الحرب السابعة   
الثلاثاء 22/5/1426 هـ - الموافق 28/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 2:28 (مكة المكرمة)، 23:28 (غرينتش)

عرض/ نزار رمضان
يشكل كتاب الحرب السابعة قراءة متأنية للواقع الإسرائيلي خلال انتفاضة الأقصى التي أطلق عليها المؤلفان "الحرب السابعة" وجاءت عقب حروب رسمية خمس إضافة إلى الانتفاضة الأولى التي اعتبرها حربا سادسة.

فالحرب الأولى في نظر المؤلفين وهما عموس هرئيل وآفي يسسخروف هي حرب العام 1948 التي يطلق عليها الإسرائيليون "حرب الاستقلال"، والحرب الثانية عام 1956 إبان العدوان الثلاثي على مصر، أما الثالثة فهي حرب العام 1967، والرابعة حرب العام 1973، ثم الحرب الخامسة وهي اجتياح بيروت عام 1982.

-الكتاب: الحرب السابعة.. كيف انتصرنا ولماذا خسرنا في الحرب مع الفلسطينيين؟
-المؤلف: عموس هرئيل وآفي يسسخروف
-عدد الصفحات: 400
-الطبعة:
الأولى/2005
-الناشر: دار يديعوت أحرونوت/ تل أبيب

الحروب السبع
واعتبر الكاتبان الانتفاضة الأولى بمثابة الحرب السادسة التي كانت بالنسبة للإسرائيليين حرب استنزاف مفتوحة، وجاءت انتفاضة الأقصى لتشكل الحرب السابعة التي أدت الى مقتل أكثر من ألف إسرائيلي حسب الكتاب حتى نهاية العام 2004، فيما قتل فيها نحو 2650 من الفلسطينيين حسب التاريخ نفسه.

الكتاب يكشف حقيقة الألم الذي عاشه الإسرائيليون خلال هذه الحروب خاصة خلال الانتفاضة التي يطلق عليها المؤلفان مصطلح "الحرب العشوائية"، هذه الحرب التي كان بمقدورها عقب كل إنذار ساخن أن تفرغ الشوارع الإسرائيلية من المارة والمتسوقين فغدت الحياة في إسرائيل أشبه بالجحيم كما يصف الكتاب، بل بات الإسرائيليون أنفسهم لا يعرفون ماذا سيجري خلال الـ24 ساعة القادمة.

فالإضرابات والتفجيرات والمظاهرات وإغلاق الشوارع والطرقات بل قنص الإسرائيليين في ذهابهم وإيابهم، بات الأمر شبه حالة دائمة يومية يصعب ضبطها، ما عرقل الحياة الاقتصادية والحركة السياحية في إسرائيل بل بات المواطن الإسرائيلي خلال هذه الحرب غير آمن على نفسه وأطفاله، وتبعثر كل شيء في إسرائيل جراء هذه الانتفاضة غير الواضحة في ملامحها ومستقبلها وأهدافها.

هذه الحرب غير الأخلاقية أدت إلى فضح إسرائيل.. هكذا قال جنود الاحتياط الذين خدموا نحو ثلاث سنوات في ظلها, حيث كانت تأتيهم قرارات قتل الأطفال والنساء من خلف الكواليس كما يكشف الكتاب, إنها حرب إبادة شاملة للإنسان والنبات والمزروعات والتراث، حرب لم يكن لها ضوابط جرى خلالها اغتيالات قيادات تاريخية وحصار ومذابح للمخيمات والتجمعات، كل ذلك كان يجري رغم اللقاءات السياسية المكولسة في تل أبيب وواشنطن والقاهرة والقدس.

المؤلفان يؤكدان أنه تم إجراء نحو 300 مقابلة مع شخصيات تتحمل المسؤولية في صنع قرار الحرب والسلام من الفلسطينيين والإسرائيليين والأميركان والأوروبيين والمصريين ومسؤولين في أجهزة الأمن المختلفة وقيادات في فصائل المقاومة وغيرهم كثير وقادة سجناء يقبعون في زنازينهم وغرفهم.

زيارة جبل الهيكل
"
الخطيئة التي ارتكبها شارون تمثلت في زيارته لمنطقة جبل الهيكل "باحة الحرم القدسي" حيث الحساسية المطلقة بالنسبة للمسلمين الفلسطينيين والمسلمين في العالم
"
في الفصل الأول من الكتاب يتحدث المؤلفان عن خطيئة شارون التي تمثلت في زيارته ودخوله إلى منطقة جبل الهيكل "باحة الحرم القدسي" حيث الحساسية المطلقة بالنسبة للمسلمين الفلسطينيين والمسلمين في العالم، نحو المكان وتجاه الزائر أيضا.

فالمكان بالنسبة للمسلمين مقدس ويفدونه بدمائهم كما يهتفون بذلك دوما، إضافة إلى أن شارون ليس إنسانا إسرائيليا عاديا، فهو بالنسبة للفلسطينيين جزار صبرا وشاتيلا وكذلك أحد الذين شاركوا في حروب الاستنزاف الدامية في الخمسينيات ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، فهو عدو الشعب الفلسطيني.

ورغم التحذيرات من قبل أجهزة الأمن والشرطة من انعكاسات هذا الحدث على الرأي العام العربي والإسلامي والدولي كان هناك إصرار من شارون وإقرار من باراك بالسماح له بهذه الزيارة التي سببت شلالا من الدماء.

نتائج الحدث أكدت أن المعركة ليست سياسية وإنما هي معركة ذات أبعاد أيديولوجية ولا زالت، ولهذا كانت الاستجابة سريعة ومفاجئة بالنسبة للمتأثرين من فعلة شارون، حيث انطلقت الانتفاضة التي يسميها الفلسطينيون انتفاضة الأقصى في الوقت التي يسميها الإسرائيليون حرب الإرهاب والقتل كما يصف المؤلفان.

انطلقت الانتفاضة في ظل وجود السلطة الفلسطينية التي يحمل أفرادها الأسلحة الرشاشة إضافة إلى أسلحة المنظمات الإسلامية الأخرى لا سيما حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، وتحولت الانتفاضة إلى حرب شوارع بالرشاشات والقذائف والصواريخ.

فلم تعد انتفاضة حجارة أو احتجاجات وتظاهرات، وإنما أصبحت حرب مواجهة دامية صباح مساء، ويشير الكتاب أن الجيش الإسرائيلي فقد السيطرة ودخلت الانتفاضة مرحلة التعادل في عمليات القتل وحصد الأرواح.

الوضع الاقتصادي
يتحدث الكتاب عن حقيقة اجتماعية سياسية، حيث الإحباط الذي حل بالفلسطينيين عقب توقيع اتفاق أوسلو وما نجم عنه من خيبة أمل بالسلطة الفلسطينية التي تميزت كما يصف المؤلفان بالفساد الاقتصادي والإداري. هذا الفساد الذي انتشر في الضفة والقطاع رغم حالة الفقر المؤلم الذي يعيشه الفلسطينيون في هذه المناطق.

يستعرض الكتاب حالة الفقر هذه بالأرقام، معتمدا في ذلك على إحصائية البنك الدولي التي تفيد بأن 24% من سكان قطاع غزة تحت خط الفقر حتى العام 2000م بينما اشتدت الحالة لتصل في ظل السلطة إلى 50% عام 2004م، فيما يصل دخل الفرد اليومي إلى دولارين.

وكذا الحال في الضفة الغربية التي تقطعت أوصالها في ظل الانتفاضة، حيث يشير الكاتبان إلى أن نسبة الفقر ما قبل السلطة كانت تشكل حسب إحصاءات البنك الدولي 18% تحت مستوى خط الفقر، ولكنها ارتفعت حتى نهاية العام 2004 لتصل إلى 38%.

التحول نحو المقاومة
"
بعد تطور انتفاضة الأقصى وجدت حركة فتح نفسها محرجة أمام مقاومة الفصائل الأخرى، الأمر الذي قد يسبب لها خسارة كبيرة على الصعيد السياسي والجماهيري، فقامت بتأسيس كتائب شهداء الأقصى بعد شهر من الانتفاضة
"
يرى المؤلفان عموس هرئيل وآفي يسسخروف أن أبرز ما ميز انتفاضة الأقصى عن غيرها مشاركة كل الفصائل المعارضة والمؤيدة لاتفاق أوسلو، وكان في مقدمة هذه الفصائل حركة فتح صاحبة مشروع (اتفاق أوسلو) التي اعترفت بإسرائيل ووقعت اتفاق المبادئ معها من خلال منظمة التحرير الفلسطينية التي تخلت عن المقاومة أيضا.

بعد تطور انتفاضة الأقصى وجدت حركة فتح نفسها محرجة أمام مقاومة الفصائل الأخرى، ما قد يسبب لها خسارة كبيرة على الصعيد السياسي والجماهيري، فقامت بتأسيس كتائب شهداء الأقصى التي ولدت بعد شهر من انتفاضة الأقصى يوم الاثنين 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2000م.

ويمكن التأريخ لذلك بقيام مهند أبو حلوة أحد أعضاء حركة فتح وأحد أفراد قوات الـ17 المعروفة بحرس الرئاسة باقتحم مكاتب التأمين الوطني في مدينة القدس حيث أطلق النار على حارس إسرائيلي وأرداه قتيلا وأصاب آخر بجروح خطيرة، حيث عاد إلى رام الله واتصل بـ"عبد الكريم عويس" أحد قيادات فتح وتم الاتفاق على البدء بالعمل العسكري الفتحاوي وأعلن عن ولادة كتائب شهداء الأقصى.

وأبرز الكتاب قصة التنافس بين فصائل المقاومة الإسلامية والوطنية نحو العمليات العسكرية ضد إسرائيل، خاصة تلك التي أيدت اتفاق أوسلو, حيث قام رجال أمن فلسطينيون كانوا يعملون في أجهزة الأمن (قوات الـ17 وجهاز الأمن الوقائي والمخابرات العامة) بعمليات انتحارية داخل المستوطنات وبعض المواقع العسكرية الإسرائيلية.

وخلال الاشتباكات مع الجيش الإسرائيلي شاركوا بإطلاق النار على الجيش من خلال أسلحة رشاشة دخلت المناطق الفلسطينية بإذن وموافقة إسرائيلية، وأصبحت أجهزة الأمن الفلسطينية التي كانت تعتقل رجال حماس والجهاد الذين يقاومون إسرائيل تعمل معهم وتخطط عمليات قتل مشتركة ضد الإسرائيليين.

فكانت هذه أخطر نقطة تحول في سنوات الحرب السابعة، ولم يعد هناك مؤيد أو مدافع عن أوسلو، وإنما أصبح الجميع، اليسار واليمين ضمن معسكر العداء لاتفاق أوسلو والمفاوضات مع إسرائيل.

ويشير الكاتبان إلى أن وتيرة العمليات العسكرية في هذه المرحلة ارتفعت خاصة عام 2002م ، حيث بلغ عدد القتلى من اليهود في شهر واحد 133 قتيلا وعاشت المدن الإسرائيلية حالة من الرعب الشديد فأصبحت مراكز المدن في القدس وتل أبيب وحيفا كأنها مدن أشباح.

تصعيد الاغتيالات
"
إسرائيل أوغلت في سياسة القتل ظنا منها أنها ستنهي الانتفاضة، وتنهي بعض التنظيمات إلى الأبد لكنها وجدت أنها فشلت وأن بعض التنظيمات الكبيرة مثل الكائن الخرافي إذا قطع رأسه نبت له أكثر من رأس
"
في ظل هذا التصعيد ارتفعت وتيرة الاغتيالات وقامت طائرات الأباتشي باغتيال قيادات بارزة في فصائل المقاومة من جميع الأطراف، ولم يستثن أحد فالكل أصبح هدفا، فقد اغتيل رائد الكرمي أحد أبرز قادة كتائب شهداء الأقصى وكذلك اغتيال أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كما اغتيل قادة كبار في حركة حماس كان على رأسهم الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والدكتور إبراهيم المقادمة وصلاح شحاده مسؤول حماس العسكري إضافة إلى العشرات من القادة البارزين في حماس.

ويرى المؤلفان أن إسرائيل أوغلت في سياسة القتل ظنا منها أنها ستنهي الانتفاضة، وتنهي بعض التنظيمات إلى الأبد لكنها وجدت أنها فشلت وأن بعض التنظيمات الكبيرة مثل الكائن الخرافي، إذا قطع رأسه نبت له أكثر من رأس.

وزادت نسبة الإقبال على المنظمات العسكرية التي تقوم بعمليات انتحارية ضد إسرائيل، فلم تجد سياسة الاغتيال نفعا بل أججت الشارع الفلسطيني ضد إسرائيل.

وينقل المؤلفان مدى تنامي شعبية حماس التي فقدت العديد من قياداتها من خلال استطلاع أجرته جامعة بيرزيت، حيث يقول الاستطلاع إن نسبة التأييد لحماس خلال العام 2000م كانت 16% في ما ارتفعت عام 2004م لتصل إلى 32%.

فيما نقل المؤلفان معطيات للاستطلاع أجراه مركزا القدس للإعلام والاتصال الذي يشرف عليه الدكتور غسان الخطيب والمركز الفلسطيني للاستطلاع والدراسات السياسية الذي يشرف عليه الدكتور خليل الشقاقي أن نسبة المؤيدين للعمليات الانتحارية وصلت إلى 70%.

الجدار الفاصل
"
الحرب السابعة كشف قصة الغلو في خدمة الجيش الإسرائيلي للمستوطنين القاطنين في المستوطنات وقرب التجمعات العربية، كما تعرض لحصار الرئيس ياسر عرفات بقليل من الأهمية، مصورا أن هذا الحصار كان مصطنعا شكليا
"
أبرز الكتاب قضية جديدة على إسرائيل كانت ولا زالت مثار خلاف بين اليمين واليسار، ألا وهي قضية الجدار الفاصل الذي ينظر إليه اليمينيون في إسرائيل نظرة حقد واشمئزاز.

هذا الجدار الذي يعتبرونه مخالفا دينيا لمعتقداتهم بالنسبة للأرض التي يرون أنها كلها لهم، منحهم الرب إياها حسب تعاليم التوارة، في الوقت الذي يرى فيه السياسيون مشروع انفصال جذري عن الفلسطينيين.

ويشير الكاتبان إلى أن مشروع الجدار شكل معركة مع الفلسطينيين حيث المظاهرات والاحتجاجات، إضافة الى رفع القضية إلى المحكمة الدولية في لاهاي، هذا الجدار الذي فصل الكثير من المناطق الفلسطينية بعضها عن بعض فكان كما يقول المؤلفان جزءا من سياسة العقاب الجماعي للفلسطينيين.

ورغم ذلك استمرت العمليات ودخول المنتحرين إلى المناطق الإسرائيلية، فلم يستطع الجدار أن يوقف هذه العمليات.

كتاب الحرب السابعة كشف قصة الغلو في خدمة الجيش الإسرائيلي للمستوطنين القاطنين في المستوطنات وبالقرب من التجمعات العربية، كما تعرض لحصار الرئيس ياسر عرفات بقليل من الأهمية، مصورا أن هذا الحصار كان مصطنعا شكليا، حيث كانت إسرائيل تسمح لكل دبلوماسيي الدول العربية والغربية بالوصول إلى عرفات بسهولة.

الكاتبان يشيران إلى التأثر الكبير في الاقتصاد الإسرائيلي والحياة الإسرائيلية لا سيما السياحة والهجرة والاستثمار، إلا أنهما لم يتعرضا لحقائق رقمية مع كونهما يقران بأن هذه الحرب المسماة بالسابعة أرهقت إسرائيل دولة ومواطنين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة