مراجعات لا تراجعات   
الاثنين 1429/8/3 هـ - الموافق 4/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:46 (مكة المكرمة)، 20:46 (غرينتش)

عرض/ كمال حبيب
تأتي أهمية هذا الكتاب من أن مؤلفه هو القيادي في التيار الجهادي طارق الزمر الذي لا يزال مسجونا حتى اليوم ويخوض هو وابن عمه المقدم عبود الزمر مع النظام السياسي المصري معركة قانونية للحصول على الإفراج من سجن استمر اليوم أكثر من 27 عاما، ومن ثم فهما من أقدم السجناء السياسيين في العالم العربي.

-الكتاب: مراجعات لا تراجعات
-المؤلف: طارق الزمر
-الصفحات: 154
-الناشر: دار مصر المحروسة، القاهرة
-الطبعة: الأولى/2008
استهل المؤلف كتابه بمدخل ومقدمة وسبعة فصول، الأول بعنوان "الاستجابات اللازمة للواقع الجديد"، والثاني بعنوان "دراسة لظاهرة العولمة من خلال سورة غافر"، والثالث بعنوان "الحملة الأميركية لمحاربة ما سمي بالإرهاب والتطرف".

والرابع بعنوان "مستقبل الانفراد الأميركي بقيادة النظام الدولي"، والخامس بعنوان "المسلمون على خريطة النظام الدولي"، والسادس بعنوان "المسلمون المفترى عليهم"، والسابع بعنوان "الصحوة الإسلامية.. حصاد السنين".

معني المراجعات
الدلالة التي تكمن خلف إصدار الكتاب تحمل معني سياسيا بالأساس وهو إعادة التذكير بقضية المؤلف وابن عمه وإعادة طرحها من جديد على الرأي العام المصري والعالمي.

ففي مدخل الكتاب أورد نص الكلمة التي ألقاها طارق الزمر في جلسة طلب الإفراج عنه وعبود الزمر يوم 15/12/2007، وفيها أشار إلى تعرضهما لكل أنواع الظلم والعدوان باحتجازهما حتى اليوم داخل السجون المصرية وخارج القانون والدستور ورغما عن أحكام القضاء وبتأييد كامل مما يسمى "المجلس القومي لحقوق الإنسان".

لكنه يعلن عن التمسك بالمبادرة التي تدعو لوقف العمليات العسكرية في مصر لأنها تنطلق من رؤية شاملة لأوضاع الأمة الإسلامية ومستقبل الصحوة الإسلامية المعاصرة".

وفيما يبدو أنه تفصيل فكري على متن المراجعات التي غلب عليها الطابع الفقهي يحاول أن يعطي معنى جديدا للمراجعات التي قد توحي بأنها استسلام وتراجع وإتباع لغير سبيل المؤمنين.

فيقول "يجب التنبيه إلى أن المراجعات التي ندعو إليها لا تعني بحال تأييد علمانية الحكم أو مظاهر استبعاد الشريعة فذلك ما لا يسع المسلم أن يفعله".

كما يوضح أن المراجعات مع مقاومة العدوان والاحتلال فيقول "وكما تدعو المراجعات لوقف كل أشكال الصراع المسلح داخل مجتمعاتنا المسلمة، فإنها تدعو إلى دعم وتأييد كل المجاهدين في كل بقاع العالم الإسلامي المعرضة للاحتلال أو العدوان أو الاضطهاد، فتأييدهم واجب كوجوب الصوم والصلاة".

ويضيف "المراجعات التي ندعو إليها لا تعني مجرد إلقاء اللوم والعتاب على شباب الحركة الإسلامية المتعجل وغض الطرف عن الظروف القاسية والمطاردات المستمرة والتعذيب البشع والاعتقال المفتوح الذي تعرض له هذا الشباب".

والمراجعات تعني "إعطاء الفرصة للأنظمة السياسية في العالم الإسلامي لتوفق أوضاعها وتوقف حربها على الصحوة الإسلامية لأنها حرب لا تخدم سوى مخططات القوى الأجنبية".

"
المراجعات تعني  إعطاء الفرصة للأنظمة السياسية في العالم الإسلامي لتوفق أوضاعها وتوقف حربها على الصحوة الإسلامية لأنها حرب لا تخدم سوى مخططات القوى الأجنبية
"

وينهي المؤلف مفهومه لمعنى المراجعات بقوله إنها "ليست دليلا على التراجع والضعف بل هي علامة على القوة والنضج".

واختتم بقوله "ندعو كل المعنيين بالشأن العام في بلادنا أن يتعاملوا مع هذه المبادرات باحترام وجدية، فكلنا معنيون بإعادة ترتيب أوضاعنا الداخلية لبناء موقف قادر على الدفاع عن ديننا وهويتنا وأوطاننا".

طالب طارق الزمر في نهاية مدخله رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان ونائبه بالاستقالة لتجاهل استمرار اعتقالهما رغم انتهاء حكمهما منذ أكثر من ست سنوات، وأرجع عدم الإفراج عنه وابن عمه إلى فيتو أميركي صادف هوى لدى بعض المسؤولين في بلادنا.

العولمة والاستجابة اللازمة
يفهم المؤلف ظاهرة "العولمة" على أنها سيادة النموذج الليبرالي الغربي (سياسيا واقتصاديا وثقافيا) عبر التجارة الدولية وتدفق المعلومات وهيمنة النفوذ السياسي والقدرة العسكرية والتكنولوجيا الغربية.

ويربط العولمة بمفهومين قرآنيين في سورة "غافر" هما "الجدل في آيات الله" و"التقلب في البلاد"، ويفسر "الجدل الغربي في آيات الله" بوجود نظرية إعلامية متكاملة تشكك في دعوة الحق والعمل على إبطالها والدعوة إلى الشرك والإلحاد.

أما التقلب في البلاد فيفسره باستخدام القوة العسكرية والمادية في مواجهة من يقف في مواجهة العولمة، وهذا تعبير عما يسميها "ظاهرة الاستكبار في الأرض".

ويشير إلى أن مبادرة وقف العمليات العسكرية التي أطلقت عام 1997 جزء من الاستجابة للواقع الدولي الجديد الذي لم تستطع التيارات الجهادية في مصر والعالم أن تقرأه بشكل صحيح.

ومن ثم فإن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 أعطت المبرر لمشروع المحافظين الجدد في الانتقال إلى مرحلة التنفيذ على حساب الصحوة الإسلامية فتم تدمير أفغانستان والعدوان على العراق وجعل الإسلام والعالم الإسلامي عدوا.

ويشرح الاستجابة اللازمة من جانب الصحوة الإسلامية -على مستوى النظرية- للتحولات الجديدة في النظام الدولي بـ: ضرورة بناء نظرية عامة لحركة الصحوة تضع حدا للفوضى والعشوائية والارتجال في الممارسات.

وفي التأسيس لأهمية العمل السلمي بمعناه الواسع الدعوي والتعليمي والاجتماعي والسياسي، ومعالجة ظواهر الغلو والتكفير والعنف غير المبرر والتي حالت بين الصحوة والجماهير، وبناء نموذج للدولة الإسلامية الحديثة في ضوء التطبيقات المعاصرة، وتأسيس رؤية للتعامل مع الحضارة الغربية، وصياغة خطاب إسلامي معاصر يحقق أهداف الدعوة الإسلامية.

ويركز فيما أسماها الاستجابات -على مستوى التطبيق– على أربع قضايا هي: وقف كل أشكال الصراع المسلح داخل المجتمعات الإسلامية، ورفض الإصلاح السياسي المفروض من الخارج، وإصلاح النظم السياسية الحاكمة بالعامل الإسلامي، وتبني نهج حوار الحضارات.

"
الحملة التي تقودها أميركا على العالم الإسلامي هي أخطر وأشرس الحملات التي واجهها الإسلام
"

الحملة على الإرهاب
يرى المؤلف أن الحملة التي تقودها أميركا على العالم الإسلامي هي أخطر وأشرس الحملات التي واجهها الإسلام.

ويشرح كيف أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 لم تكن السبب وراء هذه الحملة وإنما اتخذت ذريعة لشنها، ويوضح أن أساليب وآليات الحملة تتمثل في:

"دعم وتقوية الاتجاهات والأفكار المناقضة لتيار الصحوة الإسلامية والتبشير بالإسلام الأميركي العلماني والضغط على الحكومات العربية والإسلامية للقيام بالتغيير العلماني وخاصة في مجالات التعليم والإعلام والثقافة وشؤون المساجد
واستعمال القوانين الدولية والقوة العسكرية والضغوط الاقتصادية لتحقيق ذلك".

ويقطع المؤلف أن الحملة الأميركية على الإسلام محكوم عليها بالفشل، وأن الصحوة الإسلامية والكيانات المعبرة عنها هي القادرة على تطويق وإحباط الخطط والإجراءات الأميركية عبر استمرار المقاومة في فلسطين والعراق وأفغانستان وتكبيد المشروع الصهيوني الأميركي خسائر فادحة.

وكذلك عبر الاستمرار في عمليات المقاومة في جبهات القتال المفتوحة في العالم الإسلامي، واستمرار ارتباط الجماهير بمشاريع المقاومة والصحوة، واستمرار النماذج السياسية الإسلامية على مستوى الدولة في الصمود أمام الضغوط الأميركية، وبناء سياسات مستقبلية تتعامل مع إمكانيات انهيار المشروع الأميركي الصهيوني بالمنطقة.

المسلمون والعالم
ينتهي المؤلف إلى أن القوة الأميركية لا تزال هي القوة الكبرى التي تحكم العالم، وأن القوى الدولية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا الاتحادية رغم محاولتها تقييد السلوك الأميركي فإنها في النهاية لا يمكنها التصدي له أو منعه.

ومن ثم أصبح العالم الإسلامي مجالا مفتوحا أمام الخطط الأميركية لتنفيذ مشروعها الإمبراطوري الذي يسعي للتدخل في كل مظاهر الحياة بدءا من مخططات إشعال الصراع بين المسلمين والنصارى وتأجيج الصراعات القومية والعرقية والصراع بين الشيعة والسنة.

"
القوة الأميركية لا تزال هي القوة الكبرى التي تحكم العالم، والقوى الدولية الأخرى لا تستطيع التصدي للسلوك الأميركي أو منعه
"
ويتدخل الأميركيون في شؤوننا متذرعين بحماية حقوق الإنسان وحماية الأقليات الدينية من الاضطهاد ومكافحة الإرهاب والتطرف وهو ما يعني تحكم أميركا في كل مداخل المنطقة وأبوابها.

ويري المؤلف أن الافتراء على الإسلام والمسلمين عن طريق الإعلام الغربي جزء من الحملة الأميركية على العالم الإسلامي لمنع إمكانيات الإسلام في الانتشار، ويقترح لمواجهة ذلك إدارة معركة إعلامية دفاعية واسعة النطاق لدفع افتراءات الغرب.

عناصر هذه المعركة تتمثل في: بيان حجم الجناية التي ترتكب بحق الإسلام والمسلمين، وبيان أن المسلمين ليسوا موضع اتهام، وطرح واسع النطاق لرؤية الفقه والشريعة الإسلامية في تأسيس نظرية متكاملة للعيش مع الآخر، والتأكيد على حق الأمة في المقاومة باعتبارها دفاعا مشروعا في مواجهة المحتلين.

وعلى حركات المقاومة أن تتحرى الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وتميز بين الحكومات الغربية والشعوب فلا تتوجه بالقنابل لمجتمعات تقول لحكوماتها كفى عدوانا على العراق.

وتظهر -أي حركات المقاومة- أن "إسرائيل" هي المهدد الرئيسي للمنطقة، مع تقريب فكرة الإسلام في التعايش مع الآخر، وفتح الباب لأوسع عملية نقد ذاتي من جانب الحكومات والشعوب العربية والإسلامية والحركات الداعية لنهضة الأمة.

مسيرة الصحوة في مصر
ينهي المؤلف كتابه بإطلالة سريعة على مسيرة الصحوة الإسلامية في مصر، ويقسمها إلى ست مراحل: التأسيس (1928-1948) ورائدها بلا منازع الشيخ حسن البنا، وغلب على هذه المرحلة سطحية التكوين وبساطة المفاهيم.

والتأكيد (1948 -1967) ورائدها هو سيد قطب، وفيها تعمقت المفاهيم والوسائل، ولم تخل كتب سيد قطب من تعميم جعل القراءات تتعدد بشأنه، وإن كان القول بالجنوح إلى التكفير والعنف استنادا لكتاباته ليس له ما يبرره.

"
الصحوة الإسلامية في مصر جاءت في ست مراحل: التأسيس، والتأكيد، والتأسيس الثاني، والنمو التنظيمي، والصدام الكبير، ووقف العمليات
"
ومرحلة التأسيس الثانية ( 1967-1981) التي اتسعت مظاهر الصحوة فيها لتشمل المجتمع كله لكن الاستعجال وتصاعد موجات العمل العسكري كانت عيوبا رئيسية فيها.

ومرحلة النمو التنظيمي ( 1981-1991) التي شهدت بدايات العنف، ثم مرحلة الصدام الكبير (1991-1997) فمرحلة وقف العمليات العسكرية (1997- وما بعدها) التي لا تعني التخلي عن المشروع الإسلامي، كما ارتبطت تلك المرحلة بطرح رؤية متكاملة تستند لأسس شرعية ومنطلقات سياسية.

ويشير إلى نجاحات حققتها الصحوة الإسلامية بمصر في مواجهة التيارات اليسارية والعلمانية، ويشير لإخفاقات لها أيضا أهمها عدم الوصول مع النظم الحاكمة لكلمة سواء تؤسس للتعايش بدلا من المواجهة، وعدم تحديد أولويات مشروعها الإصلاحي والتغييري، وعدم طرح برنامج سياسي كامل لإدارة الدولة المعاصرة.

في آخر صفحة من الكتاب بعد الفهرس وضع المؤلف صورة لشهادة تقدير له من كلية الحقوق التي منحته درجة الدكتوراه في القانون الدستوري بامتياز، وكأنه يريد أن يقدم وثيقة حقه على الدولة في الإفراج عنه.

وأن يقدم حقه على مجتمعه في مد يد التواصل معه، فنحن أمام نموذج لتحول فكري مثير من الثورة والعنف إلى الإصلاح والعمل السلمي، وإن كانت نوازعه النفسية لا تزال بعد حائرة تبحث عن مرسى لتستقر عليه ويكون إليه المنتهى بالخروج من الأسر والانطلاق إلى عالم الحرية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة