الجزيرة وتغطية الحرب الأميركية   
الخميس 1431/8/10 هـ - الموافق 22/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 18:29 (مكة المكرمة)، 15:29 (غرينتش)

عرض/ وديع عواودة
هذا الكتاب هو دراسة لباحث إسرائيلي عن تعامل الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 مع قناة الجزيرة التي اعتبرتها عدوا، وجعلت منها "كبش فداء" للتغطية على فشلها في العراق وأفغانستان.

كما يوضح أن المحطات التلفزيونية المركزية الأميركية سعت لشيطنتها، تساوقا مع البيت الأبيض، وبخلاف معايير الزمالة والمهنية، رغم عدم ثبوت التهم الموجهة لها بمحاربة الغرب واليهود والدفاع عن "الإرهاب".

ويؤكد الباحث د. طال عزران في كتابه الجديد (الجزيرة وتغطية الحرب الأميركية) أن الولايات المتحدة ومحطات التلفزة المركزية دأبت على حجب معلومات الجزيرة والتعامل معها كـ"معلومات دعائية معادية" عقب حادثة استهداف برجي التجارة في نيويورك عام 2001.

وجهات نظر
-الكتاب: الجزيرة وتغطية الحرب الأميركية
-المؤلف: د. طال عزران
-عدد الصفحات: 250
-الناشر: دار النشر "بيتر لانج", منهاتن, الولايات المتحدة
-الطبعة: الأولى/2010

ويستعرض الباحث ثلاث وجهات نظر أميركية شائعة حيال الجزيرة، الأولى سياسية اقتصادية ترى فيها مشروعا يخدم قطر، مصالحها وسياساتها, زاعمة أن الأخيرة تهدف للإمساك بالعصا من طرفيها، العرب والغرب، إضافة لصناعة القوة، مقابل الجارة الكبرى السعودية، وصرف النظر عن العلاقات بين الدوحة وبين إسرائيل والولايات المتحدة.

أما الثانية فمحافظة، وتعتبر الجزيرة وسيلة لمناصرة الإسلام ضد المسيحيين واليهود في العالم، وتأييد المقاومة والتعبئة لها كمساندة أسرى الشهداء في انتفاضة القدس والأقصى. ويزعم أن أشرطة أسامة بن لادن على شاشة الجزيرة تتيح قضم مصداقيتها في الولايات المتحدة, وفي الواقع ينجم عنها أن كثيرا من الأميركيين لا يميزون بين التسميات: الجزيرة والقاعدة.

أما الثالثة، فهي نظرة ليبرالية ترى بها محطة شرعية تلتزم المعايير المهنية الغربية.

ويقول الكتاب إن القنوات الأميركية لم تجد ما يؤسس المزاعم التقليدية ضد معايير تغطية الجزيرة، ويتابع انتقاده للشبكات الأميركية: "على العكس تماما فإن تحليل 1820 عنوانا ضد الجزيرة بثت في القنوات الأميركية المركزية الخمس خلال الحرب على العراق يظهر أن عددا ساحقا من التقارير المنشورة في الجزيرة وفي المحطات الأميركية قد تمت "موازنتها"، وتشير إلى أن 89.2% من تقارير الجزيرة تم ترميزها كمواد "محايدة".

الأهواء
ويوضح الكاتب أن محطات التلفزة الأميركية المركزية تنقل عن الجزيرة بشكل خاص تقارير تعزز الإجماع الأميركي كصور التفجيرات في بغداد، أما "فوكس نيوز" فتميزت بغربلة -حجب- المواد التي وضعت تحديا أمام نظام جورج بوش، وفي بث صور من الجزيرة تخدم الإجماع القومي.

ويضيف أنه ورغم توجهات الجزيرة ناحية القيم العربية الإسلامية فلا دليل تجريبيا مقنعا يثبت أنها كيان إرهابي، مشددا على أن الشبكات الأميركية لا تملك سببا مقنعا لإخضاع صور الجزيرة للرقابة.

"
رغم انتقاد الكاتب للجزيرة في بعض النقاط كقلة استضافة الضيوف الإسرائيليين, لا يتقاطع الكتاب مع دراسات إسرائيلية مشابهة اعتبرت الجزيرة "عدوا" ينضم لقوى المقاومة العربية الإسلامية وقت الحروب
"
في المقابل يتهم عزران الجزيرة بتجاوز المعايير المهنية، ويشكو قلة عدد الضيوف الإسرائيليين على شاشتها، ويقول إن استضافتهم تتم أحيانا لا لنقل الرأي الآخر بقدر ما هو إظهار ضعف إسرائيل. ويتهمها بمواقف مبيتة ضد إسرائيل و"لا تخلو من المصالح" وإن كانت التغطية الناقصة أفضل من لا شيء، ويتابع "لا يمكن تجاهل الجزيرة، ولندع المشاهدين يحكمون بأنفسهم، ولا ننسى أن الشبكات المركزية الغربية ليست نظيفة من الأهواء".

ورغم  الاتهام، لا يتقاطع الكتاب مع دراسات إسرائيلية مشابهة اعتبرت الجزيرة "عدوا" ينضم لقوى المقاومة العربية الإسلامية وقت الحروب، آخرها دراسة عرضت في مؤتمر هرتزليا للمناعة القومية العاشر في يناير/ كانون الثاني 2010 جاء فيها أن الجزيرة تقود حملة التحريض ضدّ إسرائيل في العالمين العربي والإسلامي.

بالإنجليزية
ويشير الكتاب إلى أن الجزيرة رفضت التساوق مع الرؤى والمعايير الغربية لتغطية الأحداث، فأصرت على تحديها ما قاد لـ"حرب معلومات" بين الإمبراطوريات الإعلامية، وتابع "وضعت الجزيرة تحديا أمام القنوات الغربية ليس فقط من ناحية المصطلحات والمضامين بل في دخولها الفضاء الإعلامي العالمي، وهذا ما ازداد بعد إطلاق الجزيرة بالإنجليزية التي يشاهدها اليوم نحو 160 مليون مشاهد في 80 دولة، بحسب موقعها على الشبكة".

ويؤكد الكتاب أن الجزيرة بالإنجليزية اليوم تنافس بقوة شبكات التلفزة الأميركية، ويلفت إلى أنها أكثر نعومة من شقيقتها العربية في مضامينها ومصطلحاتها، معتبرا ذلك أمرا طبيعيا شأنها شأن "سي إن إن" بنسختيها الدولية والأميركية، فالأخيرة أكثر وطنية، ويتابع "ومع ذلك تتطابق مضامين قناتي الجزيرة بالإنجليزية والعربية مؤخرا".

وينوه بأن عدد الأميركيين القادرين على مشاهدة الجزيرة بالإنجليزية اليوم يبلغ نحو 20 مليون مشاهد، وذلك بعد عقد اتفاقية حديثا مع واحدة من شركات البث، معتبرا ذلك مظهرا من مظاهر اختلاف سياسة باراك أوباما عن سابقه بوش.

سبتمبر2001
ولتوضيح الانقلاب في تعامل المؤسسة الإعلامية الأميركية مع الجزيرة، يستذكر عزران ما قاله الصحفي البارز دان راذر من شبكة "سي بي إس" في برنامجه بأن الجزيرة تعتبر أمل الديمقراطية في الشرق الأوسط، لكنه عاد بعد 2001 ليتساءل محرضا: هل يمّول أسامة بن لادن الجزيرة؟

ويستند الكتاب إلى مراجعة 2732 عنوانا نقلتها القنوات الأميركية الخمس (سي إن إن، إيه بي سي، سي بي إس، إن بي سي وفوكس نيوز) عن الجزيرة في الفترة بين سبتمبر/ أيلول 2001 وأغسطس/ آب 2004 منبها لعملية تجيير مضامينها وتغيير سياقها وإخضاعها للرقابة.

"
يستند الكتاب إلى مراجعة 2732 عنوانا نقلتها القنوات الأميركية عن الجزيرة في الفترة بين سبتمبر/ أيلول 2001 وأغسطس/ آب 2004 منبها لعملية تجيير مضامينها وتغيير سياقها وإخضاعها للرقابة
"
ويؤكد الكتاب أنه من بين هذه العناوين لم يكن هناك سوى حالة واحدة تم اقتباس الجزيرة دون رقابة أو غربلة وتجيير المعلومات، وذلك حينما كشفت الجزيرة عن عملية قتل بعض الجنود الأميركيين في مستهل الحرب على العراق، في منطقة الناصرية خلال فبراير/ شباط 2003 فاضطرت شبكتا "سي إن إن" و" سي بي إس" لنشر ذات الصور القاسية لجثث جنود ملقاة على الظهر أرضا وتطل من وجوههم صور الموت المرعب، وتتسبب بضرب معنويات الأميركيين، ويتابع "وقتها قالت بعض الشبكات الأميركية إن الجزيرة أجبرتنا على نشر هذه الصور رغم ضغوط الرقابة الأميركية".

الجزيرة تصدم البنتاغون
في المقابل يقول إن كشف الجزيرة عن سقوط طائرة حربية أميركية في أفغانستان لا يجد له صدى واسعا في هذه القنوات كما لو كان مصدر الخبر قناة أخرى. وينوه بأن الجزيرة صدمت البنتاغون عام 2004 حينما نشرت صورا لضحايا الهجوم الأميركي على الفالوجة العراقية.

كما ينوه الكتاب بأنه بعد هذه الحادثة التي أملت فيها الجزيرة الأجندة على المحطات الأميركية، قامت الأخيرة بمحاولة شيطنة الأولى بوسائل شتى منها الربط بين سقوط صدام حسين وبين خسارة الجزيرة أو ربطها بالقاعدة، ويوضح أن الولايات المتحدة ووسائل إعلامها المركزية تحاول النيل من مصداقية الجزيرة والتقليل من شأنها.

ويتوقف الكتاب عند صمت محطات التلفزة الأميركية عن الاعتداءات على طواقم الجزيرة في أفغانستان والعراق، وحتى عندما تم قتل مراسلها طارق أيوب ببغداد في حادثة يعتبرها البعض متعمدة.

الجزيرة نت
ويشير لذهاب شبكة فوكس نيوز لحد السخرية من قصف مكاتب الجزيرة في كابل والدعوة لضرورة استهداف مقر "فضائية بن لادن" في الدوحة، وذلك في إشارة لحجم التحامل عليها والرغبة بشيطنتها تناغما مع السياسات الرسمية لواشنطن.

ويستذكر الكتاب أن محطات التلفزة الأميركية تجاهلت أيضا الاعتداءات وعمليات القرصنة التي تعرض لها موقع الجزيرة نت، الذي يصفه بأحد أهم المواقع الإعلامية في العالم، من قبل قرصان أميركي عقب عملية الناصرية المذكورة.

ويقول عزران إن نسبا مرتفعة من الشباب الأميركيين ينجحون بمشاهدة الجزيرة عبر الانترنت رغم مساعي السلطات والمحطات الأميركية الحيلولة دون نفاذ معلوماتها للأميركيين، وذلك لقناعتهم بأن الصور لا تكذب.

ويشير الكتاب لمخاوف الولايات المتحدة من الجزيرة ودورها، ويقول إنه بعد 2001 ثار جدل داخل دوائر صناعة القرار هناك عما إذا كان ينبغي القيام بالحرب على عقول وأفئدة العرب سوية مع الجزيرة أم بمحاربتها وشيطنتها، فتم اعتماد الخيار الثاني.

ويستذكر الكاتب أن كل ذلك يتم رغم الجهود الكبيرة المبذولة من قبل الجزيرة لتعزيز مكانتها في الولايات المتحدة من خلال تعاقدها مع مراسلين أميركيين بارزين للعمل بالقناة الإنجليزية، إضافة لعقد صفقات تجارية "مغرية" مع شركات الكوابل والبث في العام 2006، رغم عدم وجود تشريع يحظر الجزيرة. ويتابع "نتيجة محاولات الحجب فإن 60% من مشاهدي الجزيرة في الولايات المتحدة يفعلون ذلك من خلال اليوتيوب".

سوا والحرة
"
يطعن الكتاب بليبرالية الشبكات الأميركية بعد 2001 ويؤكد أن حربها على الجزيرة أخرجتها عن معاييرها المهنية، وهذا الأمر من شأنه أن يزيد من راديكالية الجزيرة
"
ويوضح الكاتب أن الحجب المفروض على الجزيرة في الولايات المتحدة يدلل على تنامي قوة الأولى وتزايد مظاهر ضعف الثانية.

وعلى خلفية ذلك، بادرت الإدارة الأميركية بقيادة جورج بوش الابن بتأسيس مكتب الاتصالات العالمي (أو جي سي) للترويج لـ"الوجه الجميل" للولايات المتحدة، فأطلقت قناة الحرة وإذاعة سوا ردا على الجزيرة والتأثير على جمهورها، وهذا ما فعلته أيضا فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين والتي أطلقت شبكات بالعربية بعد إغلاق فضائية "بي بي سي" بالعربية.

واستنادا لمعطيات عينية، يطعن الكتاب بليبرالية الشبكات الأميركية بعد 2001، ويضيف أن حربها على الجزيرة أخرجتها عن معاييرها المهنية، محذرا من أن ذلك سيزيد من راديكالية الجزيرة.

وفي فصل الاستنتاجات، يخلص الكتاب إلى أن الجزيرة تهدد الهيمنة الأميركية في العالم، وأن البيت الأبيض استدرج شبكات التلفزة المركزية من أجل شيطنتها ونزع شرعيتها بتصنيف تقاريرها بأنها مواد دعائية بحجة الحرب على "الإرهاب". وترى في الانتقادات والمعلومات الخارجة عن الإجماع الأميركي "دعاية شيوعية" أو "تخريبا" بالجهد الأميركي كما كان يحدث أيام الحرب في فيتنام.

صناعة الصمت
ويستذكر الكتاب ما قاله المفكر الأميركي من أصل يهودي نعوم تشومسكي في كتابه حول "صناعة الصمت" إن الإعلام الأميركي تابع وخانع للإدارة السياسية، وإن الطرفين يتعاونان لحجب معلومات مصدرها من الخارج بعد 2001.

ويقتبس ما أورده تشومسكي حول الضغوط الأميركية على قطر للتأثير على الجزيرة وطريقة تغطيتها، وحول أساليب حجب المعلومات عن الجمهور بالتحريض على العدو أيديولوجيا، كما حصل مع الجزيرة بعد تغطية إصابة وقتل الجنود الأميركيين في الناصرية، وشيطنة الرسالة والمرسل معا. وتتابع "في ظل هذا المناخ المعادي ليس مفاجئا أن تحجب لاحقا قناة الجزيرة بالإنجليزية من قبل شركات الكوابل وصحون البث في الولايات المتحدة رغم تشغيل وجوه صحفية شعبية ومألوفة هناك".

وفي انتقاد صريح لها، يقول إنه بخلاف الفكرة السائدة لدى باحثي العولمة بأن شبكات الإعلام الدولية الأجنبية هي وكيلة تغيير فإن بمقدورها المساهمة في تبادل الآراء بين ثقافات مختلفة في زمن الصراع.

ويشدد في استخلاصاته المركزية أن "الميديا" الأميركية المحسوبة في العالم كصحافة حرة تصبح بالواقع "ذات محدوديات" حينما يتعلق الأمر بمصدر يعتبر تهديدا بحجم الجزيرة. ويرى الكتاب أنه مقابل اتهام الجزيرة بالسياسات المؤيدة للعرب بسبب سياق ما تبثه، لم يثبت يوما صحة مزاعم جورج بوش والتي "اشترتها" الشبكات الأميركية وكأنها تخدم "أجندة إرهابيين". ويتابع الكتاب "وهذه نتيجة الوطنية المتشددة غير المسبوقة لدى الشبكات الأميركية، وهي بالتالي تعمل ضد أحد أهدافها المعلنة والخاص بالتخاطب الثقافي بين الغرب والعرب".

"
تحولت الجزيرة إلى كبش فداء من قبل الإدارة الأميركية، التي وظفت معاداتها لها لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية المتعلقة بفشلها في العراق وأفغانستان
"

المعركة على القلوب
ويختتم بالقول إنه في مثل هذه البيئة الجديدة فإن المراسلين المحليين يضطرون للعمل كجنود في حرب وستتسم تغطياتهم بسياسة الحمائية  (الحمائية-مذهب يعني حماية الإنتاج الوطني) وبالرقابة الذاتية في تغطية أحداث من شأنها تشويش الاتفاق والإجماع. ويتابع "تحولت الجزيرة إلى كبش فداء من قبل الإدارة الأميركية، وتوظف معاداتها لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية المتعلقة بفشلها في العراق وأفغانستان، وهذا يضع حدودا وقيودا حول مساحة التعاون الثقافي المتبادل، ويشير للاستقطاب بين نظام الأخبار العالمي، ويؤكد أسطورة عولمة (الميديا)".

ويوضح المؤلف أن استنتاجاته المذكورة ليست صحيحة بالضرورة في فترة باراك أوباما، معتبرا أن الحالة اليوم مختلفة إلى حد ما رغم أن الأخير آثر إعطاء مقابلة لقناة العربية لا الجزيرة، وإن كانت المعركة على عقول وقلوب الملايين مستمرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة