السير على قدم واحدة   
الجمعة 6/3/1434 هـ - الموافق 18/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:55 (مكة المكرمة)، 11:55 (غرينتش)

عرض / حسين عبد العزيز

تركز تفاصيل الكتاب على النظام السياسي في سوريا ونمط ممارسة السلطة طوال السنوات الماضية، مترافقة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع السوري لا سيما ما بعد عام 2005، كما يخصص المؤلف فصلا لبحث قضية لم تلق اهتماما كافيا لدى كثير من الكتاب والباحثين، وهي مسألة الهوية الوطنية السورية وتطورها.

الدولة والمجتمع
افتقرت نخبة السلطة في العهد البعثي إلى وعي وطني متماسك، فقد كانت نخبة رثة، وأسهم غياب تقاليد وطنية بحكم حداثة الكيان واضطراب تاريخه الحديث في تصدر هذه النخبة الرثة للحياة السياسية، ورويدا رويدا حلت الشخصنة محل النخبة وغُيب الشعب عن الحياة السياسية.

-الكتاب: السير على قدم واحدة
-المؤلف: ياسين الحاج صالح
-عدد الصفحات: 319
-الناشر: دار الآداب, لبنان
-الطبعة: الأولى/ 2012

ويستشهد المؤلف على ذلك بالانقسام الحاصل داخل المجتمع السوري، فالأكراد يخافون من العرب الحاكمين، ويرتاب العرب بنيات الأكراد، ويخاف المسيحيون من المسلمين، ويرتاب المسلمون بالمسيحيين، ويخاف السنيون من قوة العلويين، ويرتاب العلويون من رغبة السنة في الإطاحة بموقع العلويين وإعادتهم إلى زمن الفقر والهامشية.

ويؤكد المؤلف أن أزمة الثقة هذه ليست ناجمة عن التعدد الإثني والديني والمذهبي للمجتمع السوري، بقدر ما هي ثمرة التنظيم الاجتماعي السياسي المفرط الأحادي الجانب من قبل السلطة.

قبل العهد البعثي عرفت سوريا حياة سياسية ديمقراطية متقطعة وإن كانت محصورة في شرائح ضيقة، وفي العهد البعثي عرفت البلاد ديمقراطية اجتماعية واسعة نسبيا في ظل تسلطية متفاقمة، وهذا تناقض أول في عملية بناء الأمة، ويتمثل تناقض ثان في أن العملية افتقرت إلى الوعي الذاتي.

توسع التعليم، لكنه كان يظهر ملامح تلقين عقيدي ضيق، ولم تعد ثمة حواجز طبقية تمنع الدخول إلى الجيش، لكنه غدا جيشا عقائديا، ما لبث أن عانى من تطهيرات على أسس غير مهنية، أما المجتمع المفرط بالحيوية فقد عانى التضييق منذ تسلم البعث السلطة، وانطلقت عملية تحطيم ما بقي منه في وقت مبكر من حكم حافظ الأسد.

ويرى المؤلف أن سوريا بلد يعرف نفسه بلغة المواجهة والصمود لا بلغة الاقتصاد والمجتمع، بلد فيه كثير من الدولة وقليل من المجتمع، فالأمن هو كل شيء غير أن المؤلف يذهب إلى الاعتقاد أن ثمة غيابا لمفهوم الأمن الوطني لدى النظام، ويؤكد المؤلف أن من شأن وضوح العقيدة الأمنية أن يمنح المواطنين قدرة على التنبؤ بسلوك الفاعلين الأمنيين ومعرفة للخطوط الحمر التي يحسن تجنبها، وهو نقيض ما تصبو إليه فلسفة الأمن السورية.

في نقد الثقافة السياسية
تهديد، خطر، مؤامرة، عدو، مواجهة، انتهاك، صمود، نضال، خيانة .. هذه بعض الكلمات الأشيع في الثقافة السياسية السورية، وهي تكفي بحسب المؤلف لجعل الثقافة هذه قليلة الترحاب بالمطالب الديمقراطية التي تطل على مناخ ذهني مختلف: تسوية، تفاوض، حوار، سياسة، منافسة، خلاف، والفارق الجوهري بين سلسلتي المدركات هاتين أن الأولى تحيل إلى كيان جمعي كبير (الأمة) كإطار ناظم للتفكير، فيما تحيل السلسلة الثانية إلى أفراد، مواطنين، وأطراف سياسية.

والحال أن التهديد والخطر والعدوان والحرب، وقائع حقيقية في الحياة السياسية السورية والمشرقية منذ نشأ الكيان الإسرائيلي، وما يفعله النظام هو أنه يعممها ويحذف كل شيء عداها، فتبدو سوريا في حالة مواجهة دائمة مع أعداء متربصين ولا شيء آخر، لأن تعميم حالة الحرب بحسب المؤلف مناسبة لحفظ نمط ممارسة السلطة المبني على الانفراد والاستئثار بالحكم.

وهكذا تطل الثقافة السياسية السورية على أفقين: أفق الصراع مع إسرائيل وأفق بنية النظام، وهما معا أفقان معمران، يسبغان على سوريا نكهتها القومية الخاصة، نكهة الصمود في لغة، وانسداد الآفاق في لغة أخرى، وأصل الانسداد أن النظام نجح في نقل منطق الصراع الأول إلى المجال الثاني، على ما تشهد عليه حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية المخيمة على البلاد منذ عقود.

وبناء على ذلك سيفرض منطق السيادة الوطنية الواحد تعريفا حتى على القضايا السياسية المحلية، حيث التعدد والاختلاف، وسيبدو كل اعتراض سياسي انتهاكا للسيادة، ومن الطبيعي عندها أن يغدو المعارض خائنا، ويكون قمع المعارضين واعتقالهم واجبا وطنيا.

إن تمركز السلطة حول نفسها وخلودها الذاتي هو ما يقوض صوغ إستراتيجية وطنية في سوريا، وهو ما يفسر الانسدادات المتواترة التي تواجه البلاد منذ عام 1963.

الليبرالية الاقتصادية سياسة الجيل البعثي الثالث
يزداد الاقتصاد السوري ليبرالية في غياب رقابة اجتماعية مستقلة، ودون اهتمام بتكون قطاعات إنتاجية ريادية تنشط الاقتصاد المحلي، والمستفيدين من اللبرلة الاقتصادية هم كبار المنتفعين من الاقتصاد البيروقراطي الأوامري أو الاشتراكي المتراجع، من ذلك تدهور مستوى الخدمات العامة في قطاع الصحة مع ارتفاع كلفتها في القطاع الخاص، وتراجع مستوى التعليم بشكل ملحوظ.

الجيل البعثي الثالث، برز في تسعينيات القرن المنصرم، إنه جيل الأبناء الذي لم يؤسس مشروعا ولا بنى سلطة، ويجد منفذا لمواهبه في الاقتصاد، مستفيدا من أموال أحرزها الآباء زمن الاشتراكية

يتساءل المؤلف: كيف نفسر التحول المطرد نحو الليبرالية الاقتصادية؟ يميز الكتاب بين ثلاثة أجيال بعثية: جيل المؤسسين وكانوا ضحايا مبكرين للبعث الحاكم واكتمل إقصاؤهم عام 1966 مثل ميشيل عفلق وأكرم حوراني وصلاح الدين البيطار، وجيل ثان وهو جيل بعثي السلطة، أبرز رموزه حافظ الأسد. لكن من هذا الجيل أيضا صلاح جديد ونور الدين الأتاسي وحكمت الشهابي وعبد الحليم خدام وغازي كنعان، والأخيران رمزان لمصير هذا الجيل.

أما الجيل الثالث، فقد برز في تسعينيات القرن المنصرم، إنه جيل الأبناء الذي لم يؤسس مشروعا ولا بنى سلطة، ويجد منفذا لمواهبه في الاقتصاد، مستفيدا من أموال أحرزها الآباء زمن الاشتراكية، إنه الجيل الذي يجني الأرباح الأكبر من الليبرالية الاقتصادية، فألمع نجوم الاقتصاد في سوريا هم من هذا الجيل.

بصورة إجمالية، ثمة لوحة مرقشة فيها تسلطية سياسية مع ليبرالية اقتصادية ومع محافظة اجتماعية تأخذ شكلين: شكل متعلق بهياكل الاقتصاد البيروقراطي ونمط حياته وهي نزعة بعثيين وعسكريين وموظفين متوسطين غير مستفيدين من اللبرلة، والشكل الاجتماعي الثاني للنزعة المحافظة مرتبط بالدين، وهو ارتكاس الطبقة الوسطى المستقلة.

أما مظاهر التهميش والإفقار المتفاقمة فنجدها في الأرياف وضواحي المدن الأفقر، ولا تثير رد فعل محافظ، بل تثير ردين متناقضين، الأول رد ثوري جهادي يجتذب شبانا صغارا للانخراط في مجموعات سلفية، ورد فعل عبر التوجه نحو قطاعات الاقتصاد غير المنظم، من تلميع للأحذية وبيع الجوارب أو السجائر في الشوارع إلى التهريب والقوادة.

تأملات في أحوال الهوية الوطنية
كان لتمادي عهد الرئيس حافظ الأسد عقودا ثلاثة مفعولان متعارضان على الكيانية السورية، فمن جهة ارتكزت أيديولوجية النظام المشرعة على العقيدة القومية التي تنكر شرعية الكيان السوري لمصلحة كيان عربي موسع، ومن جهة ثانية وفر الدوام ذلك استقرارا وتماسكا للكيان السوري وجعل منه ركيزة تماه مستقل نسبيا ونمى ألفة السوريين به وبرموزه، وكان يحد من ذلك أن الرمز الأكبر لسوريا هو رئيسها نفسه أكثر من العقيدة القومية ذاتها.

كانت الهوية العربية في الصيغة القومية البعثية تتعرض للتآكل بفعل افتقارها إلى آليات تماه فعالة تخدمها وتغذيها، وبالمقابل كان التماهي بالكيان السوري ضعيفا بسبب تكوين النظام وتمحوره حول رئيسه، ولذلك لم تتكون هوية سورية واضحة المعالم، يمكن ربط العروبة القومية بالوحدة العربية واسترجاع فلسطين، ولكن بما يمكن ربط سوريا غير كونها ركيزة حكم رئيسها، ليست هناك قيم واضحة في هذا المجال غير تلك التي تتصل بتفاني قلب العروبة النابض في دوره الإقليمي.. التوظيف الإيجابي ينصرف إما إلى العروبة المفرطة التجريد، أو إلى الرئيس المفرط التشخص.

لم تجر منذ تسلم حافظ الأسد الحكم انقلابات تمس العمق الرمزي لاتجاه البلاد السياسي والأيديولوجي، كما لم يحدث ما ينال من استمرارية الكيان واستقرار عالمه السيميائي، ومع ذلك تتكون هوية وولاء سوريين متمايزين عن النظام، ويمكن الاستناد إليهما من أجل نشوء وطنية سورية استيعابية وديمقراطية، وهذا يعني بحسب المؤلف أن مسألة الاهتمام بالهوية يجب ألا يغفل إصلاح النظام السياسي بشكل عميق بعد تشوه التمثيل المعرفي والسياسي للمجتمع، وإصلاح التمثيل السياسي يتطلب التصالح مع واقع المجتمع السوري وتطوير تمثيلات معرفية أكثر مطابقة لواقعه الاجتماعي والتاريخي.

لإطالة أمد الانتفاضة السورية تأثير متناقض على المجتمع السوري، فمن جهة فرصة لا نظير لها للتعلم السياسي وحيازة معرفة أوسع, لكنها من جهة أخرى ترفع الكلفة الإنسانية

وبعد عقود من الاستبداد، سوريا اليوم مريضة مستنزفة، قد يمكن وصف الانتفاضة السورية بأنها انتفاضة المجتمع اللامرئي ضد هياكل سلطة وثروة تحرمه وتضطهده سياسيا وتحتقره ثقافيا، وبالمقابل يظهر المجتمع المرئي أو الذي يحتكر الرؤية والكلام نزعات فاشية حيال هؤلاء اللامرئيين، فيسترخص حياتهم ويبيدهم سياسيا، وينكر عليهم أي قضية.

إن لإطالة أمد الانتفاضة السورية تأثيرا متناقضا على المجتمع السوري، فمن جهة فرصة لا نظير لها للتعلم السياسي وحيازة معرفة أوسع عن الشؤون العامة للبلد، لكنها من جهة أخرى ترفع الكلفة الإنسانية لما تصبو إليه نسبة متزايدة من السوريين من تغيير سياسي.

تجمع الانتفاضة الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وتجتذب شركاء من الطبقة الوسطى المتعلمة والمهنية، وتخاطب أطيافا جهوية وثقافية ودينية ومذهبية متنوعة، وهي بذلك أقرب شيء إلى عامية سورية، تجمع من السوريين ما لم يجتمع يوما عددا ونسبة ووعيا بالوحدة.

والانتفاضة السورية طابع طبقي قد يكون أقوى مما ظهر في الانتفاضات العربية الأخرى، فهي تفجرت بينما تجري في البلاد أوسع عملية لتحويل الثورة العمومية لمصلحة خواص فاسدين مقربين من الطغمة الحاكمة، والانتفاضة استهدفت باحتجاجاتها هؤلاء مرموزا لهم برامي مخلوف، إنها ثورة مجتمع العمل في وجه مجتمع الامتيازات والسلطة الامتيازية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة