الحضور المسيحي بالمغرب   
الخميس 1427/1/10 هـ - الموافق 9/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 17:08 (مكة المكرمة)، 14:08 (غرينتش)

عرض/ حسن السرات
اقتحم كتاب "الحضور المسيحي بالمغرب خلال القرنين التاسع عشر والقرن العشرين" صفحة من تاريخ المغرب الأقصى لم يقتحمها أحد من قبل. فالأبحاث التاريخية التي توثق مراحل دخول أهل الكتاب من النصارى أتباع عيسى عليه السلام رفقة الاستعمار الفرنسي والإسباني توشك أن تكون في حكم العدم، وإن وجدت لا يعرفها كثير من الناس.

- الكتاب: الحضور المسيحي بالمغرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين
- المؤلف: جامع بيضا وفانسان فيرولدي
- عدد الصفحات: 230
- الناشر: منشورات دار أبي رقراق للتواصل، الرباط
- الطبعة: الأولى/2005

وهذا الكتاب وإن كتب باللغة الفرنسية، فإنه اقتحم العقبة وحاز مؤلفاه على قصب السبق. ومما عزز قوة الكتاب أن المؤلفين ليسا بعيدين عن المجال، فجامع بيضا أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، وهو مؤرخ مهتم بالصحافة المكتوبة وحركات التحرر المغربي من الاستعمار واليهود المغاربة والوجود المسيحي بالمغرب، وفانسان فيرولدي قس من كنيسة ليون الفرنسية، سبق له أن عمل بالمغرب من سنة 1995 وسنة 2001 بمكتبة "لا سورس" بالرباط، كاتب عام بمجموعة الأبحاث الإسلامية المسيحية، مؤرخ مهتم بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي وحركات الشبيبة المسيحية، وهو الآن مكلف بالاتصال والإعلام بالكنيسة الكاثوليكية في مدينة ليون الفرنسية.

 

ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، القسم الأول يعرض للمواجهة الأولى بين عامي 1856 و1912، والقسم الثاني يؤرخ للغزو الكنسي من 1912 إلى 1947، بينما يتوقف القسم الثالث عند أشكال الانفتاح عند الكنيسة في سنوات 1947 و1956، أما القسم الرابع والأخير فيسجل لانعطافة الكنيسة نحو الحوار والتسامح من سنة 1956 إلى سنة 2005.

 

وبالإضافة إلى الأقسام الأربعة حفل الكتاب بملاحق فيها عدة وثائق هامة جدا جمعت بين النصوص المكتوبة والصور، وبيانات إحصائية حول المنحنى الكمي للمسيحية المرافقة للاستعمار صعودا وهبوطا.

 

"
منذ سنة 1856 شرعت القوى الاستعمارية الأوروبية في إملاء القوانين على سلطان المملكة المغربية من أجل حماية الرعايا المسيحيين الجدد وتخصيصهم بمعاملات تفضيلية وصلت ذروتها مع استكمال استعمار التراب المغربي
"

أقسام الكتاب الأربعة عرض تاريخي جيد لأربع مرحل مهمة في تاريخ الحضور المسيحي بالمغرب: قبل الحماية، ومرحلة الحماية والاستعمار، فمرحلة الإحسان الاجتماعي، ثم أخيرا مرحلة التخلص من المخاوف وتدشين الحوار.

 

"الذمي" يحصل على الحماية الدولية
كان عدد الأوروبيين المقيمين بالمغرب عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين محدودا، فكانوا في سنة 1830 حوالي 250 شخصا منهم 220 في طنجة، ثم ارتفع العدد إلى 700 في سنة 1858، ثم 1400 في سنة 1864، فصاروا 3000 عام 1884، ليصلوا إلى 10000 في عام 1910 دون احتساب قوات الغزو والاحتلال الفرنسية والإسبانية وسكان مدينتي سبتة ومليلية.

 

ومنذ سنة 1856 شرعت القوى الاستعمارية الأوروبية في إملاء القوانين على سلطان المملكة المغربية من أجل حماية الرعايا المسيحيين الجدد وتخصيصهم بمعاملات تفضيلية وصلت ذروتها مع استكمال استعمار التراب المغربي وتوزيعه بين فرنسا وإسبانيا.

 

وبدأ الصراع على أشده، خاصة في مدينة طنجة الدولية، بين الكنيستين الكاثوليكيتين الفرنسية والإسبانية، حول من يكون له الحق في تنصير المغرب، فقد كانت الكنيسة الإسبانية هي المحرض الأساسي لخوض "حرب أفريقيا"، وباسمها احتلت مدينة تطوان في جو أقرب ما يكون إلى أجواء إعادة الغزو التي شهدتها إسبانيا عند إجلاء المسلمين من الأندلس.

 

ويسجل الكتاب الدور الذي قام به الكتاب المسيحيون اللبنانيون، المارونيون منهم على وجه الخصوص، الذين استقدمتهم الكنائس المسيحية المستقرة في طنجة، ليسخروا أقلامهم في تقريب المسيحية من المغاربة بالكتابة في مجلات طبعت في مطابع استوردت من لبنان أيضا.

 

وتعتبر الصويرة، بالإضافة إلى طنجة، المدينتان المغربيتان اللتان شهدتا أولى طلائع حملات التنصير العلنية بين المغاربة، بل إن مدينة الصويرة عرفت تعاونا يهوديا إنجيليا بروتستانتيا ملحوظا في سنوات 1839 و1847 اضطر إزاءه السلطان إلى إصدار قرار بالطرد خارج المغرب في حق بعض المنصرين الإنجيليين النشيطين بالمدينة.

ويمكن ملاحظة أصول المحاولات الإنجيلية البريطانية ثم الأميركية في تلك السنوات عن طريق توزيع الأناجيل والتركيز على العمل الاجتماعي التطوعي.

 

وخلال هذه الفترة من تاريخ المغرب نظر المغاربة إلى الكنائس المسيحية على أنها وسيلة من وسائل الغزو والاستعمار، وذلك ما سوف يتأكد مع إقرار نظام الحماية وتعيين المارشال ليوطي حاكما عسكريا فرنسيا بالمغرب.

 

يد تستعمر وأخرى تنصر
لم يقتصر التنافس الشديد بين إسبانيا وفرنسا على استعمار تراب المملكة المغربية الشريفة وبسط النفوذ السياسي فقط، بل امتد التنافس واحتد على من تكون له السلطة الدينية والروحية على المغاربة، وساق المنصرون الإسبان حججا تاريخية بالنسبة إليهم يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر تخول لهم امتياز تنصير المغرب.

 

ولما رأى الحاكم العسكري الفرنسي أن الكنيسة الإسبانية صارت طليعة السياسة الاستعمارية الإسبانية بالمغرب، سارع إلى استقدام قساوسة فرنسيين لقطع الطريق على إسبانيا، فكان أول فوج من المنصرين الفرنسيين يدخل إلى المغرب هو "فوج الوعاظ العسكريين المتطوعين" في فبراير 1908، لتتابع الأفواج الأخرى لاحقا وضمنها مجموعات من الراهبات.

 

"
تعتبر سنة 1927 منعطفا بارزا في مسيرة الكنيسة الكاثوليكية بالمغرب لأنها سنة إقرار الشروع في تنصير "الأهالي" بعد أن عين على رأس القيادة النصرانية القس هنري فييل
"

اتبع الحاكم العسكري الفرنسي سياسة "إسلامية" خاصة بالمغرب، حرص عبرها على استغلال المنصب الديني للسلطان ليكون غطاء لسياسته الاستعمارية، وحرص كل الحرص على أن لا تظهر الكنائس الفرنسية رغبتها في تنصير المغاربة، خاصة في المناطق الأمازيغية، ولا أن تتخذ أي خطوة عملية في هذا السياق، لكن رهبان الكنائس وراهباتها لم يلتزموا بهذا الحرص، وكثيرا ما قاموا بأنشطة تبشيرية أضرت بالسياسة الاستعمارية الفرنسية.

 

وتعتبر سنة 1927 منعطفا بارزا في مسيرة الكنيسة الكاثوليكية بالمغرب لأنها سنة إقرار الشروع في تنصير "الأهالي" بعد أن عين على رأس القيادة النصرانية القس هنري فييل.

وكان عدد الكاثوليك المقيمين بالمغرب عام 1927 حوالي 100000 ولم تستطع كل جهود المنصرين في "تعميد" ولو مغربي واحد بإخراجه من الإسلام وإدخاله في المسيحية.

وظن رجال الكنيسة أن سكان المناطق الأمازيغية المغاربة في متناولهم لأنهم كانوا مسيحيين في الزمن الأول السابق على اعتناق الأمازيغ للدين الإسلامي، وأن إسلامهم ليس عميقا متجذرا، بل هو أمر سطحي يمكن اقتلاعه بكل سهولة.

 

ولذلك، يؤكد المؤلفان أن خطة التنصير استهدفت مناطق جبال الأطلس جاعلة من مدينة ميدلت نقطة ارتكاز وقاعدة لانطلاق قوافل التنصير، ويذكر الباحثان أن نتائج الحملات التنصيرية في منطقة "القبايل" الأمازيغية بالجزائر من أهم العوامل التي شجعت على التحول من "الكنيسة الصامتة" إلى "الكنيسة الناطقة".

 

تنصر محمد بن عبد الجليل حالة معزولة
طيلة عدة سنوات لم يحصل المنصرون على شيء، ولم يتنصر سوى فرد واحد ملأ أمره الدنيا وشغل الناس، وهو محمد بن عبد الجليل الذي ولد عام 1904، وينتمي لعائلة غنية إذ كان أبوه خليفة باشا (نائب حاكم) مدينة فاس.

 

رافق والده في رحلة الحج وهو في العاشرة من العمر. تميز أثناء دراسته بالرباط وحصل على منحة للدراسة في فرنسا، وعينه الحاكم العسكري حاجبا للابن الأكبر للسلطان مولاي يوسف إعدادا له لخلافة والده على العرش.

 

وفي فرنسا تابع دراسته الجامعية في اللغات الشرقية، مع الانخراط في الوقت نفسه في المعهد الكاثوليكي بباريس عام 1925، فكان بذلك أول مسلم يسجل نفسه في معهد مسيحي.

 

"
الحالة الفريدة لمحمد بن عبد الجليل دفعت الكنيسة الفرنسية الاستعمارية إلى استخدام كل الوسائل الممكنة للتنصير, لكن أسقف المغرب اعترف في عام 1938 بأن النتيجة بعد عدة عقود من العمل التنصيري  لم تتجاوز الصفر
"

وهناك التقى بعدة أعلام فرنسيين على رأسهم لويس ماسينيون الذي تولى متابعة أمره حتى اعتنق المسيحية وتم تعميده. وكما كان متوقعا قامت ضجة كبيرة بالمغرب إثر تنصره، إذ تبرأ منه أبوه وكل أفراد أسرته وبلده، ليبقى في فرنسا أستاذا بالمعهد الكاثوليكي حتى تركه عام 1964 بعد إصابته بسرطان اللسان، ويموت في سنة 1979 ويدفن في فرنسا.

 

الحالة الفريدة لمحمد بن عبد الجليل دفعت الكنيسة الفرنسية الاستعمارية إلى استخدام كل الوسائل الممكنة للتغلغل في أوساط المغاربة، ويخبرنا الكتاب أن من أهم الوسائل التي عمد أسقف المغرب إلى إخراجها تأسيس مركز للدراسات والأبحاث يسهل معرفة المغاربة في أفق تنصيرهم، خاصة الأمازيغ.

 

وتحالفت السلطات السياسية في هذا السبيل مع السلطات الكنسية، وكان أهم شيء حرصت عليه السلطتان معا هو قطع الصلة بين أمازيغ المغرب واللغة العربية لقطع الرابط بينهم وبين الدين الإسلامي.

 

في عام 1938 اضطر "أسقف" المغرب للاعتراف في رسالة مكتوبة مرفوعة إلى البابا بأن النتيجة بعد عدة عقود لم تتجاوز الصفر قائلا: "علي أن أعترف لكم أننا ما زلنا في مجال دعوة الأهالي.. في مرحلة الاقتراب والإعداد للتنصير المباشر رغم الرغبة في الفتح والاندفاع التي تغلي في صدور المنصرين ورؤسائهم".

 

لما شعرت الحركة الوطنية المغربية بخطورة العمل التنصيري أشعلت فتيل ضجة كبيرة، وردت على أعمال التنصير بأعمال مضادة منها رفع مذكرات إلى السلطات الاستعمارية للمطالبة بإيقاف النشاط التنصيري، وتوزيع المصاحف بين المغاربة الذين تركز عليهم حملات التبشير، وإنشاء جمعية للدفاع عن القرآن الكريم، والقراءة الجماعية للقرآن في عموم المساجد.

 

الاكتفاء بالحوار والتعاون
مع نهاية الحرب العالمية الثانية واقتراب ساعة الاستقلال، ركزت الكنيسة الاستعمارية بالمغرب على حفظ تدين الفرنسيين وعموم الأوروبيين بدل السعي إلى تنصير المغاربة.

"
مع نهاية الحرب العالمية الثانية واقتراب ساعة الاستقلال ورحيل الاستعمار من المغرب تحولت الكنيسة من موقف الدعوة إلى التنصير إلى موقف الحوار والتعاون، وظل هذا الموقف هو السائد إلى غاية الإعلان عن استقلال المغرب
"

وتحولت بموجب ذلك من موقف الدعوة إلى موقف الحوار والتعاون، وظل هذا الموقف هو السائد إلى غاية الإعلان عن استقلال المغرب. وابتدأ العمل بهذا التوجه مع تعيين أسقف جديد عقب وفاة الأسقف السابق.

وشعرت الكنيسة، عند اقتراب لحظة الاستقلال أن موقفها حرج للغاية، وأن الزمان قد استدار دورته، فكان لزاما عليها التخلص من صورة الكنيسة المتحالفة مع الاستعمار، والانحياز لمطالب المغرب، بل والتنكر للإمبريالية والاستعمار، حتى لقب الأسقف الجديد عند مناوئيه بـ"الأسقف الأحمر".

 

ثم دخل على الخط بعد ذلك مسيحيون "لائيكيون" مستقلون لتحسين الصورة وترسيخ الخيار الجديد. ويقدم المؤلفان أرقاما مهمة تظهر انكماش المؤسسات المسيحية وأفولها بالمغرب.

 

وعند المقارنة بين فترة رحيل الاستعمار وسنة 2005 ينطق المنحنى البياني بلغة الحساب أن التنصير الفرنسي صار في خبر كان: في عام 1965 كان عدد الرهبان 259، وعدد الراهبات 546، وفي عام 1985 انحدر العدد إلى 97 بالنسبة للرهبان و223 بالنسبة للراهبات، ثم يزداد انحدارا سنة 2005 ليصبح الرهبان 58 والراهبات 150.

 

خاتمة
لا يغفل المؤلفان الحديث عن الوضع الحالي للمؤسسات المسيحية بالمغرب، والمناخ الديني العالمي وتأثيره عليها، خاصة بعد انفتاح شهية الإنجيليين الأميركيين لتأسيس مملكة الرب العالمية، وزرع خلايا بروتستانتية في كل بقاع العالم، وطرقهم لأبواب المغرب بمختلف الوسائل والضغوط الممكنة، ويخصصان الصفحات الأخيرة من الكتاب القيم لهذا الأمر، قبل تسليم القارئ للملاحق الهامة المؤيدة للفصول السابقة.

 

لكن القارئ العربي والمغربي سوف ينهي اطلاعه على محتويات الكتاب بشيء من الحسرة المقرونة بالتساؤل عن الكتابة عن موضوع على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية باللغة الفرنسية، فيا ليته كتب باللغة العربية ليحقق أكبر قدر من تعميم المعرفة بفترات خطيرة من تاريخ المغرب تعرضت فيها هويتهم الدينية للتهديد المباشر طيلة عقود الاستعمار، لتخرج في النهاية سليمة من التنصير، بل منتصرة عليه حتى في ظل الاحتلال العسكري باعتناق عدد من المسيحيين القادمين مع المحتلين للدين الحنيف.

وأعتقد أن هذا موضوع يستحق التنقيب والتأريخ لما فيه من دروس وعبر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة