عودة السياسة   
الثلاثاء 1431/11/19 هـ - الموافق 26/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:46 (مكة المكرمة)، 13:46 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر

شهدت مصر في السنوات العشر الأخيرة ظهور الكثير من الحركات الاحتجاجية التي طرحت العديد من قضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع المصري, وساعدت في الوقت نفسه على إعادة تسييس قطاعات واسعة من المجتمع مثل العمال والفلاحين والموظفين بعد فترة طويلة من الركود.

-الكتاب: عودة السياسة.. الحركات الاحتجاجية الجديدة في مصر
-المؤلف: مجموعة باحثين
-المحرر: د. دينا شحاتة
-عدد الصفحات: 280
-الناشر: مركز الدراسات السياسية بالأهرام, القاهرة 
-الطبعة: الأولى 2010

 
 
والكتاب الذي بين أيدينا يهدف إلى التعرف على أهم هذه الحركات الاحتجاجية التي ظهرت بين عامي 2000 و2008, وعلى العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى ظهورها, وكذلك التعرف على أسباب ظهورها خارج الأطر المؤسسية والحزبية القائمة, وصولاً إلى قياس أداء تلك الحركات الاحتجاجية وتأثيرها العام في المجتمع المصري.

وهذا الكتاب الذي شارك في إعداده عشرة باحثين من مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام -مما يزيد من أهميته العلمية والسياسية- يقسم الحركات الاحتجاجية في هذه الفترة إلى نوعين: حركات ذات طابع سياسي اهتمت بقضايا عامة مثل الإصلاح السياسي الداخلي, والقضايا الخارجية مثل الأوضاع في غزة وفلسطين والعراق, وحركات ذات طابع فئوي اهتمت بقضايا قطاعية مثل الأجور والعلاوات والكادر الخاص والأسعار.

خصائص مشتركة
ورغم الاختلاف الظاهر بين النوعين فإنه يمكن إدراك عدة خصائص مشتركة بينها, من أهمها:

• العمل خارج الأطر الحزبية والمؤسسية المتعارف عليها, مثل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والاتحادات العمالية والطلابية, بسبب حالة الجمود والانقسام الداخلي التي شابتها.

• الاعتماد على العمل الاحتجاجي المباشر, مثل المظاهرات والإضرابات والاعتصامات, كبديل عن العمل السياسي, وبدون الحصول على تصريح مسبق من السلطة ممثلة في الأجهزة الأمنية.

• الدور الريادي لنشطاء جيل السبعينيات الذين قادوا الحركة الطلابية في مصر في تلك الفترة, وساهموا بشكل واضح في تأسيس الحركات الاحتجاجية الجديدة.

"
الحركات الاحتجاجية نجحت في اجتذاب وتسييس جيل جديد من النشطاء الشباب, بعد غياب شبه كامل في فترة التسعينيات من القرن الماضي بسبب عدد من الإجراءات التي اتخذتها السلطة
"
• معظم الحركات الاحتجاجية اتسمت بطابع تحالفي عابر للفكر السياسي الخاص, وهو نمط قائم على التفاف مجموعة من النشطاء من تيارات سياسية مختلفة، حول عدد محدود من الأهداف يوجد اتفاق عام حولها, مع الابتعاد عن القضايا الخلافية.

• هذه الحركات نجحت في اجتذاب وتسييس جيل جديد من النشطاء من الشباب, بعد غياب شبه كامل في فترة التسعينيات من القرن الماضي بسبب عدد من الإجراءات التي اتخذتها السلطة لتقويض دور الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية، بعدما هيمنت عليها جماعة الإخوان المسلمين المعارضة.

• وأخيراً اتسمت هذه الحركات الاحتجاجية بغياب التنسيق بينها والحرص على تأكيد استقلالها, وذلك بهدف ضمان عدم تصادمها مع الدولة, ورغم ذلك فإنها تأثرت بشكل كبير ببعضها البعض, خاصة من حيث آليات التعبئة والتنظيم.

القدرة على التغيير
وينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول, يتناول أولها الحركات المطلبية والحركات السياسية في مصر في إطار نقدي, وفيه يشير الباحث إلى أن الحركات المطلبية أكثر قدرة على تحقيق التغيير بسبب عدم تصادمها مع الدولة, وقدرتها على الدخول في عملية تفاوضية مع الطرف الآخر الذي يمثل السلطة.

ويرى الباحث أن التحول الديمقراطي في مصر لن يتحقق إلا من خلال ظهور بديل سياسي قائم على توافق ديمقراطي, وعلى تحالفات واسعة بين القوى السياسية المختلفة, وبين هذه القوى السياسية وقوى اجتماعية متعددة.

ويقدم الفصل الثاني خريطة للاحتجاجات السلمية, بما تقدمه من مؤشرات أولية على تخلّق مجتمع مدني من نوع جديد, وفيه يقدم الباحث تحليلاً كمياً لعينة عشوائية من 1331 ناشطاً احتجاجياً في الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2005 إلى نهاية يناير/كانون الثاني 2009, رصد فيها عدداً من الظواهر المهمة منها امتداد كافة الأنشطة الاحتجاجية إلى كافة محافظات مصر, ومشاركة فئات اجتماعية مختلفة في هذه الأنشطة.

كما رصد الباحث أهم الأسباب التي تدفع فئات اجتماعية مختلفة للاحتجاج, وقسّمها إلى: أنشطة احتجاجية استهدفت حماية كرامة المواطن وجسده من أي انتهاك, وأخرى استهدفت الدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية, وثالثة استهدفت استعادة وتثبيت أركان الدولة المدنية الحديثة. وحظيت الأنشطة التي استهدفت الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأعلى نسبة (47.6%), وكان نصيب الأنشطة التي استهدفت مواجهة الفساد وتدهور جهاز الدولة (20%).

أسباب الاحتجاج
ويذكر الباحث أكثر من 33 سبباً دفعت الفئات الاجتماعية المختلفة للاحتجاج, يأتي على رأسها الاحتجاج على ممارسات أجهزة الأمن ضد المواطنين، ورفض استمرار حالة الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات العامة.

ويناقش الفصل الثالث علاقة اليسار المصري بحركات الاحتجاج، من خلال دراسة ثلاث حالات هي: اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة, وحركة المجموعة المصرية لمناهضة العولمة (أجيج)، وحركة 20 مارس/آذار. وقد ولدت هذه الحركات الثلاث كرد فعل على السياسات الخارجية تجاه المنطقة العربية, سواء بشكل مباشر (العدوان الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني، الحرب الأميركية على العراق) أو بشكل غير مباشر (السياسات الجديدة للعولمة). واستغلت هذه الحركات العامل الخارجي كمدخل للاحتجاج على أوضاع داخلية أو سياسات داخلية قائمة.

"
ما لم توجد في مصر قوى سياسية حية قادرة على التنافس السلمي الحقيقي, فإن الانتخابات البرلمانية لا يمكن أن تكون المدخل إلى التغيير الديمقراطي السلمي
"
وترصد الدراسة غياب اليسار عن الحركة السياسية بشكل كبير بسبب الخوف الشديد من أخطاء الماضي لليسار المصري وخاصة غياب الديمقراطية الداخلية، أو بسبب التعقيد النظري لمقولاتهم. ويظل العائق أمام حركات الاحتجاج المرتبطة باليسار، هو في حالة الخلافات الداخلية والتفتت بين تنظيماته المختلفة, وغلبة مصلحة التيارات داخله على مصلحة الحركة والعمل المشترك.

ويستعرض الفصل الرابع السياق السياسي والتاريخي لنشأة الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" التي ظهرت عام 2004 كحركة تدعو إلى التغيير في نظام الحكم. وترى الباحثة التي أعدت هذا الفصل أنه رغم فشل كفاية في تحقيق أهدافها الأساسية التي تم اختصارها في شعار "لا للتمديد, لا للتوريث, لا لقانون الطوارئ"، فإن الحركة نجحت في إعادة تعريف السياسة في مصر, وذلك من خلال التأسيس لنمط من العمل السياسي الجماعي يقوم على تجاوز الحواجز الفكرية والأيدولوجية, وعلى التحالف بين القوى السياسية المختلفة, والتوافق على أهداف سياسية مشتركة.

وتؤكد الباحثة أنه "ما لم توجد في مصر قوى سياسية حية قادرة على التنافس السلمي الحقيقي, فإن الانتخابات البرلمانية لا يمكن أن تكون هي المدخل للتغيير الديمقراطي السلمي في مصر, وهذا ما أدركه مؤسسو حركة كفاية فاجتهدوا في الاتفاق على مطلب سياسي عابر للفكر السياسي الخاص بكل تيار".

إضراب عمال المحلة
وينتقل بنا الفصل الخامس إلى الحديث عن الحركات ذات الطابع الفئوي أو المطلبي والتي انتشرت بشكل واسع منذ نهاية العام 2006 وحتى الآن, ومن أبرزها إضراب عمال مصانع غزل المحلة الكبرى (شمال القاهرة) حيث اعتبرتها الباحثة نقطة تحول كبرى في تاريخ الحركة العمالية المصرية, وأصبح من الممكن الحديث عن مرحلة ما قبل "إضراب المحلة" وما بعدها, وذلك لا يعود فقط إلى عدد المشاركين في الإضراب (نحو 34 ألف عامل) ولا إلى تأثيره على وسائل الإعلام, بل إلى أن حركة العمال المصريين بعده حملت بصمة إضراب عمال غزل المحلة.

لقد ساهمت حركة العمال بشكل مباشر في الدفع نحو التحول الديمقراطي في مصر الذي يمكن أن يؤتي ثماره على المدى المتوسط والبعيد.. لقد تجاوزت الموجة الحالية من الحراك العمالي فكرة الاقتصاد الأخلاقي, أو محاولة إعادة تأسيس العقد الاجتماعي السابق بين العمال والدولة, وانتقلت إلى مرحلة جديدة يسعى فيها العمال إلى التنظيم بشكل مستقل عن جهاز الدولة الرسمي.

ويتحدث الفصل السادس عن احتجاجات موظفي مصلحة الضرائب العقارية, ويرى الباحث أنه بداية لمرحلة مهمة من التحول في وعي الطبقة العاملة, حيث يسعى عمال وموظفون لأول مرة منذ يوليو/تموز 1952 إلى تنظيم أنفسهم بشكل مستقل بعيداً عن أجهزة الدولة, مما قد يؤسس لنمط جديد من التفاعل بين الدولة والمجتمع المدني في مصر في المرحلة القادمة.

ويرى الباحث أن أهمية إضراب موظفي مصلحة الضرائب العقارية يتمثل في نجاحه في تجاوز الهدف الوحيد لكل الاحتجاجات الاجتماعية وهو المتعلق بتحسين الأجور, ليصل إلى هدف آخر هو بناء كيان نقابي مستقل نال اعتراف الموظفين ولم تستطع الدولة تجاهله, وهي سابقة فريدة في تاريخ الاحتجاجات الاجتماعية.

"
التحدي الأكبر الذي يواجه النخبة السياسية المصرية المعارضة في المرحلة المقبلة، هو كيفية مد الجسور بين الحركات ذات الطابع الاجتماعي والحركات ذات الطابع السياسي لإحداث التغيير المنشود
"
ضد تلوث البيئة

ويناقش الفصل السابع جوانب الحركة الاحتجاجية لمناهضة بناء مصنع لإنتاج الأسمدة (أجريوم) في محافظة دمياط (شمال القاهرة) باعتباره ملوثاً للبيئة ومهدداً للسكان في صحتهم وأرزاقهم. ونجحت الحركة في حشد تأييد أبناء المحافظة بشكل واسع, كما نجحت في تطوير خطاب مؤثر ركز على الآثار الاقتصادية والبيئية السلبية للمشروع. وفي النهاية نجحت الحركة الاحتجاجية في الضغط على الحكومة المصرية والاستجابة لرغبات المواطنين، ونقل المشروع إلى مكان آخر.

أما الفصل الثامن فقد تناول بعض الحركات الاحتجاجية الشبابية، مثل حركة "شباب من أجل التغيير", وحركة "شباب 6 أبريل", وحركة "تضامن". ورصدت الباحثة في هذا الجانب عودة الشباب المصري كفاعل مهم في الساحة السياسية بعد فترة من الانسحاب والسلبية, وانخراط الشباب مجددا في الحركات التي تأسست لدعم الانتفاضة الفلسطينية، ومناهضة الحرب الأميركية الغربية على العراق, ثم الحركات التي نادت بالإصلاح السياسي الداخلي, وأخيراً الحركات الاحتجاجية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والتي اعتمدت بشكل مكثف على وسائل الاتصال الحديثة مثل المدونات والفيسبوك.

ويظل التحدي الأكبر الذي يواجه النخبة السياسية المصرية المعارضة في المرحلة المقبلة، هو كيفية مد الجسور بين الحركات ذات الطابع الاجتماعي والحركات ذات الطابع السياسي لإحداث التغيير المنشود.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة