إعادة استكشاف العثمانيين   
الاثنين 1433/11/23 هـ - الموافق 8/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:35 (مكة المكرمة)، 8:35 (غرينتش)

عرض/ محمد تركي الربيعو

شهد الحقل التاريخي العثماني في الساحة العربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بروز تيار جديد في ساحتي الترجمة والكتابة التاريخية، أخذ يعد لقطيعة معرفية مع الرؤى القومية واليسارية السائدة في حقلنا التاريخي -خاصة الجانب المشرقي- والتي لم يتقشر جلد بعض نخبها الأيديولوجي إلى الآن، والتي بات العديد من شيوخها خبراء في إساءة فهم وتفسير التاريخ العثماني والإسلامي بشكل عام.

ولعل ثراء طروحات هذا التيار الجديد يعزى إلى نفض الغبار عن الأرشيف العثماني الغني بسجلاته وتفاصيله، وإلى التأثر الملحوظ بنهج مدرسة الحوليات، ما ساهم بالتعرف على فضاء عثماني غني بقيت عيون "الحداثة العربية المعطوبة" مصابة تجاهه بالحسر (قصر النظر) وذلك من خلال عنادها المستمر على أن تبقى شاهد زور على تاريخنا الإسلامي في القرون الأخيرة بوصفه تراثا راكدا، متخلفا تقليديا حتى جاء الغرب مع مطلع القرن التاسع عشر لينتشله من غفوته.

-الكتاب: إعادة استكشاف العثمانيين
-الكاتب: إيلبير أورتايلي
-المترجم: بسام شيحا
-عدد الصفحات: 215
-الناشر: الدار العربية للعلوم, وزارة الثقافة التركية
-الطبعة: الأولى/2012

وما يفاقم من حالة الشجون تجاه ما خضع له التاريخ الإسلامي من محاكمة وتأديب، ومن ترديد لمقولات الاستشراق التقليدية. في أن هذا العجز عن إعادة اكتشاف الشخصية التاريخية المسلمة لم يكن مقتصرا على أبناء التيارات التي تنعت نفسها بـ"العقلانية" والتي لا ترى أي أفق للحداثة خارج سياق القطيعة مع تاريخنا وتراثنا "العتيق" على حد تعبيرها.

فما يزال التيار الإسلامي بكافة توجهاته غير قادر على التأسيس لأي مدرسة جديدة تسعى للاستفادة من الأدوات الحديثة في حقل العلوم الإنسانية، بما يؤسس لتاريخ ثقافي واجتماعي بات من أولويات أي نوايا صادقة وحقيقة لفكرة إحياء مشروع إسلامي جديد.

ولذلك ضمن هذه الجهود تأتي ترجمة كتاب المؤرخ التركي إيلبير أورتايلي الذي يعد من أهم المؤرخين الموجودين حاليا والساعين إلى كتابة تاريخ جديد للدولة العثمانية. وقد صدرت له عدة دراسات في هذا الشأن كانت حصة المكتبة العربية منها قليلة. حيث لم تترجم إلا دراسته عن (الخلافة العثمانية في القرن التاسع عشر) والتي حاول من خلالها تتبع وتقديم قراءة لواقع النخب البيروقراطية الجديدة للسلطنة في عهد التنظيمات العثمانية.

وبرأينا فإن أورتايلي قد أبدى تأثرا ملحوظا آنذاك بأستاذه عالم العثمانيات المعروف خليل إينالجيك وبتقسيماته للحقب العثمانية.

حيث كان يرى -إينالجيك- في مرحلة السبعينيات من القرن المنصرم بأنه مع نهاية القرن السادس عشر لم يعد يغدو التاريخ العثماني سوى سرد لوقائع وأشكال من الحكم والعلوم الدينية التقليدية التي عفا عليها الزمن.

لكن سرعان ما أعاد النظر بهذه الرؤية بعدها بسنوات، من خلال إشرافه على مجلدين ضخمين لدراسة القرون الأخيرة من عمر السلطنة والتي نظر لها بوصفها تمثل حالة من الجمود. وذلك من خلال إعادة تقميش جديدة للوثائق المسكوت عنها في سجلات المحاكم الشرعية والمتعلقة بالمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتلك الحقبة.

وربما هذا ما شهده الخطاب التاريخي لأورتايلي من تحولات معرفية، حيث تأثر في بداية مشواره البحثي ورسالته للدكتوراه السالفة الذكر ببعض الحتميات الحداثوية الغربية، دون أن ينجر لبعض الترهات التي وقع في شباكها العديد من الباحثين والمؤرخين العرب. من خلال تأكيده على أن حداثة القرن التاسع عشر لم تأت من مجرد ضغط العالم الخارجي المتغير فقط، بل كانت تعبر عن وعي ذاتي من قبل الكائن العثماني تجاه الحقبة الزمنية وتغيرات العالم المحيط به.

لكن رغم هذا الاستدراك المهم بقيت رؤيته ترزح تحت وطأة سوسيولوجيا تاريخية مغايرة تسعى لإحصاء العدد الأكبر من السمات التي تؤسس للحداثة والتي تمثل امتدادا للمعمول به في المجتمعات الغربية، هذا دون أن يعي ذلك من قبلنا إمكانية إغفال هذا التصور إغفالا تاما.

لكن ما يبدو عليه أورتايلي في كتابه الجديد مسعاه لإعادة تصحيح مسار قراءته للحداثة العثمانية، من خلال إدراكه كما نعتقد في أن حكاية الحداثة الغربية أو إعادة سردها لا تمنع من مواجهة تمددها أو بالأحرى إعادة تكونها وتشكلها خارج العالم الغربي، بما يؤسس لرؤية جديدة للحداثة تتجاوز الإغراق في المقولات الثقافية المطلقة وقوانين التطور الحتمية.
ولذلك كثيرا ما يتساءل في الكتاب وبنوع من الحسرة والقلق، ما إذا كنا نفعل الصواب بمواصلة السير على الطريق الذي نتبعه في هندستنا الاجتماعية والعائلية، وفي طمس إرث كبير من تراثنا وتقاليدنا وعاداتنا الاجتماعية بدعوى الحداثة.

العائلة العثمانية أبوية التكوين، ولهذا السبب كانت الدولة تسجل الأب والأبناء الذكور فقط على لائحة دافعي الضرائب، وهذا كان ينطبق على أتباع جميع الأديان وليس على المسلمين فقط

العائلة العثمانية
كانت مناطق الاستيطان البشري في السلطنة متنوعة إلى حد بعيد ، من الصحراء العربية بقبائلها العديدة، إلى المدن الواقعة على ساحل البلقان، إلى عاصمة عالم بأكمله مثل إسطنبول. ونظرا لهذا التنوع، فمن الطبيعي أن يكون الناس واقعين تحت رحمة بنى اجتماعية شديدة الاختلاف وأن تظهر مروحة واسعة من التشكيلات الاجتماعية. مع ذلك فقد كان هناك تماثل كبير ضمن هذا المجتمع فيما يتعلق بالعائلة، حيث كانت العائلة العثمانية تملك قوانينها الخاصة بها.

فالعائلة العثمانية أبوية التكوين، ولهذا السبب كانت الدولة تسجل الأب والأبناء الذكور فقط على لائحة دافعي الضرائب، وهذا كان ينطبق على أتباع جميع الأديان وليس على المسلمين فقط.

أما فيما يتعلق بمكانة المرأة العثمانية والتي ظهر بخصوصها العديد من النظريات المشكوك بصحتها، والتي يعزوها الكاتب بحكم سوء فهم المصادر العثمانية أو مجرد ردود أفعال متحيزة.

ومن هذه الأفكار غير الصحيحة، فكرة المرأة الحبيسة. في حين كانت النساء تخرجن من المنزل وتظهرن في الأماكن العلنية. ورغم وجود استثناءات وحساسيات محلية معينة، إلا أن النساء كانت في العادة تخرجن إلى الأسواق، وخاصة في إسطنبول والمدن الرئيسية الأخرى في السلطنة.

كما كانت العائلة هي المدرسة الحقيقية في المجتمع العثماني، بما أنها كانت المكان الذي يربى فيه الصغار، بفضل ومساعدة الجيل الثالث (الأجداد) بالطبع. وكانت العائلة تمثل وحدة إنتاج بصورة أساسية وهذا كان ينطبق على سكان المدن أيضا. فقد كان الحرفيون في البازار يدربون أقرباءهم أو أشخاصا يعرفونهم من مسقط رأسهم، ولهذا السبب لم تكن المهن في المجتمعات القديمة كالمجتمع العثماني، أماكن يجتمع فيها الناس بالمصادفة. ومع ازدياد استخدام الناس لأقربائهم كمتدربين أو مساعدين، أصبحت المهن تكتسب صفة عرقية أو مذهبية.

وقد بدأت العائلة العثمانية بالتغير في مرحلة الإصلاح الحكومي والإداري التي تعرف بمرحلة التنظيمات العثمانية، ولم يتضمن هذا التغير الانتقال نحو نموذج العائلة الصغرى فقط، بل شهد تحولا في الأوضاع الاقتصادية ضمن العائلة أيضا. فبدأت النساء تدريجيا بالمشاركة في الحياة الاجتماعية، وتعلمن وأصبحن مدرسات وبعد ذلك ساهمن في ميادين أخرى في الحياة العامة.

وبالنسبة إلى العائلة العثمانية كان الطلاق يمثل أبغض الإجراءات القانونية. إذ تبين العديد من وئائق السجلات الشرعية قدرة المرأة وحقها في طلب الطلاق، وفي الحصول في حالات عديدة على حق العصمة الذي كان يخولهن تطليق أزواجهن.

المطبخ العثماني
ظل تاريخ الغذاء من الحقول الدراسية المغمورة في البلدان العثمانية، بسبب ارتباطه بالتاريخ اليومي والمعتاد، وهو حقل شبه متروك لا يحظى إلا بالاهتمام من قبل رواد حقل الإنثربولوجيا التاريخية الذي تحظى برامجه وأدواته المعرفية بالاهتمام الكافي من قبل مؤسساتنا العلمية والبحثية.

ولعل العديد من القراء والمثقفين يعزفون عن هكذا نوع من الدراسات، في حين أثبتت بعض الدراسات المنجزة في هذا الشأن أن التجديد الغذائي في كل مكان وزمان يزودنا بمعطيات اقتصادية وثقافية وديموغرافية تعجز بعض المصادر على البوح بها.

وفي هذا الجانب بالذات أخذت العديد من مصادر السجلات الشرعية وسجلات المطابخ العثمانية، تزودنا بمعطيات وأسماء لمأكولات جديدة لم تكن موجودة في مراحل سابقة، حيث يشد انتباهنا مثلا في ولاية تونس العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر من خلال بحثنا في سجلات المخزن(الجمارك) استحضار أنواع جديدة من المواد الغذائية والسلع مثل "المعكرونة" ومعلبات الطماطم ما يدعو إلى التساؤل ما إذا بدأت تطرأ تغييرات على التقاليد الغذائية للمجتمع التونسي آنذاك، أم أنها كانت تشير إلى ازدياد توافد أفراد الجاليات الأجنبية في هذه الفترة تحديدا وخاصة الإيطالية بعد أن أصبح لهم نفوذ اقتصادي داخل الولاية.

وفي هذا الجانب يخصص أورتايلي فصلا عن المطبخ العثماني والذي نعزوه برأينا إلى إدراك المؤرخ بأن التاريخ الجديد هو ذاك التاريخ الذي يتنحى فيه التاريخ السياسي والاقتصادي لصالح التاريخ الثقافي.

ومن المغالطات التي نقابلها كثيرا اليوم كما يرى الكاتب المطابقة بين المطبخ التركي العثماني ومطبخ إسطنبول، إذ لا يمكن تحديد مطبخ عظيم بمأكولات مدينة أو عاصمة واحدة حتى لو كانت هذه المأكولات غنية ومتنوعة.

لذا فإن تنوع الذوق العثماني يعود بالأساس إلى دور الجماعات المتنوعة التي كانت تعيش في أرجاء السلطنة، والتي ساهمت في تشكيل عادات طهوية معينة مثل استخدام المربيات أو تخليل الخضراوات.

نظام التعليم العثماني للقصر الحاكم لم يكن مهتما بإنتاج طبقة نخبة ترتكز على الوراثة، بقدر اهتمامه باختيار ومن ثم تدريب شبان موهوبين يمكنهم تقديم الأفضل اعتمادا على إمكانياتهم

القسم الداخلي للقصر السلطاني
كان القسم الداخلي للقصر السلطاني هو المؤسسة التي تتدرب فيه الطبقة الحاكمة المستقبلية في السلطنة. وليس من الصعب رؤية خريجي القسم الداخلي -معظمهم جاؤوا من قرى نائية في البلقان والقوقاز- الذين كانوا يدربون ليصبحوا أعضاء في الطبقة العليا الحاكمة.

وبالتالي فإن ما يدهش بخصوص نظام التعليم العثماني للقصر الحاكم هو أنه لم يكن مهتما بإنتاج طبقة نخبة ترتكز على الوراثة، بقدر اهتمامه باختيار ومن ثم تدريب شبان موهوبين يمكنهم تقديم الأفضل اعتمادا على إمكانياتهم.

وفي هذا المعنى كان القسم الداخلي ظاهرة تاريخية فريدة، حيث تكتسب المراتب عبر العمل وتطوير الذات وبذل الجهد، ولذلك كانت السلطنة غالبا ما تدار من قبل أشخاص قادرين ما سمح لها أن تنمو وتتحسن وتمسك بمفاصل العالم الجغرافية لأكثر من أربعة قرون.

كتب الرحالة والسلطنة العثمانية
بحكم أن الكاتب من رواد "التاريخ الجديد العثماني" والذي يتميز بثراء مصادره وسجلاته، لذلك يشير في هذا الفصل إلى أحد المصادر الرئيسية للمعلومات والذي يكمن في كتابات الرحالة الأجانب والعثمانيين والتي يبلغ عددها في القرن التاسع عشر فقط حوالي خمسة آلاف كتاب.

ويشير الكاتب إلى صحة ودقة الرأي القائل بأن العديد من هؤلاء الرحالة كانوا كارهين للثقافة العثمانية، لكنه يؤكد من جانب آخر على أن هؤلاء الأشخاص عادة ما كانوا واسعي المعرفة ويتكلمون التركية، مما يفرض علينا أن لا نكتفي بتجاهل كتاباتهم.

لكن الأهم من هذه الأعمال تبقى -برأيه- هي كتابات الرحالة العثمانيين، وخاصة عندما نتمعن في الطريقة التي رأى فيها هؤلاء الكتاب البلقان وأوروبا الغربية وروسيا والهند تحت الحكم البريطاني، مما يساهم في عثورنا حتما على آثار نظرة سياسية، ووجهة نظر معينة نحو العالم لمثقفي وأبناء وخاصة مع التحولات العميقة التي شهدها جسد السلطنة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة