التمرد الأرمني في "وان"   
الخميس 21/11/1431 هـ - الموافق 28/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)

عرض/ زياد منى

لا شك أن موضوع المأساة الأرمنية وما تعرض له بعض الأرمن في الدولة العثمانية يستحق كل الاهتمام من المنظور البحثي الأكاديمي. فتلك المأساة ليست الوحيدة في القرن العشرين، بل إن القرن المنصرم شهد عددا كبيرا من المذابح في مختلف بقاع الأرض، ولذا فإن موضوع هذا الكتاب ليس استثناء.

-الكتاب: التمرد الأرمني في "وان"
-المؤلف: جاستن ماكارثي، وأسعد أرسلان، وجمال الدين تاشكيران، وعمر توران.
-المترجم: بإشراف وليد مرعي
-عدد الصفحات: 382
-
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2010

كنا من قبل عرضنا في هذه الصفحة كتاب "تهجير الأرمن" المترجم عن التركية حيث عرض المؤلف وجهة النظر التركية في تلك الأحداث المأساوية. لكن هذا الكتاب صدر أصلا عن دار نشر جامعة أوتا بالولايات المتحدة عام 2006 مما يمنح الرواية التي يحويها أهمية أكاديمية إضافية.

فالمؤلف الرئيسي المشارك في كتابته هو البرفيسور الأميركي جسطن مكارثي الذي عرفناه من قبل مرجعًا عالميا عن الديمغرافيا في الدولة العثمانية، وألف كتبا عديدة عن الموضوع منها "الطرد والإبادة- مصير المسلمين العثمانيين 1821-1922" الذي عرضناه أيضا في هذه الصفحة.

كما أنه ألف كتابا مهمًا عن سكان فلسطين خلال العهد العثماني والاستعمار البريطاني التالي له. ويضاف إلى ما سبق قائمة مهمة من الكتب المتخصصة في التاريخ العثماني.

الموضوع
ربما ليس بإمكان المرء الاكتفاء بتكرار التشديد على ضرورة قيامنا نحن في العالم العربي على نحو عام، وفي المشرق العربي على نحو خاص، بإعادة قراءة بعض جوانب تاريخ المنطقة الحديث، وعلى نحو خاص المرتبط بالدولة العثمانية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

فكثير مما كتب، حتى الآن، ينقل وجهة نظر أحادية ولا يأخذ في الاعتبار ما يكفي من الحقائق التاريخية، خصوصًا ما يرد في الوثائق العثمانية. وربما ما يعكس الأهمية الاستثنائية لمثل إعادة قراءة كهذه أن صحافة المشرق لم تول أيا من الكتب التي ذكرناها أعلاه أي انتباه، بل وإنها تمنع أي ذكر لها، إلا نادرا.

إن ما يدعو للاستنكار أن هذه الكتب التي تذكر حقائق مهمة للغاية، ومحزنة، بالارتباط مع مصير مسلمي الإقليم لا يتم الترويج لها، باستثناء صفحة الجزيرة نت. إن تسييس المشكلة، مشكلة مصير المسلمين العثمانيين والمأساة الأرمنية، يتجلى على نحو خاص في التجاهل المتعمد لها في "وسائل الإعلام" (الأصح "وسائل التضليل") في الإقليم، بينما وجب ترك الأمر لأهل الاختصاص لفصل القول في الأحداث السياسية. والسبب هو عدم إرضاء هذا الشريك الحزبي في تحالف حكومي، أو خوفًا من إزعاج لوبي ما. هذا أمر يدعو فعلاً للاستنكار.

لقد كتب الكثير عن موضوع ما حصل من صدامات "إثنية" في إقليم "فان/وان" العثماني بين المسلمين، أتراكًا كانوا أو أكرادا، والأرمن. وهذا الكتاب يتناول الموضوع اعتمادًا على ما توافر من وثائق ذات علاقة، ويغطي المرحلة الممتدة من أواخر القرن التاسع عشر حتى أبريل/نيسان 1918 عندما تمكنت القوات التركية من استعادة المدينة من القوات الأرمنية/الروسية.

الكتاب
المادة الرئيسية التي يبحثها الكتاب هي: هل ما حصل في فان/وان تمرد أرمني أم عملية دفاعية قادها أرمن المدينة الذين كانوا أقلية فيها وفي الإقليم؟ الإجابة عن هذا السؤال مهمة لأنها توضح طبيعة الحرب التي كانت قائمة: هل كانت عملية أرمنية للدفاع عن النفس أم إن القوات العثمانية/التركية كانت تدافع عن وحدة أراضي الدولة في وجه محاولات الغرب وروسيا لتحطيمها وتقاسم أراضيها وثرواتها ضمن الحملة الصليبية الحديثة؟

"
قادة التمرد الأرمني قاموا بتحركهم لدعم القوات الروسية المهاجمة، وبالتالي يسري عليهم وصف خيانة الدولة التي عاشوا فيها قرونًا من الزمن بسلام ووئام وتمتعوا بحرية ممارسة دينهم
"
حتى يتمكن المؤلف من تقديم إجابة مدعومة بمرجعيات تاريخية واقتصادية وسياسية وسكانية واجتماعية، عمل على تخصيص عدة فصول لهذه المواضيع.

الفصل الأول مختصر ومخصص لوصف المدينة المدمرة بعد الاشتباكات هناك.

الفصلان الثاني والثالث مخصصان لتقديم وصف جغرافي وديمغرافي (سكاني) واقتصادي واجتماعي لكل من إقليم فان/وان وعاصمته التي تحمل الاسم ذاته.

محتوى الفصل الثالث المتعلق بالديمغرافيا يسهم في شرح جذور التنظيمات الأرمنية في الإقليم وتطورها خصوصا بالارتباط مع التمردات الأخرى التي شهدها الإقليم.

الفصل الرابع مخصص للتمرد الأرمني في عام 1896.

الفصل الخامس يرصد تطور التسلح الأرمني في الدولة العثمانية ونشوء الحركة الأرمنية المسلحة وأسلوب عملها وقادتها وعلاقاتها الدولية مع الدول الاستعمارية ومع روسيا القيصرية على نحو خاص. وقد منح المؤلف الفصل عنوان "تطور الثورة 1897-1908".

الفصل السادس مخصص للحديث عن جمعية الاتحاد والترقي وعلاقاتها بالأرمن ومنظماتهم من عام 1908 إلى عام 1912.

الفصل السابع "الثورات الكردية والمفتشيات 1912-1914" خصصه المؤلف للحديث عن الأوضاع المهيمنة على الإقليم عشية الحرب العالمية الأولى.

الفصل الثامن هو الأهم والأطول إذ إنه مخصص للحديث عن "التمرد" الأرمني في نهاية الربع الأول من عام 1915. وتكمن أهمية هذا الفصل، وبالتالي الكتاب نفسه، في اعتماد المؤلف على الوثائق العسكرية العثمانية ذات العلاقة، وهي المرة الأولى التي يتم فيها التعامل مع هذه الوثائق عند بحث الموضوع.

المؤلفون يوضحون على نحو جلي حدوث تنسيق تاريخي ودائم بين قادة الأحزاب والجماعات القومية الأرمنية من جهة والقوات القيصرية الروسية من ناحية أخرى، وأن الهدف لم يكن كسب دعم الأخيرة للتمرد، وإنما العكس. أي إن قادة التمرد الأرمني قاموا بتحركهم لدعم القوات الروسية المهاجمة، وبالتالي يسري عليهم وصف خيانة الدولة التي عاشوا فيها قرونًا من الزمن بسلام ووئام وتمتعوا فيها بحرية ممارسة دينهم من دون أي عائق وتمت حمايتهم من أي أخطار قد تكون حاقت بهم، عندما كانت الدولة قادرة على ذلك.

وقد أوضح الكتاب، الذي كتبه المؤلف بأسلوب علمي عميق وغير منحاز، ومدعوم بالوثائق، أن التمرد كان هدفه مساعدة القوات الروسية المهاجمة على احتلال المدينة والإقليم. هذا يعني أنه كان من واجب الدولة العثمانية الدفاع عن أراضيها ضد التآمر الداخلي والخارجي.

لقد قامت القوى الأرمنية بالتنسيق التام مع القوات الروسية وخدمة أهدافها، وكذلك مع القوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية، واهمة أن تلك الدول كان يهمها أي أمر غير مصالحها الاستعمارية. هذا الوهم قاد قادة التمرد الأرمني إلى الوقوع في فخ العصبية العمياء، تمامًا كما حدث مع قادة التمرد الغادر والمسمى زورا "الثورة العربية الكبرى"، مع أن الأخيرين أقدموا على فعلتهم الشنعاء بوعي تام وعن سبق إصرار وتصميم.

"
الكتاب يقدم حججا مقنعة لوجهة النظر القائلة إن ما جرى في فان/وان كان تمردا على الحكومة وليس عملية دفاع عن النفس، وهو التصرف غير الحكيم الذي قاد في نهاية المطاف إلى الفاجعة الأرمنية
"
ويوضح المؤلف أن نهاية ذلك التمرد كانت تدمير المدينة ومجتمعي الإقليم، المسيحي -الذي يشكل الأقلية- والمسلم بشقيه التركي والكردي وكان الأغلبية. أما أوهام تشكل دولة أرمنية مستقلة فقد تلاشت مع ولادة الاتحاد السوفياتي، وتخلي القوى الغربية عن الأرمن، تمامًا كما فعلوا مع القوات اليونانية في إزمير وغيرها في غربي تركيا حيث تُركت تواجه الإبادة مع أن قوات "الحلفاء" كانت مرابطة على مسافة مرمى حجر منها، وتملك من القوة العسكرية ما يكفي لإنقاذ "الحلفاء" المغرر بهم.

وينهي الكاتب المؤلف بفصل تاسع عن الدمار والقتل الذي شهدته المدينة، وأخيرًا بملخص عن الأحداث التي شهدها الإقليم والمدينة وأسباب إخفاق القوات العثمانية في منع حصول التمرد أصلاً، إضافة إلى شرح واف لا يخلو من الإعجاب بمقدرات قادة الأرمن العسكرية والتكتيكية.

وقد أغنى المؤلفون الكتاب بمجموعة من الملاحق ذات العلاقة ومنها مسرد بأسماء الأمكنة والأرمن في حكومة وان/فان واللاجئون الأرمن، إضافة إلى خرائط تفصيلية لا نعرف لمَ لمْ يكلف الناشر العربي نفسه "عناء" تعريبها.

الكتاب يقدم حججا مقنعة لوجهة النظر القائلة إن ما جرى في فان/وان كان تمردًا على الحكومة وليس عملية دفاع عن النفس، وهو التصرف غير الحكيم الذي قاد في نهاية المطاف إلى الفاجعة الأرمنية التي تعرضنا إلى تفاصيلها في مراجعة سابقة.

كلمة أخيرة
ثمة ظن خاطئ بأن منع البحث في موضوع محدد يفرض حقيقة بينما هو في الواقع يضع كل ما قيل في الموضوع موضع المساءلة والشك.

إن معارضة قوى أرمنية لأي بحث في موضوع تمرد وان/فان، أو في تفاصيل المأساة التي لحقت بهم، يلحق أشدد الضرر بالضحايا، ولا يمكنه أبدًا أن يفرض رأيا محددا على الغير. وآن الآون كي تستوعب القوى ذات العلاقة المقولة الشهيرة المنسوبة إلى بالمرستون "ليس لدينا أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين، بل مصالح دائمة".

ولا يمكن إنهاء هذه المراجعة من دون تكرار استنكارنا امتناع الصحافة العربية المرتبط أمكنة صدورها بموضوع الكتاب عن الحديث في الموضوع وإخضاعه لمصالح سياسية وحزبية ضيقة وغير حكيمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة