من أجل تاريخ فرنسي جزائري   
الأربعاء 1433/2/24 هـ - الموافق 18/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:15 (مكة المكرمة)، 13:15 (غرينتش)

عرض/ سكينة بوشلوح

لا يزال تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر يثير نقاشات حادة على المستويين الوطني والدولي، ذلك أن تصفيته تمت بالدم والحروب والآلام وهروب الأقدام السوداء، مما طبع مقاربات هذا التاريخ بالحقد والمرارة والضغينة والإيهام والمغالطة من خلال محاولة تشويه الأبحاث التاريخية التي تمت منذ أواسط القرن العشرين في فرنسا وخارجها.

تندرج هذه المحاولات التي لم تكلف نفسها الرجوع إلى الأرشيف في تيار شاذ يريد أصحابه عرض صورة للجزائر المستعمرة ساد فيها نوع من الأخوة والوفاق الجميل بين مختلف فئات المجتمع الكولونيالي، وبتواز تام تسمع في الضفة الأخرى للبحر المتوسط خطابا تضحويا يندد بسياسة الإبادة التي قامت بها فرنسا بالجزائر، خطابا لا يهمه إلا تصوير الطابع الشيطاني للاستعمار متغافلين في تحريرهم للمذكرات عن الوقائع المعيشة طيلة فترة الاستعمار.

وبعد مرور نصف قرن تقريبا على استقلال الجزائر، صار لزاما على المؤرخين أن يفرضوا أنفسهم، وما هذا المؤلف إلا تكريم للمؤرخين الفرنسيين الذين تجندوا ضد قانون 23 فبراير/شباط 2005 الذي أراد رد الاعتبار للاستعمار، فأجبروا حكومتهم على إلغاء بنوده المشينة مشجبين تدخل السلطة السياسية في العمل التاريخي.

وقد أفضى هذا التحرك إلى انعقاد ملتقى دولي في ليون في يونيو/حزيران 2006. ويعتبر هذا الكتاب محصلة منهجية للأعمال الكاملة التي نشرت عبر شبكة الإنترنت وقد شارك فيه مجموعة من المؤرخين الفرنسيين والجزائريين وآخرون من ألمانيا وإنجلترا وفلسطين، تحت إشراف المؤرخين الفرنسيين "فريديرك أبيكاسيس" و"جيلبار مينيي" وترجمة خولة طالب الإبراهيمي.

-الكتاب: من أجل تاريخ فرنسي جزائري
-المؤلف: فريديريك آبيكاسيس وجيلبار مينيي
-ترجمة: خولة طالب الإبراهيمي
-عدد الصفحات: 224
-الناشر: إيناس, الجزائر
-الطبعة الأولى: 2011

صراع الذاكرات المتناقضة
تم نشر هذا الكتاب في سياق سياسي جديد يهدف إلى إنشاء مؤسسة لتاريخ حرب الجزائر، فالموضوع حساس تتصارع فيه جماعات الذاكرة المختلفة والمتناقضة ضمن الضغوط الصادرة من ضفتي المتوسط رغبة في إثبات جوانب من المعرفة التاريخية المشتركة.

لا يشك أحد في مركزية المسألة الفرنسية الجزائرية لثقل الماضي الكولونيالي والحاضر المتداعي وآثارهما على بناء الجزائر وفرنسا معا حسب جون روبار هافري.

فقد اعتبر فرنسا أول وأكثر البلدان المتضررة من انعكاسات العنف في الجزائر إبان العشرية السوداء، من خلال التنامي المتزايد لظاهرة الهجرة ومكانة الإسلام الذي صار الديانة الثانية في فرنسا دون إهمال قضية الحركى والأقدام السود.

"
تسببت حرب الجزائر في عدة أزمات للأمة الفرنسية لذلك تحول الرأي العام الفرنسي الذي كان في البداية مع فرنسة الجزائر إلى تأييد الاستقلال عندما شعر أنه مهدد في وحدته وسلمه
"

فبالعودة إلى التاريخ، تسببت حرب الجزائر في عدة أزمات للأمة الفرنسية لذلك تحول الرأي العام الفرنسي الذي كان في البداية مع فرنسة الجزائر إلى تأييد الاستقلال عندما شعر أنه مهدد في وحدته وسلمه، وبدأت مناهضة الحرب من خلال رفض الأمهات تجنيد أولادهن وقد حمل مشعلها الحزب الشيوعي الفرنسي، ويسجل المؤرخ البريطاني "جوليان جاكسون" أن الآراء حول ما كان يعتقده الجنرال الفرنسي "ديغول" متباينة إلى حد الآن بين مؤمن بالجزائر الفرنسية، ومقتنع بحتمية الاستقلال، والرأي الأرجح أن فكره تطور بفعل الحقائق على أرض الواقع وقد لاحظ تطور العالم وحتمية تصفية الاستعمار وأن مستقبل فرنسا في أوروبا وقد أمل في تخصيص وضع خاص للصحراء لأسباب طاقوية وعسكرية وذرية، إلا أن هذا الهدف صعب تحقيقه والدفاع عنه أثناء المفاوضات مع الجبهة التي اعتبرت تراب الجزائر لا يقبل التجزئة. 

ويشير المؤرخون الإنجليز إلى أن مأساة 11أكتوبر/تشرين الأول 1961 همّشت وظلت عالقة في أذهان الرأي العام باللامبالاة بل بالعداء ضد الجزائريين، وبالفعل فقد لعب اغتيال عناصر الشرطة الفرنسية في باريس دورا في ذلك، إلا أن العنف كان موجودا بصفة هيكلية في تاريخ دام أكثر من قرن فينبغي على المؤرخين أن يؤرخوا للذاكرة الفرنسية بمساءلة مناضلي اليسار والمغتربين الجزائريين الشهود، مشيرين إلى أن هذه الأحداث اندرجت في إطار الصراعات حول السلطة في إطار تقلبات المفاوضات الجزائرية الفرنسية، وقد ظلت ممارسات التعذيب والتقتيل والاغتصاب مسكوت عنها وهي مورطة للجيش، ليطرح "عبد الحفيظ حمّوش" السؤال المحوري "هل يخدم الكلام عن التعذيب والتنديد به العلاقات الجزائرية الفرنسية؟" ليجيب بالإيجاب إذا لم يحصر في حسابات السلطات ويساهم في إيقاظ الضمائر لدى الأجيال المتصاعدة المتحررة من هواجس فترة 1954-1962 خاصة بالنسبة للمرحلين من الجزائر وأبنائهم الذين أصبحوا فرنسيين إذ إن إعادة تجديد الرمزية بالتباهي بالذات تساعد على تأكيد التشارك في الهوية والمساواة بين أبناء المغتربين والفرنسيين الآخرين.

غير أن عدد الجزائريين الذين أدلوا بشهاداتهم عن الحرب في المهجر قليل لأن البوح بالآلام يقتضي سباقا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا معينا ورغم العوائق فقد فرض اللجوء إلى التاريخ الشفهي نفسه، بفضل تحريات" Jean-Luc Einaudi" وباحثين جزائريين اتسعت دائرة الشهادات وتغير النظر إليها سياسيا وإعلاميا على العكس مع قضية الحركى فقد سيطر عليها فضاء الذاكرة، وحال دون قيام الدراسة التاريخية لوضعيتهم أثناء الحرب، ويذكر المؤرخ "Hautreux" أن الوطنية عندهم مجهولة لأنهم  محاربون تخلت عنهم السلطات الفرنسية، أما بالنسبة للحكام الجزائريين فلم يكونوا إلا خونة.

"
عدد الجزائريين الذين أدلوا بشهاداتهم عن الحرب في المهجر قليل لأن البوح بالآلام يقتضي سباقا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا
"

وقد هيمنت على دخولهم المجال التاريخي مسألة المجازر التي اقترفت ضدهم في 1962، وما زالت قضية الحركى مطروحة تتلاعب بها السلطات السياسية وحاملو الذاكرة في الجزائر وفرنسا.

أما الأقدام السود فبعد العودة إلى فرنسا صاروا فرنسيي الجزائر ورسميا مرجعين فلم يستقبلوا بالترحيب في كثير من الأحيان وصاروا كبش الفداء لتلك الحرب القاسية ولم يقبل العديد منهم هذا الانتقال المزدوج وصاروا يتحججون بهذا الاستئصال للمطالبة بالتعويضات.
  
خرافة الاستعمار الإيجابي
يرى المؤلف أن الأقدام السود ولسنوات طويلة غذوا من خلال الذاكرة المهيمنة للمجموعة تاريخا مضادا لتبرير تاريخ الفشل، ورفض نهاية الجزائر الفرنسية استعملوا السباق الذاكري العام الذي أكد منذ التسعينيات على الضحايا ليطلبوا إعادة قراءة التاريخ حتى يأخذ ذاكرتهم بعين الاعتبار، ومن أجل ذلك اعتمدوا على لوبيهات ناشطة من المجموعات والرجالات السياسية، وعلى التشريع الذي جعل منذ التسعينيات من الذاكرة قاعدة للقانون وقد عملت مداخلة "Guy Pervillé" على إعادة قراءة عميقة للسياسات الذاكرية للبلدين اتسمت بالتناقض، صمت حول حرب الجزائر في فرنسا واحتفاء مبالغ فيه لحرب التحرير في الجزائر.

وقد برز عند الجزائريين مطلب قوي تجاه السلطات الفرنسية للاعتراف بقمع انتفاضة مايو/أيار1945 بصفتها جريمة ضد الإنسانية للاعتذار يندرج في إطار دأبت فيه الدولة الفرنسية على مجموعة من الاعترافات خاصة تجاه اليهود وتوقيفهم أثناء الحرب العالمية الثانية.

وباستقرائه لمجموع السياق التشريعي بيّن المؤرخ كيف أن قانون فبراير/شباط 2005 يمكن ترشيحه من خلال مشروع اتفاقية الصداقة الفرنسية الجزائرية، وحسب "T.Le Bars" فهناك قوانين لها بعد رمزي مثل القانون الذي اعترف بحرب الجزائر في 1999 كذلك قانون 2001 الذي يقر أن الاستعباد جريمة ضد الإنسانية ما دام الذين اقترفوا هذه الجرائم أمواتا لا يمكن ملاحقتهم، في المقابل استجابت هذه القوانين إلى مطلب اجتماعي قوي حول الإبادة الأرمينية من قبل السلطة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى.

"
أظهرت التحريات الحديثة للمعهد الوطني للبحث التربوي الفرنسي أن المجتمع الفرنسي يجد صعوبة في تحمل تاريخه الاستعماري
"

ومن هنا ينشأ تاريخ رسمي يعد تدخلا ساخرا للسياسة في الميدان العلمي وقانون23/02/2005 يقضي بعرفان الأمة لفائدة الذين ساهموا في إنجازات فرنسا في كل الأقاليم التي كانت تحت سيادتها، فكان محررو البند الرابع لهذا القانون يفكرون في المستشفيات والمدارس والسكك الحديدية ويعتبرونها جوانب إيجابية فتحت باب العصرنة في الجزائر، وبذلك فهو يحمل بعدا معياريا يفرض على البحث والتعليم الأخذ بعين الاعتبار مضمون خاص وفرض تاريخ رسمي ولم يكتف بالحديث فيه مثلما هي الحال بالنسبة للاستعباد بل ينص كيف ينبغي الحديث عنه، وتلك هي الأسباب التي وقفت وراء إلغاء هذا البند المجرم بعد الحملة القوية التي قادها المؤرخون مع الرأي العام.

كما أظهرت التحريات الحديثة للمعهد الوطني للبحث التربوي الفرنسي أن المجتمع الفرنسي يجد صعوبة في تحمل تاريخه الاستعماري إذ ينبغي على المعلمين أن يدرسوا جوانب متنازعة للاستعمار غير المناسبة لمبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان.

القضية الوطنية رهانات وصراعات
لا يختلف اثنان في أن للجزائر أصولا تاريخية قديمة فهو بلد غني بتنوعه الثقافي لكن التاريخ الرسمي المكتوب بكثير من الإجحاف يتغافل عن جوانب كاملة من هذا الماضي العريق، واعتبرها المؤرخ "مصطفى حدّاد" من البلدان القليلة التي تعيش علاقة صعبة مع ماضيها القريب والبعيد. 

ويبدو أن فرنسا خدمت الجزائر من حيث لا تشعر حين منحت الجنسية الفرنسية بصفة جماعية لليهود سنة 1870 فحرمت الجزائر من إحدى أقلياتها الدينية والثقافية حسب تصريح "R. Ayoun"، وبعبارة أخرى يكون الاستعمار قد افتتح سياسة تحويل الهوية الجزائرية.

في تحرك مشروع ولكن غير مناسب لاسترجاع الهوية أعلنت جبهة التحرير الوطني منذ الاستقلال أن العربية هي اللغة الوطنية والرسمية والإسلام دين الدولة، ولعل حدة السجال التي أثارتها قضايا اللغة ودور الإسلام ومكانة الأمازيغية في المؤسسات ترفع الستار عن الصعوبة التي يجدها المجتمع لتقبل نفسه،  ويشير "Grand guillaume" إلى الصعوبة التي تجدها الجزائر لتمتلك نفسها بنفسها.

يترجم هذا القلق العميق وضعية ثقافية هي نتاج تاريخ مضطرب، ثم جاءت دولة ما بعد الاستعمار ببناء مركب غير منسجم نتيجة مرجعيات محلية وأخرى غربية، وقد تجسد التعبير السياسي والثقافي لهذا المزج ضمن الحركة الوطنية -التيار المهيمن في الثلاثينيات والأربعينات- وبذلك صارت الوطنية الجزائرية مثلما يقول علي الكنز في نفس الوقت عروبية إسلاموية واشتراكية علمانية، فكانت موضوع نزاع دائم لأنها مركبة من عناصر منطبقة على بعضها دون الانصهار.

لتطرح إشكالية مؤسساتية أساسية هي إشكالية إنشاء الدولة الجزائرية التي طال انتظارها وقد دعم الإرث الفرنسي المطبوع بتقاليد يعقوبية بناء متمركزا بقوة في الدولة الناشئة، كما قويت نظم ومشاكل الدولة الفرنسية المنقولة للجزائر بممارسات القادة الجدد التي تمجد الوحدة. 

ومن هنا لاحظ المؤرخون حذرا كبيرا لدى المواطنين تجاه الدولة نتيجة للاستعمارات المتتالية التي عرفتها الجزائر ونظرا لعدم تمكنها من الاستقرار والتنظيم من الدولة البيلك غير العادلة مرورا بالدولة الكولونيالية المغتصبة إلى الدولة الطاغية والاستبدادية لما بعد الاستقلال.

"
دفن التاريخ الذي يتمثل في رفض السلطة الجزائرية الحالية لإظهار الجرائم المرتكبة وتقديم مرتكبيها أمام عدالة حفيقية قد يتسبب في ظهور أشكال جديدة للعنف وانقسام أكثر حدة في مجتمع عانى الكثير
"

كل هذه النظم شوهت صورة الدولة وواجباتها في خدمة الصالح العام وقد جاءت مداخلة "W. Rwf" على شكل محصلة لتؤكد على التناقض بين الشعب والدولة في الجزائر المستقلة إذ لم يتم الاستيلاء الحقيقي على السلطة من قبل كل قوى الحركة الوطنية وإنما من قبل أحد ٌقطاعاتها أي جيش الحدود والأركان العامة بإنشاء نظام الحزب الواحد تحت هيمنة جيش التحرير الوطني ولهذا الاستيلاء آثار بينة في بناء تاريخ محزب يهدف إلى إثبات شرعية المجموعة الحاكمة وفي نفس الوقت إلى إنتاج صورة موحدة لشعب يمشي وراء قيادته كرجل واحد.

لم يأخذ هذا التاريخ بعين الاعتبار التيارات المختلفة التي كونت الجبهة والقوى الاجتماعية التي لم تنظم إليها، ذلك هو الميزان الذي تقاس به نقائص النظام الجزائري الحالي لأن بناء الهوية للأمة الجزائرية لم ينبع من الشعب إثر نقاش حر بل من نظام أوتوقراطي لم يستول على الحكم وعلى وسائل الإنتاج فحسب بل كذلك على إنتاج ذاكرة في تناقض تام مع الحقيقة والماضي الذي عاشه الجزائريون بأنفسهم.

إن دفن التاريخ الذي يتمثل في رفض السلطة الحالية لإظهار الجرائم المرتكبة وتقديم مرتكبيها أمام عدالة حفيقية قد يتسبب في ظهور أشكال جديدة للعنف وانقسام أكثر حدة في مجتمع عانى الكثير. فهل يصل المؤرخون الجزائريون والفرنسيون إلى كتاب مشترك لتاريخ بلا حدود؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة