التقرير الإستراتيجي الفلسطيني لسنة 2005   
الثلاثاء 1427/5/17 هـ - الموافق 13/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)

عرض/ أمل عيتاني
أطلق مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات مشروعه الجديد في مجال البحث الأكاديمي بإصداره التقرير الإستراتيجي الفلسطيني لسنة 2005، وهو تقرير شامل وتخصصي في الوقت نفسه، يغطي مختلف الشؤون الفلسطينية، من السياسة إلى العلاقات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى معالجة وتحليل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية/السكانية والتعليمية تحليلاً علمياً موثقاً بالمعلومات والإحصاءات، ومدعماً بما يزيد عن 60 جدولاً ورسماً بيانياً.


- الكتاب: التقرير الإستراتيجي الفلسطيني لسنة 2005
- تحرير: د.محسن محمد صالح، ود.بشير موسى نافع
- عدد الصفحات: 282
- الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
- توزيع: الدار العربية للعلوم، بيروت، ونيل وفرات دوت كوم
- الطبعة: الأولى 2006

ويقع التقرير في 282 صفحة من القطع الكبير، وهو مقسم إلى ثمانية فصول شارك في كتابتها ثمانية أساتذة متخصصين هم الدكاترة: بشير نافع ومحسن صالح وأحمد سعيد نوفل وعمرو سعداوي ورائد نعيرات وسلمان أبو ستة ومحمد مقداد وإبراهيم أبو جابر. وشارك في مراجعته عدد من الأساتذة أمثال أ.د.أنيس الصايغ وأ.د.عبد الوهاب المسيري وأ.منير شفيق، وذيّل التقرير بملحق يشتمل على مجموعة من الوثائق السياسية.

وينبئ الجهد المبذول في هذا المشروع مع ما يتمتع به من دقة ومراعاة للمنهجية العلمية الأكاديمية الحيادية، بإمكانية أن يصبح في المستقبل مرجعاً علمياً ومشروعاً موازياً للتقرير الإستراتيجي العربي الذي يصدره مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، مع فارق تخصصه بالساحة الفلسطينية.

التغيير والبحث عن الإجماع
جاء الفصل الأول من التقرير بعنوان "الوضع الفلسطيني الداخلي.. التغيير والبحث عن الإجماع"، ويذكر أن "السمة الرئيسية للوضع الفلسطيني الداخلي خلال هذا العام الطويل كانت التوجه نحو استكشاف خيارات جديدة للعمل الوطني، والبحث المطرد عن الوحدة والإجماع". ويتطرق فيه إلى أبرز التطورات التي طبعت المشهد الفلسطيني الداخلي، مثل التشقق الذي حدث داخل حركة فتح، وانهيار الإجماع الوطني عليها، والذي رأى أنه يعود إلى "حالة انهيار الإجماع الوطني الناجمة عن اتفاقات أوسلو، وإلى الآثار الفادحة التي تركتها مؤسسة السلطة على بنية التنظيم الفلسطيني الحاكم، إلى جانب أسباب أخرى تتعلق بخطها السياسي، وعدم تحقيق أية إنجازات على الأرض، حتى أن العام 2005 لم يشهد إطلاق مسيرة المفاوضات".

"
بإعطاء حماس أغلبية ملموسة في المجلس التشريعي أظهر الفلسطينيون رغبة واضحة في البحث عن خيارات جديدة للعمل الوطني غير خيار أوسلو ومتعلقاته, وعن مرجعية إسلامية ذات برنامج ممانعة ومقاومة
"
كما شهد العام انتقال الرئاسة الفلسطينية من ياسر عرفات إلى محمود عباس أي من زعيم تاريخي كبير إلى رئيس عادي أقل وزناً وكاريزما، وهو ما يسهّل نقده ومحاسبته. ثم يتطرق الفصل إلى فشل الرئيس الفلسطيني في توحيد الساحة السياسية بل وفي توحيد فتح نفسها.

ويناقش الفصل الانسحاب من غزة وتأثيره على المشهد الفلسطيني الداخلي، كما يتطرق إلى الانتخابات التشريعية والبلدية وما حملته من دلالات هامة على الساحة الفلسطينية، معتبراً أنه "بإعطاء حماس أغلبية ملموسة في المجلس التشريعي أظهر الفلسطينيون رغبة واضحة في البحث عن خيارات جديدة للعمل الوطني غير خيار أوسلو ومتعلقاته.

كما أظهروا الارتباط الوثيق بين تحولات الساحة الفلسطينية والتوجه المتزايد للشعوب العربية والإسلامية نحو موضعة السياسة ضمن مرجعية إسلامية ذات برنامج ممانعة ومقاومة".

المشهد الفلسطيني الإسرائيلي
في هذا الفصل من التقرير تمّ تقديم صورة عامة مدعمة بالأرقام والبيانات عن المشهد الإسرائيلي الداخلي وانعكاساته على الوضع الفلسطيني، فتطرق إلى الوضع السكاني والاقتصادي والعسكري ثم انتقل إلى المشهد السياسي والعلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، فاعتبر أن الانسحاب من قطاع غزة وإنشاء حزب كاديما بقيادة شارون كانا أبرز حدثين في المشهد السياسي الإسرائيلي للعام 2005.

وتحدّث بالتفصيل والأرقام عن الإجراءات القمعية للاحتلال بما في ذلك الاغتيالات والانتهاكات ومصادرة الأراضي والاعتقالات والجدار العازل، ورأى أنه "لم تُظهر سنة 2005 أية استعدادات إسرائيلية رسمية للدخول في تسوية سلمية مع الفلسطينيين والعرب وفق المبادرات العربية، ولا وفق قرارات الشرعية الدولية".

وفضلت إسرائيل استخدام نغمة "غياب الشريك الفلسطيني" حتى تتمكن من فرض تصوراتها وشروطها، وتنشئ حقائق جديدة على الأرض.

وأضاف أن التغيرات الحزبية الإسرائيلية وتبنّي أغلبية كبيرة للفصل أحادي الجانب والانسحاب من قطاع غزة، قد عبّرت عن أزمة المشروع الصهيوني وفشل إستراتيجية الإخضاع التي يمارسها في مواجهة الشعب الفلسطيني وانتفاضته وتطلعاته، ومحاولة التعامل معها بأقل قدر من الخسائر.

وهي أزمة مرشحة للتصاعد إذا ما استمر الطرف الفلسطيني في الإصرار على حقوقه المشروعة، مع تفعيل الأدوار العربية والإسلامية والإنسانية.

"
ليس ثمة آمال كبيرة في إحداث تحولات سريعة في المواقف العربية في المستقبل القريب تجاه القضية الفلسطينية، غير أن حالة الحراك الشعبي قد توفر بارقة أملٍ في دفع الأنظمة العربية لتحمّل مسؤولياتها بشكل أكثر فاعلية
"
القضية الفلسطينية والعالم العربي

تحدث هذا الفصل عن المواقف العربية من القضية الفلسطينية، وخاصة موقف القمة العربية والمبادرة السعودية، ثم تطرق إلى مواقف دول الطوق من القضية الفلسطينية ومن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ومن التطورات في مجال التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، وقارن بين الموقف العربي الرسمي والموقف العربي الشعبي وتوجهاته.

فرأى أن العام 2005 لم يختلف كثيرا بالنسبة للموقف العربي من القضية الفلسطينية عن السنوات السابقة، حيث ظلّت حالة العجز والتشتت والانغلاق نحو الخصوصية المحلية هي الحالة الغالبة عربياً، واستمرت الدول العربية في تبني السياسات المعتادة بشأن تحقيق تسوية سلمية مع إسرائيل وفق المبادرة السعودية. وتمكن الإسرائيليون من تطوير علاقاتهم السياسية والاقتصادية مع مصر والأردن، كما حققوا بعض الاختراقات التطبيعية.

غير أنه في المقابل أكد "أن المواقف الشعبية العربية لا تزال تشكل داعماً قوياً للصمود الفلسطيني، وليس ثمة آمال كبيرة في إحداث تحولات سريعة في المواقف العربية في المستقبل القريب، غير أن حالة الحراك الشعبي والاندفاع تجاه إقامة أوضاع سياسية أكثر شفافية وديمقراطية، قد يوفّران بارقة أملٍ في دفع الأنظمة العربية لتحمّل مسؤولياتها تجاه فلسطين بشكلٍ أكثر فاعلية".

القضية الفلسطينية والعالم الإسلامي
تحدث هذا الفصل عن الاعتبارات التاريخية التي تحكم العلاقات الفلسطينية مع العالم الإسلامي، ثم تطرق إلى عملية التطبيع الهادئ الذي تقوم به إسرائيل مع الدول الإسلامية، وركز على كون الدولة العبرية لم تعد تمثل خطراً وتهديداً لدول الجوار وحسب، أو للمحيط العربي الأوسع فقط، وإنما لعدد كبير من الدول الإسلامية.

ورأى أنه بينما ظن البعض خلال عقد التسعينيات أن اتفاق أوسلو سيكون بداية الطريق نحو تطبيع حثيث وعلاقات سلمية بين الدولة العبرية وكثير من الدول الإسلامية التي لا تقع في دائرة الصراع المباشر على فلسطين أصلاً، فإن أحداث العام الماضي جاءت لتشير إلى عكس هذه التوقعات. فالشعوب -وحتى الدول- الإسلامية باتت أكثر وعياً وشعوراً بالارتباط الوثيق بين علاقاتها بالعالم الغربي وموقفها من المسألة الفلسطينية.

"
الهيمنة الأميركية العالمية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الوضع الفلسطيني، فقد فقدت أميركا دور الوسيط النزيه منذ سنوات طويلة، وليس من المؤمل في الوقت القريب أن تتغير سياستها على نحو جاد لتتعامل بشكلٍ أكثر عدلاً مع الحالة الفلسطينية
"
القضية الفلسطينية والوضع الدولي

عرض هذا الفصل لموقف الولايات المتحدة من خطة خريطة الطريق ومفهوم الولايات المتحدة للأمن وموقفها من الوضع السياسي الفلسطيني، وقدم صورة عن تعاطي الاتحاد الأوروبي والصين والهند واليابان والبرازيل والأمم المتحدة مع الشأن الفلسطيني، سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الاقتصادية وتطور العلاقات التاريخية.

وخلص إلى القول بأن الهيمنة الأميركية العالمية لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الوضع الفلسطيني، فقد فقدت الولايات المتحدة دور "الوسيط النزيه" منذ سنوات طويلة، وليس من المؤمل في الوقت القريب أن تتغير السياسة الأميركية على نحو جادّ، لتتعامل بشكلٍ أكثر عدلاً مع الحالة الفلسطينية.

وأضاف أن الدعم الأميركي المتزايد لإسرائيل عام 2005 خصوصاً فيما يتعلق بالكتل الاستيطانية في الضفة الغربية وبالانفصال أحادي الجانب من قطاع غزة، خطوة إلى الوراء مقارنة بخريطة الطريق التي تبنتها أميركا وباقي أطراف الرباعية.

وختم قائلاً إن الخط العام للسياسات الدولية يظل مرتبطاً بالمصالح والحسابات الخاصة لكل دولة. غير أن إحداث اختراقات حقيقية في المواقف الدولية ليس من السهل تحصيلها في المدى القريب، وتحتاج إلى موقف فلسطيني فعال وموحد وإلى تغيير جذري في طريقة تناول العالم العربي والإسلامي لقضية فلسطين.

"
لا يزال أكثر من نصف شعب فلسطين يُعاني مرارة اللجوء والعيش القهري في الخارج، كما لا يزال أكثر من 1.6 مليون فلسطيني مشردين، لكنهم يعيشون في الإطار الجغرافي لفلسطين
"
أوضاع السكان والاقتصاد والتعليم

الفصل السادس من التقرير تحدّث عن الأوضاع السكانية، وأشار إلى أن العام 2005 انتهى وأكثر من نصف شعب فلسطين ما زال يعاني مرارة اللجوء والعيش القهري في الخارج، كما لا يزال أكثر من 1.6 مليون فلسطيني آخرين مشردين، لكنهم يعيشون في الإطار الجغرافي لفلسطين.

ويقدر عدد الفلسطينيين في العالم مع نهاية العام 2005 بنحو 10.1 ملايين، بواقع 4.9 ملايين في فلسطين التاريخية موزعين كالتالي: 2.4 مليون في الضفة الغربية، و1.4 مليون في قطاع غزة، ونحو 1.1 مليون في الكيان الإسرائيلي. ويوجد في الخارج نحو 5.2 ملايين فلسطيني يقيم نحو 3 ملايين منهم في الأردن.

ويلاحظ التقرير مصاعب إحصاء الفلسطينيين خصوصاً في دول الشتات، ويقدم بالجداول والرسوم البيانية توزيعاً للسكان الفلسطينيين في الداخل والخارج، مؤكداً فشل كل الجهود الإسرائيلية في اقتلاع الفلسطينيين مهما كانت السياسة المتبعة. كما يعرض دراسة مقارنة بين الديمغرافيا الفلسطينية والإسرائيلية، ودراسة أخرى مقارنة حول نسبة الخصوبة بين المجتمعين الفلسطيني والصهيوني، ويؤكد أنه من الناحية العملية "لا يعوق عودة اللاجئين إلى ديارهم أي عائق عمراني، ما عدا اتساع مدينة تل أبيب والقدس الغربية".

وعلى الأخص فإن عودة أهالي الجليل اللاجئين في سوريا ولبنان وأهالي اللواء الجنوبي من فلسطين اللاجئين في غزة، لا تمثل أي عائق. فعدد هؤلاء مجتمعين هو نفس عدد المهاجرين الروس الذين استوعبتهم إسرائيل في التسعينيات دون أي ازدحام غير عادي.

أما الفصل السابع فيستعرض الوضع الاقتصادي الفلسطيني ويتطرق فيه بالبيانات والأرقام إلى مجمل الصورة الاقتصادية الفلسطينية، ويتحدث عن أبرز المؤشرات الاقتصادية وميزانية السلطة الفلسطينية وانعكاسات الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني. كما يعرض خسائر القطاعات الاقتصادية مثل الصناعة والزراعة، ويتطرق إلى موضوعات البطالة والفقر والخطط التنموية الفلسطينية، وما تقدمه الدول المانحة من مساعدات وآلية تقديمها، ليقدم بعد ذلك صورة عن الفساد المالي الذي يسود السلطة الفلسطينية.

"
رغم استخدام التقرير أفضل المعايير العلمية والموضوعية فإن صدوره للمرة الأولى يفتح المجال واسعاً للاستماع للاقتراحات والملاحظات بهدف سد الثغرات المحتملة
"
ويخلص إلى القول إن السياسات الإسرائيلية لعبت دوراً كبير الأثر في تدمير الاقتصاد الفلسطيني وإلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي، وعدم إعطائه الفرصة المستقبلية للنهوض باستقلالية، في حين لم تتمكن القيادة الفلسطينية من فك التبعية بسبب عوامل عديدة منها عوامل موضوعية خارجة عن إرادتها، وأخرى عوامل ذاتية ترجع إلى نمط الأداء في السلطة الفلسطينية.

أما الفصل الأخير من التقرير فيتطرق إلى الوضع التعليمي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويتحدث فيه بلغة الأرقام والجداول والإحصاءات عن قطاع التعليم الرسمي ومؤسسات التعليم العالي، والتسرب بين الطلاب في مدارس السلطة الفلسطينية، وأثر الاحتلال والجدار العازل على التعليم الفلسطيني. كما تطرق إلى مناهج التعليم في عهد السلطة، مؤكدا في نهايته ضرورة اتخاذ خطوات عملية تنهض بالتعليم الفلسطيني وتحل مشاكله التي يعاني منها.

وختاماً فإن مركز الزيتونة -الذي أصدر هذا التقرير- يرى أنه يسهم بذلك في سد ثغرة مهمة في الدراسات الإستراتيجية المتعلقة بالشأن الفلسطيني.

غير أن محررَي التقرير يعترفان بأنه رغم استخدام أفضل المعايير العلمية والموضوعية، فإن صدوره للمرة الأولى يفتح المجال واسعاً للاستماع للاقتراحات والملاحظات بهدف سد الثغرات المحتملة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة