الآثار وأباطرة الفساد   
الخميس 25/2/1433 هـ - الموافق 19/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 8:57 (مكة المكرمة)، 5:57 (غرينتش)

عرض/ عبد الحافظ الصاوي

يعد قطاع الآثار في مصر أحد عوامل الجذب السياحي، حيث تقدر ثروة مصر من الآثار الثقافية بنحو ثلث آثار العالم. وما من حكومة مصرية شكلت إلا وكان للآثار مكان بارز فيها، سواء في شكل وزارة مستقلة أو مدمجة مع السياحة أو الثقافة، ولكن هناك مجلس أعلى للآثار يعد الجهة الوحيدة المسؤولة على الحفاظ عن الآثار المصرية.

وفي ظل عهد مبارك شمل الفساد هذا الصرح الكبير، من حيث ممارسات إدارية أو عقود مبالغ في قيمتها أو السكوت عن مصير آثار مهربة. وكل هذه المخالفات من شأنها أن تعرض تراث مصر الأثري لمخاطر كبيرة. خاصة في ظل ضعف آليات مواجهة الفساد في مصر بشكل عام، وفي الجهاز الإداري للدولة بشكل خاص.

وكتاب "الآثار وأباطرة الفساد" للكاتب محمد شعبان يرصد مظاهر الفساد المتعددة في المجلس الأعلى للآثار من خلال 14 فصلًا، يمكن اعتبارها مفاصل أو خريطة طريق لمواجهة الفساد في قطاع الآثار بمصر.

- الكتاب: الآثار وأباطرة الفساد.. وقائع موثقة من صور الفساد في المجلس الأعلى للآثار
- المؤلف: محمد شعبان
- عدد الصفحات: 205
الناشر: حروف للطباعة, القاهرة
- الطبعة الأولى: 2011

فساد مركب
يرصد الكاتب تغلغل الفساد في المجلس الأعلى للآثار من خلال صور مختلفة، أولها عدم الاكتراث بالمناطق الأثرية وتعرضها للتلف، مثلما حدث مع الشركة الكويتية للاستصلاح الزراعي التي حصلت على ترخيص لاستصلاح 26 ألف فدان بمنطقة العياط بجنوب الجيزة، وسط منطقة تعج بالآثار الفرعونية القديمة، دون مراعاة لخطر النشاط الزراعي على المناطق الأثرية.

ولم تكتف الشركة بالاستحواذ على هذه المنطقة بل توسعت بضم 16 ألف فدان أخرى في نفس المنطقة بطريق وضع اليد، ثم غيرت نشاطها بالكامل من الاستصلاح الزراعي إلى النشاط العقاري، وهو ما جعلها تقوم بأعمال حفر ومد خدمات البنية الأساسية للمياه والصرف الصحي والكهرباء دون الحصول على موافقات من الجهات المختصة، واستمرت الشركة في مخالفاتها المتعددة منذ عام 2003 وحتى الآن، على الرغم من التقارير المعدة من قبل جهات تحقيق من داخل المجلس وأثريين من جامعة القاهرة تتضمن مخالفات كثيرة تقضي بفسخ التعاقد مع الشركة.

والجدير بالذكر أن ملف هذه الشركة هو أحد ملفات الفساد الكبرى التي عرضت في البرلمان قبل الثورة، ومحالة إلى النائب العام لاتخاذ الخطوات القانونية حيالها، لما تضمنه ملف الشركة من صور متعددة وكبيرة لإهدار المال العام. إلا أن أهم ما يرصده الكتاب -عبر تقارير الخبراء- هو تسرب المياه الجوفية بمعدلات كبيرة إلى منطقة اللشت المجاورة لمشروع الشركة، لتنال من هرم أمنمحات الأول، وهرم سنوسرت الثاني، ومقبرة سنوسرت/عنخ، مما أدى إلى تعثر الوصول إلى بعض المقابر الأثرية، وزوال بعض النقوش عن البعض الآخر.

ويشكك الكاتب في قيام الشركة بعمليات حفر على مساحة 36 ألف فدان لتهريب آثار عبر ممارسة نشاط تحجيري كبير وأعمال بنية أساسية على مدار سنوات دون الحصول على تراخيص لمزاولة هذا النشاط. وعلى الرغم من رفع هذه التقارير إلى المسؤول الأول في المجلس الأعلى للآثار زاهي حواس، فإن الأمر بقي على ما هو عليه دون تغيير.

كما يشير الكتاب إلى نافذة أخرى للفساد عبر عمليات الترميم للمساجد والقصور الأثرية، حيث تتم الموافقة على أسعار مبالغ فيها لأعمال الترميم، على الرغم من اعتراض مهندسي الهيئة المنوط بهم تقويم عروض الشركات، فقد تم قبول أسعار من شركات المقاولات لأعمال ترميم تتمثل في هدم متر المباني القديمة بنحو 5 آلاف جنيه وإعادة بنائه بنحو 10 آلاف جنيه، وتركيب الباب والشباك في بعض المساجد أو القصور الأثرية بتكلفة 15 ألف جنيه.

وليس من قبيل الصدفة أن يرصد الكتاب تحويلات مصرفية لأحد المسؤولين على حسابه الخاص بمبالغ كبيرة، وليس بينها وبين بعضها سوى يوم واحد. ويذكر الكتاب المبالغة في أسعار ترميم الآثار غير مرة، كما حدث في مساجد رشيد وقصر إسماعيل المفتش وسبيل وكُتاب طاهر باشا، ومسجد مصطفى ميرزا، عبر المراسلات الخاصة بالمناطق الأثرية والمجلس الأعلى للآثار.

"
من صور الفساد التي يكشفها الكتاب داخل المجلس الأعلى للآثار، اعتماد هدم متر المباني القديمة بنحو 5 آلاف جنيه وإعادة بنائه بنحو 10 آلاف جنيه، وتركيب الباب والشباك في بعض المساجد أو القصور الأثرية بتكلفة 15 ألف جنيه
"

ويبين الكتاب كيفية إدارة الفساد داخل المجلس الأعلى للآثار، من خلال تقديم صغار الموظفين للمحاكمة في حين أن الكبار الذين يمارسون الفساد بالفعل في مأمن من هذه المحاكمات، وهو ما حدث في قضية لإهدار المال العام، من خلال عمليات ترسية لإيجار كافتيريات بأماكن سياحية، تورط فيها مسؤولو مكتب وزير الثقافة قبل الثورة.

وقدم للمحاكمة أربعة من صغار الموظفين في الشؤون القانونية. إلا أن محكمة القضاء الإداري برأتهم من التهم المنسوبة إليهم وذيلت حكمها بالمقولة الآتية -التي نقلها الكاتب بنصها- "لا يفوت المحكمة أن تدق ناقوس الخطر وتستنهض أولي الأمر لمحاسبة الفاسدين مهما علا قدرهم في الأرض، وألا يلقوا بصغار الموظفين إلى مصاف الحساب والعقاب لستر عورات الفاسدين الأكابر..، فلا تزر وازرة وزر أخرى".

تخريب منظم
ويكشف الكتاب -عبر تقارير اللجان الفنية- عن تعطيل أجهزة المراقبة بالمتاحف والمخازن الأثرية، على الرغم من صرف ملايين الجنيهات على هذه الأجهزة، وكذلك عدم مراعاة تنفيذ شبكات الإنارة وأعمال الترميم بصورة سليمة، مما يعرض المتاحف ومخازن الآثار لعمليات سرقة وتلف بصورة كبيرة.

يذهب معظم التقارير الفنية المعدة من مهندسي الإلكترونيات إلى أن نظم المراقبة غير فاعلة، ولا تعمل بسبب توريد بطاريات تالفة أو لا يتم تغيرها في المواعيد المحددة، كما تفتقر معظم المتاحف لنظم الحماية اللازم ضد الحرائق أو السرقة، وتنتشر التوصيلات الكهربائية العشوائية داخل المتاحف ومخازن الآثار.

وبعد استعراض الكتاب لمضمون أكثر من تقرير عن حالة المتاحف ومخازن الآثار وعلى رأسها المتحف المصري، يذهب إلى تعبير مؤلم يعكس من وجهة نظر المؤلف الحالة السلبية لنظم الأمن والحماية، وما يمكن أن تتعرض له المتاحف ومخازن الآثار من عمليات نهب، فيقول المؤلف "إن مخازن الآثار في مصر كانت أشبه بالمرأة العارية التي لا يتورع أصحاب النفوس الضعيفة عن انتهاك حرمتها كلما حانت الفرصة لذلك..، لذا كان من المفترض عدم تسرب الدهشة والاستغراب إلى نفوس المصريين وهم يرون آثار بلادهم تسرق كل يوم من قبل البلطجية ولصوص الآثار الذين لم يبذلوا جهدًا في اقتحام هذه المخازن في أعقاب ثورة 25 يناير، لأن ما حدث هو النتيجة الطبيعية والمنطقية".

ولم تسلم الورش الإنتاجية في المجلس الأعلى للآثار من عمليات التخريب، وذلك من أجل إسناد عمليات تجهيز المتاحف والمخازن الأثرية عن طريق شركات خارجية، وهو ما فتح مجالًا واسعًا للفساد وتقدير عمليات فرش وتجهيز للمتاحف والمخازن بمبالغ كبيرة لا تتفق مع طبيعة الأعمال المطلوبة. وبقيت الورش الإنتاجية في المجلس الأعلى للآثار تشكو الإهمال وعدم إمدادها بمواد التشغيل أو المعدات المطلوبة، وأصبح العاملون بها في عداد العاطلين.   

فساد الكبار
أما الأدهى والأمر فهو أن المسؤول عن استلام الآثار المستردة من الكيان الصهيوني والتي نهبت إبان احتلال سيناء، تعامل مع هذه الآثار على أنها ملك خاص، ولم يتبع الإجراءات اللازمة لتحويل هذه الآثار إلى المخازن المخصصة لذلك، مما عرضها لعمليات تخريب.

وقد رصد تقرير الأمن في المجلس الأعلى للآثار مجموعة من المخالفات لهذا الرجل، وقدمت للنيابة، ومنها أنه أقام مبنى في سيناء واستقدم بعض الشخصيات الأجنبية إليه، وكذلك وجود علاقات دائمة له مع شخصيات يهودية متخصصة في مجال الآثار. ونظرًا لحالة عدم الاستقرار في مصر بعد الثورة فقد رُشح هذا الشخص كأمين عام للمجلس الأعلى للآثار في حكومة عصام شرف بعد استقالة وزير الآثار زاهي حواس، إلا أن العاملين في قطاع الآثار تظاهروا ضد هذا الترشيح وتم استبعاد هذا الرجل. 

"
لم يغب سلوك الفساد عن معظم مجالات الحياة في مصر إبان عهد مبارك، وبالتالي كان الفساد في الآثار امتدادا لهذا السلوك السلبي
"

ولم يغب سلوك الفساد عن معظم مجالات الحياة في مصر إبان عهد مبارك، وبالتالي كان الفساد في الآثار امتدادا لهذا السلوك السلبي، حيث تم ضبط عملية تهريب لمجموعة من الآثار إلى دبي، تتضمن نحو 130 قطعة أثرية. والمتعارف عليه هو اتخاذ الإجراءات المتبعة لتحويل هذه القطع الأثرية إلى مخازن الآثار بالقاهرة، إلا أن وزير الثقافة وأمين المجلس الأعلى للآثار تلقيا خطاب من رئيس ديون رئاسة الجمهورية الدكتور زكريا عزمي يطلب فيه تحويل هذه القطع الأثرية إلى مقر رئاسة الجمهورية، وهو ما تم بالفعل، ويستغرب الكاتب علاقة رئاسة الجمهورية بالاحتفاظ بالقطع الأثرية التي تعود إلى العصور الإسلامية، ويذكر المؤلف أن مصير هذه الآثار لا يزال مجهولًا.

وفي الختام، يمكن القول إن كتاب "الآثار وأباطرة الفساد" هو عمل توثيقي لما تعرضت له آثار مصر من عمليات تخريب وفساد، على مستوى الإدارة أو الآثار نفسها، خلال الفترة الماضية.

فالكتاب إما أنه يرجع لتقارير لجان فنية قدمت لمسؤولين ولم ينظروا إليها، ولم يعيروها أي اهتمام على الرغم من نتائجها الكارثية، أو يرجع إلى أحكام قضائية نهائية تدين كبار المسؤولين، أو تكشف تقاعسهم عن الحفاظ على المال العام عبر الثروة الآثارية. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة