سطور مستقيمة بأحرف متعرجة   
الخميس 1428/7/26 هـ - الموافق 9/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:42 (مكة المكرمة)، 11:42 (غرينتش)
عرض/زياد منى
هذا الكتاب بعنوانه المثير والدال، ليس مؤلفًا متخصصًا من خلال عنوانه بالمعنى التقليدي للكلمة، ذلك أنه يضم مجموعة من المقالات والمحاضرات، المنشورة من قبل وغير المنشورة، العائدة للمؤلف عبر سنوات عديدة تمتد من عام 1993 إلى 2004.

وقد قدم له المفكر اللبناني المعروف رضوان السيد بالقول: إن دراسات الدكتور طارق متري المجموعة في هذا الكتاب، لا تأتي حساسيّتها ومسؤوليّتها العالية من قراءاتها الاستطلاعية لمصائر المسيحيّين والمسيحية في المشرق وحسب، بل ومن فهمها العميق وغير المتفجّع للمتغيّرات الصاعقة التي نالت من المسيحيّين ومن المسلمين في هذه المنطقة من العالم، منطقة الوجود التاريخيّ الأوّل لأكثر المسيحيّات المعاصرة.

مسيحيو المشرق والإسلام تجربة ملهمة
يرصد المؤلف عبر مجموعة من المقالات المتخصصة في أغلبها، حركة التعايش الإسلامي-المسيحي عبر قرون، ويستخلص منها منطلقات هادية لحل معضلات هذا التعايش في أيامنا هذه، على المستويين الإقليمي (المسلمون-مسيحيو الشرق) و(الإسلام والغرب - المسيحي)، أو حوار الحضارات وصراعها.

-الكتاب: سطور مستقيمة بأحرف متعرجة
-المؤلف: طارق متري
-عدد الصفحات: 260
-الناشر: جامعة البلمند، دار النهار، لبنان
-الطبعة: الأولى/2007
والكاتب ليس شخصية خاصة، مع أنه مارس منذ عام 1979 التدريس الجامعي في لبنان وسويسرا والولايات المتحدة، وعمل في مؤسسات ذات علاقة بموضوع المؤلف مثل مجلس الكنائس العالمي في جنيف، حيث كان مسؤولاً فيه بين عامي 1991 و2005 عن العلاقات المسيحية-الإسلامية. وعمل كذلك في مجلس كنائس الشرق الأوسط بين عامي 1984 و1991، كما إنه من مؤسسي اللقاء اللبناني للحوار، والفريق العربي للحوار الإسلامي-المسيحي.

ويشغل في الوقت الحالي منصب وزير الثقافة في الحكومة اللبنانية، الأمر الذي يلقي عليه محظورات نابعة من موقعه الوزاري.

إن تباعد الفترات التي نشرت فيها مختلف المقالات وعددها 13 والتي تراوحت بين مقالات صحفية محضة، ومقالات لدوريات متخصصة ومحاضرات دراسية، أثر في تفاوت لغة الكتاب وأهدافه بطريقة يصعب معها حصر المراجعة ضمن تسلسل الكتاب نفسه.

يتناول الكتاب بالبحث والتحليل مجموعة من المواد ذات الاهتمام الخاص، وتتناول بعض المقالات موضوعات لبنانية مثل "وعي الذات عند الأرثوذكس في لبنان المعاصر، حدود الفوارق واللبنانية المستعادة، والإمام محمد مهدي شمس الدين، وصايا لأهل الحوار اللبناني"، وهو ما يضفي عليها خاصية قد لا تهم إلا المتعاطي بالشأن اللبناني على نحو مباشر، وبالمشكلة الطائفية فيه، من دون نفي كونها موجهة إلى الرأي العام في ذلك البلد.

ومن هذا المنطلق فإننا سنركز في قراءتنا لهذا الكتاب على النقاط التي نرى أنها تهم كل قارئ يتفاعل على نحو مستمر مع المشاكل الكبرى التي تواجه العرب، مسيحيين ومسلمين، في عالم دائم الحركة والتفاعل، مع كل ما يحملانه من أخطار المواجهة والصدام الحقيقي.

"
مقاصد الحوار بين الأديان ليست إقناع الآخر بصحة ديانته ابتغاء "هدايته"، بل إيجاد لغة تعامل ونوعية علاقة تتسم بالديمومة، فلا تتغير بانتفاء الحاجة الظرفية المباشرة إليها
"
إن نظرات طارق متري ليست في الماضي وعنه، بل في «الحضور الحاضر»، الحضور المسيحي العربي وإشكالاته ومشكلاته في القرن العشرين، مع إطلالات تاريخية على تطورات الماضي بما يعين على فهم ما يحدث في الحاضر.

ومن هذا المنظور فإننا نرى أن القسم الأكبر حجمًا، "المسيحيون الشرقيون والإسلام" و"القراءة في تاريخ الأفكار والمشاعر والمواقف" هو الأكثر أهمية وإثارة، حيث يظهرالمؤلف عمق معارفه العلمية التاريخية، وكيفية استخدامها في قراءة الماضي بما يساعد على خلق ظروف مستقبلية أفضل لطرفي الحوار.

كما إنه يشكل في ظننا، لب الكتاب ومرجعية ما يحويه من معلومات تساهم في استطلاع المستقبل، بما يحمله من عناصر إثارة ومفاجأة.

وقد طرح الكاتب مجموعة من العناوين الدالة التي يمكن أن تشكل المادة الأساس لكتابه، والتي نرى في استعراض أهمها تلخيصًا وفيًا للمؤلف.
 


قواعد الحوار البناء
الحوار في ظن الكتاب غير السجال، فهو غير مهووس بتوكيد الذات وطلب التفوق، بل إنه محاولة للوصول معًا إلى مقاربة مشتركة للحقيقة. والحوار غير المسايرة، بمعنى أنه ليس بحثًا عن الاتفاق بأي ثمن كان.

أما شروط الحوار كما يراها المؤلف فهي:
  • النزاهة الفكرية، أي: الاطلاع المتبادل على تراث الآخر من مصادره.
  •  حذر الوقوع في فخ الكيل بمكيالين.
  •  أهمية تحرير الحوار من موازين القوى السياسية والعددية.
  •  التمييز بين الديني والسياسي.
ويسجل الكاتب وجود اعتراضات على الحوار يلخصها في أربع نقاط هي:
  • تأكيد أولوية "حوار الحياة" على حوار الأفكار.
  • الحوار قد يكون ملاطفة على حساب الحقيقة.
  • الحوار تبشير مقنع.
  • الحوار سذاجة.
وهذا ما يجعله يؤكد أن مقاصد الحوار ليست إقناع الآخر بصحة ديانته ابتغاء "هدايته"، بل إيجاد لغة تعامل ونوعية علاقة تتسم بالديمومة، فلا تتغير بانتفاء الحاجة الظرفية المباشرة إليها.

وهو ارتضاء أن يسأل الشريك شريكه في احترام متبادل للقناعات، وقبول في الوقت نفسه باحتمال الخطأ في ما يذهب إليه كل منهما.

وذلك يفتح مساحة تدع الآخر يفسر ذاته، ويستقبل الآخر مفسرًا نفسه بنفسه. وحتى لا يكون الحوار سذاجة، فإنه يفترض نوعًا من الشك المنهجي، من غيرأن يؤدي ذلك إلى زعزعة الإيمان.

وحتى لا يكون سعيا للتلفيق، فإنه يتطلب إقرارًا بنسبية القول البشري، بما فيه اللاهوتي.

ويلاحظ المؤلف أن الحوار لا يقوم بين الأديان، بل بين المؤمنين الملتزمين، كل من جهته، طاعة لله من داخل تراثه الديني، والساعين إلى التحرر من كل اضطراب آت من جراح التاريخ ومن نواقص التفسير.
"
دور المسيحيين الشرقيين قد تعدى مجرد النقل والوساطة الثقافية، حيث اقتضت المرحلة التكوينية في الحضارة العربية الإسلامية مساهمة المسيحيين في بناء نظام مجتمعي ثقافي يستند بالطبع إلى الإسلام
"


وتفادي أخطار فرض فهم نمطي على الحوار، يستدعي بالضرورة احترام آخرية الآخر، على أن لا تحسب المغايرة الدينية مغايرة في كل شيء.

وفي نهاية المطاف، فليس في الحوار إذا ما أراده المؤمنون تطلعًا إلى لقاء وجداني، استيعاب أحد لأحد.

ومن الأمور المهمة التي رأى المؤلِّف ضرورة الانتباه إليها، والتي تؤثر في مسيرة الحوار لا محالة وكيفية النظر إلى الذات والآخر،
التجربة التاريخية لمسيحيي الشرق حيث يسجل أن المسيحيين شعروا في العهد الأموي بالطمأنينة، ما عدا بعض الاستثناءات المحدودة.

ومع أنهم شعروا ببعض التدني في المنزلة الاجتماعية، فلا يسجل المؤرخون انزعاجًا لديهم واسع النطاق.

وكذلك التفاعل بين المسيحيين والمسلمين في المشرق العربي أدى إلى تداخل عززته المودة التي أوصى بها القرآن الكريم، مع شوق إلى الاطلاع وقابلية لأخذ المعارف بما قاد إلى قيام حركة تبادل أفكار وحوار.

ثم إن دور المسيحيين الشرقيين قد تعدى مجرد النقل (الوساطة الثقافية) حيث اقتضت المرحلة التكوينية في الحضارة العربية-الإسلامية مساهمة المسيحيين في بناء نظام مجتمعي ثقافي يستند، بالطبع على الإسلام.

وهذا يعني أن إنجازات الحضارة العربية-الإسلامية مدينة للمسيحيين الشرقيين في معرض مواجهتهم لتحديات التقدم والتوسع.

ولتأكيد ذلك يذكر المؤلف شخصيات مسيحية عديدة ساهمت بكتاباتها المهمة في ذلك التفاعل ومنها ثيودوروس أبو قرة أسقف حرّان، والبطريرك النسطوري طيموثاوس الجثاليق، وحبيب بن خدمة أبو رائطة التكريتي، وأبو زكريا يحيى بن عدي، ويوحنا الدمشقي (منصور بن سرجون)، وغيرهم.

ومن الأمور الأخرى المثيرة التي يتعرض لها المؤلف، مساءلة الفكرة النمطية عن ارتفاع مقدار مساهمة الأرثوذكس في الحركة القومية العربية مطلع القرن الماضي والتقليل من مساهمة الموارنة فيها بل عدائهم لها، ويعطي أمثلة ملموسة تثبت عكس ذلك وعدم صحة هذا التقسيم النمطي.

وحدة المصير
يلخص طارق متري مضمون الكتاب بالقول إن هذا الكتاب مجموعة دراسات، يتناول بعض منها مسائل دقيقة جدًا شغلت بال المسيحيين في المنطقة العربية، والمسلمين أيضًا في علاقتهم بهم.

لكن الكتاب يحاول القول إن مصير المسيحيين في هذه المنطقة غير منفصل عن المسلمين، ويحاول كذلك النظر إلى المشكلات، كمشكلة هجرة المسيحيين في فلسطين والعراق ولبنان التي تكاد تكون مأسوية، لكنه ينظر إليها من دون تفجع أو خوف بل بعقلانية، لان الخوف والتفجع يستعجلان تحقيق ما نخاف منه.

وكما قلنا في البداية، من الصعب حصر موضوعات هذا الكتاب، لكننا نجحنا في ظننا في عرض أهم جوانبه، ألا وهي الحوار وشروط إنجازه ونجاحه، والتي صاغها المؤلف اعتمادًا على تجربته العلمية والعملية، مستخدمين مفرداته هو.

ويكتسب المؤلف أهمية من منظور كاتبه وموقعه التفاعلي في الحوار الإسلامي المسيحي، ويعد في ظننا مرجعًا من المهم لكل مساهم في التفاعل الثقافي القومي والعالمي الاطلاع عليه.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة