كابل.. المحطة النهائية   
الأحد 1429/5/7 هـ - الموافق 11/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)

عرض/زياد منى
هذا الكتاب يوميات كتبها جندي مظلي ألماني شارك في القوات الألمانية في أفغانستان عقب الغزو الأميركي للبلاد، مسجلة بصيغة المفرد المتكلم وبلغة بسيطة تعكس المستوى التعليمي للكاتب.

- الكتاب: كابل.. المحطة النهائية
- المؤلف: أخيم فولغتان ودِرك شولتسه
- الصفحات: 302
- الناشر: إكون، برلين
- الطبعة: الأولى/2008

يتحدث الكاتب عن معايشته أوضاع قوات "إيساف" في أفغانستان، ضمن ما تسمح به ظروف السرية التي عادة ما تحيط بالكتابات عن حملات عسكرية لم تنته بعد.

وكما يتضح من دوافع آخرين ممن شاركوا في قوات "إيساف" فإن الجانب المادي مارس دورا غير قليل الأهمية، خاصة أن كل مجند يحصل، إضافة إلى معاشه الشهري، على 93 يورو إضافيا يوميا "علاوة" مرتبطة بالأخطار التي يتعرض لها الجنود خارج بلادهم، حتى ضمن قوات السلام التابعة للأمم المتحدة.

الكاتب لا يذكر اهتمامه أو اكتراثه بحقوق الإنسان ونشر الديمقراطية وما إلى ذلك من الشعارات التي رفعتها الولايات المتحدة الأميركية لتسويغ غزو أفغانستان، وإن ذكرها فعرضا لا غير.

ولأن الضحية الأولى لأي حرب هي الحقيقة، فإن أهمية الكتاب تنبع من معرفة القارئ تفاصيل الحياة اليومية لقوات الغزو بعيدا عن الصورة المثالية التي عادة ما تغلب على التقارير الصحفية المكتوبة والمسموعة والمرئية التي تنشرها وسائل الإعلام الألمانية وغيرها.

فالكتاب تقرير مسهب عن تلك الحرب التي تقودها الولايات المتحدة من منظور مقاتل يواجه الموت، مقابل معاش إضافي، في بيئة معادية له وفي بلاد لا يعرفها وربما لم يسمع بها قبيل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001.

انطباعات عامة
يتعامل الكاتب مع ما رآه من سلبيات بيروقراطية منهكة للجنود وتؤثر في أوضاعهم النفسية، ومن الأمور الطريفة التي يذكرها وجود تسجيل دقيق لمحتوى البزة العسكرية: في جيب السروال الأيسر سماعة أذن لوقاية السمع، وفي آخر شبكة للحماية من البعوض، وفي الأيمن منديل.. إلخ.

ومن الأمور الغريبة الأخرى تذمره من إجبار الجنود على تنظيف أحذيتهم العسكرية يوميا، مع أنه فور مغادرتهم مقارهم يضطرون للسير في الوحل أو بين الأتربة مما يوضح عبثية ذلك العمل الروتيني المضني.

كما ينتقد بشدة تزويد القوات الألمانية بألبسة مناسبة للطقس البارد في ألمانيا، تعد عائقا إضافيا لحركة الجنود في أفغانستان ولقدراتهم.

"
يبدو الجندي بلباسه العسكري المصفح الذي يبلغ وزنه نحو 20 كلغ وهو يحمل أحدث الأسلحة كأنه جندي لا يقهر، غير أن الحقيقة هي أن همّ هذا الجندي الرئيسي هو البقاء على قيد الحياة في بيئة معادية له مناخيا وثقافيا
"
وأول صدمة تواجه الكاتب هي نقل القوات الألمانية إلى كابل في حافلات عادية شكلت خطرا حقيقيا على حياتهم، عندما فجر مقاتل أفغاني سيارته في رتل من القوات الألمانية يوم 7/6/2003، فمات منهم أربعة جنود وجرح 27، وعندها فقط استيقظت القيادة العسكرية الألمانية وعملت على نقل الجنود في سيارات مصفحة.

يخيل إلى المرء الذي يشاهد التقارير التلفزيونية عن قوات الاحتلال في أفغانستان المدججة بأحدث الأسلحة والتي تحمل أجهزة ومعدات عجائبية، أنها أتت من كوكب آخر، لكن شرح المقاتل يوضح أن أول ما تفكر فيه القوات عند احتلالها موقعا ما هو رسم خطة الانسحاب أو الفرار.

ومع أن الكاتب يخص بالذكر هنا القوات الألمانية، فليس ثمة من سبب يدعو إلى الظن بأن الأمر مختلف لدى بقية قوات حلف الناتو في أفغانستان وغيرها.

أما ذلك الجندي بلباسه العسكري المصفح الذي يبلغ وزنه نحو 20 كغم والذي يحمل أحدث الأسلحة فيبدو أنه لا يقهر، لكن الحقيقة التي ينقلها الكاتب هي أن همّ الجندي الرئيسي هو البقاء على قيد الحياة لأنه يعرف أنه ينشط في بيئة معادية له مناخيا وثقافيا.

وربما هذا هو ما منع الكاتب من الإشارة إلى إيمان ما بالمهمة المعلنة لقوات "إيساف"، أي "الديمقراطية" و"الحرية" و"التقدم الاجتماعي والاقتصادي"، بل إنه يقر بالرعب المسيطر على الجنود عند تجوالهم في الطرقات سواء في المدينة أو في الطرق البرية.

صورة "السوبرمان" التي تنقلها وسائل الإعلام تتشظى في كلمات المؤلف/المحارب، لكنه يفهم أن نقل وسائل الإعلام للحقيقة سيؤدي حتما إلى تعاظم المطالبة الشعبية بسحب القوات الغازية وإعادتها إلى بلادها ما دام لا يوجد خطر يهدد الوطن.

وربما يكون ذلك هو ما دعا المؤلف إلى طرح السؤال: من في ألمانيا يعرف ويفهم ما رأيناه وعايشناه؟ وهو يقصد بالطبع نقدا شبه مباشر للتغطية الإعلامية، الألمانية وغير الألمانية، فالحقيقة كما رآها هو مختلفة تماما.

وقد عبر عن الإحباط من "تزوير حقيقة الوضع" أمام إحدى نواب حزب البيئة (الخُضر) التي سألته في أثناء زيارة لها في القاعدة التي كان مقيما فيها هل ما يقال لهم من إيجابيات صحيح أم دعاية؟ فاعترف لها بأن الأمر أقرب إلى الأخير منه إلى حقيقة الأمور.

ولذا فإنه يوجه انتقادا لاذعا للسياسيين الألمان الذين يطلق عليهم صفة "سياح ساحة المعركة" الذين قد لا يعرفون أن معسكر القوات الألمانية تحول إلى خلية استعراضية لإعطائهم انطباعا مخالفا للواقع، ومثال ذلك التحضيرات التي تجري لاستقبال وفد سياسي إذ تتم إعادة هيكلة القاعدة وترتيب الأمكنة "حتى لا يعاني" السياسيون أوضاعا غير المريحة.

"
تجارة المخدرات منتشرة مع أن القضاء عليها كان إحدى نقاط التعبئة الأميركية لاحتلال أفغانستان، والسياسة المتبعة بخصوصها ربما تكون القضاء عليها عبر استهلاكها
"
خفايا

ثمة الكثير من الحوادث التي تقع في أفغانستان لكنها لا ترد في التقارير الصحفية، ومن ذلك سقوط طائرة تدريب أفغانية من طراز ميغ 21 مخصصة للتدريب (ذات مقعدين) في كابل.

ومع أن الخبر الذي انتشر هو أنها سقطت بسبب عطل فني، فإنه رأى أنها أسقطت بنيران القوات الأميركية التي منعت فور وصولها مكان الحادث الاقتراب من الموقع.

وما يؤكد قناعته بأنها أسقطت بطريق الخطأ هو تعيين ابن الطيار مترجما لدى القوات الألمانية بعد أيام قليلة من الحادث.

ومن الأمور الأخرى التي يذكرها دخول الاستخبارات الألمانية إلى الساحة الأفغانية، محاولة التستر خلف كونها تابعة للاستخبارات الألمانية العسكرية (لم يكن يسمح لها وقتها بالعمل خارج القاعدة العسكرية).

وهو يذكر أن الاستخبارات الألمانية حاولت تجنيده للتجسس على اجتماع اللويا جيرغا، وإن لم يوضح على نحو واضح هل رفض الأمر أم لا، لكن روايته تظهر أن الاستخبارات الألمانية كانت تحاول الاستفادة من الأفغان اللاجئين في ألمانيا للتجسس على السلطة الأفغانية التي عينتها الولايات المتحدة الأميركية أصلا.

كما لم يغب عنه أن الاستخبارات الأفغانية كانت تنشط للتجسس على القوات الألمانية، ومنطقيا على غيرها من قوات الاحتلال، مما يجعل الأمر كله أقرب إلى الملهاة من أي شيء آخر.

ومن التفاصيل الطريفة التي يذكرها الكاتب الاستعدادات التي كانت تجري للاجتماع القبلي الأفغاني المسمى (اللويا جيرغا) والصراعات بين مختلف الفصائل، ليكتشف في وقت لاحق أن القوات الأميركية كانت تدبر نتائج الاجتماع والانتخابات والقرارات وعلى رأسها قرار انتخاب حامد كرزاي فترة قبل التئامه.

كما يتحدث الكاتب عن حوادث إطلاق نار وقصف صاروخي على القوات الألمانية لا تشير إليها الصحافة، ويضيف إلى ذلك تفاصيل عن صدامات مع القوات الأفغانية الحكومية ومواجهات مستمرة، أيضا لا تجد طريقها إلى الصحافة.

ومن الأمور الجديرة بالذكر في هذا المجال تسجيل ملاحظته عن وجود عدد كبير من حوادث إطلاق النار الفردية "على قوات صديقة"، وقد أثارت كثرة العدد فضوله وقادته إلى القناعة بأن كثيرا من الجنود كانوا يخشون البقاء في أفغانستان ويخافون من إعلان خوفهم من الوضع، فيعمدون إلى إطلاق النار على رفاقهم لأنها الطريقة المضمونة لإعادتهم فورا إلى بلادهم.

والكاتب لاحظ وجود تجارة المخدرات، مع أن إحدى نقاط التعبئة الأميركية لاحتلال أفغانستان كانت القضاء عليها، فقال "إن السياسة المتبعة بخصوص المخدرات هي القضاء عليها عبر استهلاكها".

"
معاناة الكاتب النفسية التي يسترسل في وصفها تشرح حقيقة أوضاع قوات إيساف وما تواجهه من مشاكل وصعوبات وأخطار يومية لا تدري بها الشعوب في بلاد تلك القوات
"
استخدام الأطفال كاشفات ألغام
ثمة قصة رآها الكاتب بأم عينه ورواها (ص 78-79) تستحق الذكر، وهي أن قوات "إيساف" كانت تنفذ مناورات بالذخيرة الحية في مناطق جبلية قريبة من العاصمة، ولما كانت الألغام الخطر الأكبر الذي يهددها وبسبب عدم توفر إمكانية إخلاء المنطقة منها، لجأ جنود القوات الدولية إلى استخدام الأطفال الأفغان "كاشفات ألغام" للتأكد من خلو ممرات محددة منها.

فعندما كان الأطفال الأفغان يتجمعون قرب ساحات المناورات لأخذ الطلقات النحاسية الفارغة لبيعها فيما بعد، ولما كان جنود "إيساف" لا يعرفون هل ممر ما قرب منطقة المناورات ملغم أو آمن، ونظرا لعدم توفر إمكانية الكشف عن الألغام وقتها، كانوا يعمدون إلى إلقاء تفاح إلى الأطفال في منطقة ما.

وفي حال تراكض الأطفال إلى أمكنة سقوط التفاح من دون حدوث أي انفجار فمعنى ذلك أن المنطقة آمنة، وإذا تجنب الأطفال السير تجاه أمكنة سقوط التفاح فمعنى ذلك أن المنطقة ملغمة.

لقد وصف الكاتب ما رآه بأنه أمر لا يصدق لأنه من الممكن أن يتغلب جوع الطفل على حذره مما يعرضه لخطر الموت بانفجار لغم من الألغام.

العودة إلى ألمانيا والعبر
الكتاب بكل ما يحويه من تفاصيل مهم من منطلق أنه يعطي صورة حقيقية عن مهام قوات الغزو في أفغانستان، إذ الهم أساسا لدى الجندي هو البقاء على قيد الحياة للاستمتاع بالمكافأة المالية المرتفعة التي ينالها، واستخدامها من أجل تحسين مستوى المعيشة في بلاده.

والكاتب يفصل في الفصل الأخير متاعب العودة إلى الحياة المدنية في ألمانيا بعد انتهاء مدة خدمته هناك والمشكلات النفسية التي تقيد الجنود بعد انتهاء مدة خدمتهم في أرض المعركة.

ومعاناته النفسية التي يسترسل في وصفها تشرح حقيقة أوضاع قوات "إيساف" وما تواجهه من مشاكل وصعوبات وأخطار يومية لا تدري بها شعوب تلك القوات.

وقد انتقد الكاتب الغطرسة الغربية تجاه الأفغان، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك ويعبر عن شديد احترامه للمقاتل الأفغاني في الجبال لكونه أفضل قتاليا بكثير من القوات الغربية، وأنه في حال حصول مواجهة بين الطرفين فإن الجندي الغربي لن يتمكن من الصمود أمام المحارب الأفغاني خمس دقائق.

ينهي المؤلف كتابه التفصيلي، الذي لا يزال يثير كثيرا من النقاش في ألمانيا وبين الجنود على وجه الخصوص مع أنه خلا من أي أسرار عسكرية تضر قوات الاحتلال، بالتعبير عن شديد احترامه للشعب الأفغاني وأمله في سيادة السلام في ربوع تلك البلاد، لكنه يشك في إمكانية حصول ذلك في المستقبل المنظور.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة