس "إن التملق هو أن تعبد آلهة ليست إلهتك، وألا تعمل عندما تأمرك العدالة بذلك، فهذا هو الجبن بعينه"، يعرض المؤلف جانبا آخر من أساليب خرق وتعطيل حرية الإعلام, إنه نموذج التلاعب المقصود بالحقائق، وذلك عندما تصور الحرب باعتبارها عملا جميلا مقدسا، وأن لها ما يبررها، وبشكل خاص استخدام كل الأسلحة المتاحة، وضمنها الأسلحة المحرمة دوليا، ونسير نحوها ونحن نحمل مشاعل مضيئة باحتفالية تدعو إلى التفاؤل باعتبارها دفاعا عن النفس!!

ثم هناك التلاعب باللغة: هل هناك مفارقة بين كلمة حرية واحتلال، أو أن تقدم ضحايا الحرب باعتبارهم قناديل بدم الحرية المنشود، إذ ليس علينا اليوم إلا أن نعود لتصفح البيانات التي صدرت عن إسرائيل أو عن الولايات المتحدة الأميركية، في إطار المبررات التي تم تقديمها لتدمير غزة وقتل سكانها.

ولقد تطور فعل الحجب والرقابة المسبقة خارج حدود مناطق الصراع، وأضحت الدول منفردة أو مجتمعة تسعى لوضع صياغات قانونية وتشريعات تسوغ لها التدخل في الرقابة المسبقة أو اللاحقة، وهكذا نرى في وثيقة تنظيم البث الفضائي التي خرجت من إطار عمل وزراء الإعلام العرب (القاهرة فبراير/شباط 2008) اقتراحا بإنشاء مفوضية لمراقبة الفضائيات العربية، تقدم تقريرها بصفة منتظمة إلى الوزراء للبت فيها، واتخاذ الإجراءات اللازمة، وهذه الصيغة تعيد عمليا تأسيس دوائر الرقابة على المطبوعات والمصنفات مجددا، ولكن بصيغة أخرى، وذات طابع قومي، وبشرعية مستمدة من نظام عمل ومشروعية جامعة الدول العربية.

وعمليا فإن ثمة معايير مزدوجة نباشرها اليوم داخل الوطن العربي بشكل خاص، وفي الكثير من دول العالم، إذ إن مفهوم إعادة إنتاج الرقابة المسبقة يتم تأسيسه وسط غابة من القوانين والتشريعات الوطنية التي تتفاخر برعايتها وحمايتها لحرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات والوصول إليها بحرية، ولكن الأمر الميداني يشير إلى غير ذلك، فقد أضحت حرية الإعلام مهددة بأوامر "قومية" عليا، وبإجماع معلن يصلت عليها سيفا قاطعا تصعب مقاومته.

استمرار المواجهة
ويقود المؤلف الدكتور صباح ياسين في كتابه "الإعلام.. حرية في انهيار" إلى تأكيد جملة من الحقائق التي تشير في مجملها إلى أن حرية التعبير قد كسبت طيلة القرن التاسع عشر والقرن العشرين الكثير من الامتيازات والحماية التي وضعتها في إطار "مقدس" وشبه حتمي في مسار التفاعل الإنساني مع قضية الحرية بأسرها، ولكن هنالك خسائر في جانب آخر تهدد تلك المكاسب، بل إنها أحدثت شرخا في ذلك الجدار، وإن هجمة يمكن أن نصفها بأنها متواصلة وشرسة تستهدف تلك المكاسب وتحاول أن تعيد الإعلام إلى المربع الأول, وأن تحكم منافذه وتخنق إمكانيته في المواجهة وفضح الاستبداد والفساد، وفي الدفاع عن القضايا العادلة.

"
 كسبت حرية التعبير طيلة القرن التاسع عشر والقرن العشرين الكثير من الامتيازات والحماية التي وضعتها في إطار "مقدس" ولكن هنالك خسائر في جانب آخر تهدد تلك المكاسب وتحاول إعادة الإعلام إلى المربع الأول
"

ومع ذلك فإن الحرب من أجل الحرية, وحرية القول والرأي والمعرفة لن تتوقف، وسيكون هنالك المزيد من المواجهات بين الأطراف, ولكنها حرب ستقود في النتيجة إلى معطيات تصب في جوهر قضية الحرية وبما يعززها ويطورها ويسهم في تفعيلها لخدمة الإنسان وتقدمه.

وأخيرا فإن امتياز هذا الكتاب يأتي في الوقت الذي تشتد فيه المعركة بين حرية الإعلام وأعداء تلك الحرية، ويكفي أن نعيش هذه الأيام حلقة جديدة من الهجوم الواسع الذي يحشد ضد القنوات الفضائية العربية التي تفضح الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين والاحتلال الأميركي للعراق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة