الحفرة   
الثلاثاء 28/11/1432 هـ - الموافق 25/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 10:47 (مكة المكرمة)، 7:47 (غرينتش)
عرض/ وديع عواودة
 
كان الجيش في إسرائيل دائما بقرة مقدسة لم يجرؤ أحد على انتقاده والنيل منه رغم أنه حاز نصيب الأسد من موازنتها السنوية بشكل يفوق احتياجاته، وتعامى الرأي العام وأجهزة الرقابة عن تجاوزاته وتضخمه المفرط.
 
-الكتاب: "الحفرة" الأسرار المظلمة خلف أزمة القيادة الأخطر بتاريخ الجيش
-المؤلفان: دان مرجليت ورونين بيرغمان(صحفيان بارزان)
-اللغة: العبرية
-عدد الصفحات:320 صفحة
-الناشر:" كنيرت،زمورا- بيتان", تل أبيب
-الطبعة: الأولى/2011
الكتاب الذي بين أيدينا يكاد يكون غير مسبوق في توجيه انتقادات قاسية وجريئة لما يدور داخل الجيش الذي أصبحت تغلب فيه المصالح الشخصية على الصالح العام وهناك من يرى في ذلك مرآة للتغييرات العميقة التي يشهدها الإسرائيليون إثر تحولهم إلى مجتمع أكثر مادية واستهلاكية تفشى فيه الفساد حتى شمل المؤسسة الأمنية ولهذا اعتبره معلقون ناقوس خطر وقرعا للجدران.

يركز الكتاب على قائد هيئة أركان الجيش السابق جابي أشكنازي، أحد الجنرالات الأكثر هيبة وشعبية، وهو الذي ظلّلته غمامة سوداء في نهاية ولايته نتيجة تورطه بمخالفات غير أخلاقية في ظل صراع نشب بينه وبين وزير الدفاع على من سيخلفه في قيادة الجيش خلال الشهور الماضية.
 
ويشير الكتاب إلى أن حرب الجنرالات داخل الجيش الإسرائيلي والخلافات بينهم وبين وزير الدفاع ليست جديدة خاصة عند تعيين قادة جدد لكنها تعدت الخطوط الحمر في السنوات الأخيرة.
 
ويتمحور الكتاب أيضا حول قصة ضابط بارز في الوحدة الخاصة للقيادة العامة ومن ثم في وحدة استخبارات عسكرية تعنى بالتصنت وبالشؤون التقنية تعرف بـ"الوحدة رقم 8200"  وهي  الأكثر سرية، استغل موارد الجيش المادية والمعنوية من أجل خدمة مصالحه الشخصية هو ورفاقه.
 
يدعى "بطل الكتاب" بوعز هرباز الذي استغل معرفته بأسرار الجيش من أجل التقرب إلى قيادة الجيش والتدرج في سلم الرتب والوظائف داخل الجيش.
 
إمبراطورية مال وأعمال
وذهب هرباز، بحسب الكتاب، إلى حد توظيف الجهاز الاستخباري الخاضع لقيادته لخدمة إمبراطورية المال والأعمال التي بدأ إدارتها قبل خلعه البزة العسكرية.
يقول الكاتبان: "ما زالت الرقابة العسكرية تفرض منع نشر بعض موبقاته لا بدوافع أمنية بل ربما بسبب الخجل بعدما حول وحدته الاستخبارية لصندوق خاص به شخصيا".
ويجمع الكتاب بين أشكنازي وبين هرباز بعدما تقاطعت طريقهما وطموحاتهما المنفلتة ويشير إلى أنه في الصداقة بينهما اختلطت للمرة الأولى بشكل خطير أسرار دولة، ومصالح شخصية، ومال وأعمال، ومؤامرات في أوساط القيادة، واعتبارات إستراتيجية عليا وصغائر الأمور التي لا تميز بين الجوهر والتافه.
 
ويروي الكتاب إقدام بوعاز هرباز على عمليات بذخ واسعة تجلت في بناء مكاتب فخمة وفي استيراد اللحوم والنقانق والأجبان الفاخرة بمبالغ طائلة له وللضباط العاملين معه في الوحدة الاستخبارية "8200".
 
وتواصلت أعمال البذخ على حساب الجيش وتمت تغطيتها بوثائق وكأنها مصروفات لخدمة عمليات خاصة في العراق وسوريا وإيران.
 
بل استغل هرباز مناصبه لمشاركة مستثمرين في أعمال منها شبكة لبيع الأحذية وشراء مراكب عسكرية فاخرة من نوع "جيب" للاستعمال الشخصي له ولمقربين منه.
جيش يملك دولة
"
قام هرباز بإيعاز من أشكنازي بتزوير وثيقة لتسويد صفحة خصمهما غالانت، تم تسريبها إلى الصحافة وعرفت في البداية بـ"وثيقة غالانت" وفيما بعد صارت تعرف بـ"وثيقة هرباز"
"
ويؤكد فيلم وثائقي عرضته القناة الإسرائيلية العاشرة ما جاء في الكتاب، بكشفه مظاهر الفساد من استغلال الميزانيات وانتشار المحسوبية وقد سماه مخرجه الإعلامي الإسرائيلي البارز حاييم يافين "جيش يملك دولة".
 
كما يكشف الكتاب عن قيام هرباز بإرسال مذكرة مجهولة الهوية إلى قائد هيئة الأركان قبل 10 سنوات شهّر فيها بقائد الاستخبارات العسكرية وقتها الجنرال أهرون زئيف فركاش بل كشف عن أسرار عسكرية حساسة لبعض المقربين منه، وكل ذلك وسط تغطية من نائب قائد الجيش في تلك الفترة جابي أشكنازي ومن قادة آخرين كبار تقاسموا هم أيضا ثمار الفساد.
ويستعرض الكتاب ما يسميه الفضيحة الأساسية -ثمرة علاقات أشكنازي وهرباز اللذين تعاونا في مطلع العام الحالي من أجل إحباط تعيين قائد لواء الجنوب في الجيش يوآف غالانت قائدا لهيئة الأركان خليفة لأشكنازي معتبرا ذلك عينة نموذجية لما يشهده الجيش الإسرائيلي.
 
ويتوقف الكتاب عند القضية التي أثارت ضجة إعلامية واسعة في إسرائيل قبل شهور وفيها قام هرباز بإيعاز من أشكنازي بتزوير وثيقة لتسويد صفحة خصمهما غالانت، تم تسريبها إلى الصحافة وعرفت في البداية بـ"وثيقة غالانت" وفيما بعد صارت تعرف بـ"وثيقة هرباز".
 
وصدرت الوثيقة عن مكتب علاقات عامة كبير في تل أبيب ويفهم منها للوهلة الأولى أن غالانت طلب من مكتب العلاقات العامة تلميع اسمه وتسويد صفحة منافسيه قبيل اتخاذ القرار بانتخاب قائد هيئة الأركان خلفا لأشكنازي وهذا "كارثة" بالنسبة للمؤسسة الأمنية ومعايير عملها.
 
وبحسب الوثيقة المزوّرة تم الاتفاق مع مكتب العلاقات العامة على تسويق غالانت بوصفه شخصية إنسانية، ناضجة، مجربة وقيادية مقابل تسويق شخصية سلبية لمنافسه بيني غانتس الذي أصبح قائدا لهيئة الأركان في نهاية المطاف. ويشير الكتاب إلى أن التوتر الناجم عن عداوة شخصية بين قائد الأركان أشكنازي وبين قائد لواء الجنوب غالانت قد طفا على السطح خلال الحرب العدوانية على قطاع غزة نهاية 2008.

نار في غزة وحرب في تل أبيب
ونتيجة هذه العداوة، التي لم تبدأ أمس لكنها لم تنفلت إلى هذا الحد في السابق، امتنع أشكنازي عن اصطحاب غالانت إلى جلسة الحكومة الحاسمة التي اتخذ فيها قرار بشن الحرب على غزة.
ويبيّن الكتاب أن الناطق بلسان الجيش تجنّد لصالح أشكنازي، وشارك في إطلاق أكاذيب ضد غالانت واتهامه بالجبن والتردّد والخوف من مهاجمة قطاع غزة. ويتابع "هي نار في الجنوب وحرب في مقر قيادة الجيش في تل أبيب لم تؤد (حرب) "الرصاص المصبوب" إلى إطفائها".
 
ويعتبر الكتاب أن عملية التزوير لا تنتهك معايير الزمالة ومنظومة القيم في الجيش فحسب بل تصل إلى أنظمة الأمن الأكثر حيوية وأنظمة السلطة الأكثر أساسية في نظام ديمقراطي، مشددا على أن الدروس لم تستخلص رغم أن "الخلافات في أوساط قيادة الجيش تبدو معارك بين عصابات شوارع".
 
"
الحكومة قررت الصيف الماضي تعيين غالانت بعد انكشاف حقيقة تزوير الوثيقة التي حملت اسمه لكنها ما لبثت أن تراجعت عن قرارها بعدما كشفت صحيفة "معاريف تورطه بالاستيلاء على أراض للدولة محيطة ببيته
"
وعلى خلفية هذه الخلافات الخاصة يرفض أشكنازي في نهاية 2010 طلب وزير الدفاع إيهود باراك تعيين غالانت نائبا له بدعوى أنه لا يثق به. وعندها يرد باراك على ذلك بعدم تمديد ولاية أشكنازي بعام إضافي كما هو مألوف في الجيش الإسرائيلي عادة ويعلن قراره من خلال الإعلام. ويتجند هرباز لصالح أشكنازي مستغلا علاقاته الاستخبارية ويعرض عليه معلومات سرية للغاية من داخل مكتب باراك لتستخدم في السجال بينهما.
وشكلّ السجال الأخير حول هوية نائب القائد العام للجيش خلفية للوثيقة المزورة المذكورة المعروفة بوثيقة غالانت ولاحقا بوثيقة هرباز بعد انكشاف عملية التزوير التي تمت لإحباط تعيين غالانت قائدا لهيئة الأركان بدوافع شخصية وبتأييد ورعاية من أشكنازي وزوجته.
 
يشار أن الحكومة قررت الصيف الماضي تعيين غالانت بعد انكشاف حقيقة تزوير الوثيقة التي حملت اسمه لكنها ما لبثت أن تراجعت عن قرارها بعدما كشفت صحيفة معاريف في أغسطس/ آب 2010 تحقيقا حول تورطه في الاستيلاء على أراض للدولة محيطة ببيته داخل مستوطنة "عميكام" خلافا للقانون.
 
ورغم خطورة الشبهات وتوفر القرائن الكثيرة ضد هرباز لم تقدم لائحة اتهام له بعدُ، وتواصل الشرطة الزعم بأنها ما زالت تحقق. ويقول المؤلفان إن "الشاباك" فرض في فبراير/ شباط الأخير أمرا يمنع نشر تفاصيل القضية لحجب الحقيقة عن الجمهور، ويوضحان أن الكتاب يقدم معلومات كثيرة وجديدة ومقلقة ويبعث تساؤلات خطيرة. 

أزمة قيادة
ويؤكد الكتاب أن إسرائيل لا تستطيع أن تتيح لذاتها أن تدار شؤونها بدون قائد أركان جدير بالثقة لجيشها لكن هذا ما فعلته بالتزامن مع فترة في غاية الحساسية قاصدا بذلك الثورات العربية وتقدم المشروع النووي الإيراني. ويتابع الكتاب "ليس صدفة أننا نتحدث عن أزمة قيادة هي الأخطر في تاريخ الجيش".
 
ويتقاطع هذا الكتاب مع كتاب آخر سبقه وصدر قبل شهور للبروفسور درور يحزقيل (عضو لجنة فينوغراد للتحقيق في حرب لبنان الثانية) يؤكد فيه أن إسرائيل تواجه اليوم أزمة قيادة خطيرة وغير مسبوقة في المستويين السياسي والعسكري.
 
في كتابه "مطلوب قائد" يشيد الكاتب بالقيادة التي أسست إسرائيل وينتقد الجيل التالي منها ويتابع "لا مجال بذلك لاتهام الجمهور رغم أنه منقسم وأوساط منه جاهلة وإلى حد كبير يلهث وراء "الحياة الاعتيادية" المنافية للروح والقيم اليهودية والصهيونية لكن المسؤولية تقع على كاهل القيادة السطحية والضيقة الآفاق والمنشغلة بحالها".
 
كما يتقاطع هذا الكتاب مع كتاب درور حين يقول إن الأيام عمقت فيه هذا الشعور مشيرا على سبيل المثال إلى أن ما تشهده مصر اليوم يدل على أن الزمن لا يعمل لصالح إسرائيل في ظل قيادتها المأزومة.
 
"
يرى الكتاب أن "وثيقة هرباز" لا تنم عن محاولة تزييف للتشهير بالمرشح لتولي قيادة هيئة الأركان (غالانت) فحسب، وإنما هي محاولة لفرض موقف قائد الجيش على وزير الدفاع الممثل الشرعي للمستوى السياسي
"
ويشير الكتاب الذي بين أيدينا إلى أن هناك هوة سحيقة بين الواقع وبين صورته المتشكلة في وسائل الإعلام وأن الجمهور غير مطلع على خطورة انتشار الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ويتابع "مع انقشاع الضباب وانجلاء الصورة يتضح لنا أن جنرالا فاسدا كاد يصبح قائدا للجيش كما بقينا مع وزير دفاع خرجت من تحت يديه قيادة الجيش ولم يعد أحد يسيطر عليها ومع جنرال نصّاب ومحتال نجح في التسلل إلى أكثر الوحدات العسكرية سرية وازدهر داخل دفيئة الفوضى والفساد والأخطر أننا بقينا مع قائد هيئة أركان يغطي على ممارسات ذاك المحتال بل استخدمه جاسوسا في مكتب وزير الدفاع".

ويؤكد الكاتبان أن استغرابا ممزوجا بالقلق الشديد يسكن القلب حيال السؤال لماذا يبادر جنرال محبوب مثل جابي أشكنازي (قائد الجيش) إلى الدفاع عن ضابط فاسد مثل هرباز؟ ويضيفان أن "الدلالة العامة والقومية والتاريخية الكامنة في ذلك مقلقة للغاية".
 
ويرى الكتاب أن "وثيقة هرباز" لا تنم عن محاولة تزييف للتشهير بالمرشح لتولي قيادة هيئة الأركان (غالانت) فحسب، وإنما هي محاولة لفرض موقف قائد الجيش على وزير الدفاع الممثل الشرعي للمستوى السياسي.
 
تضليل وطعن
بل يرى فيها استئنافا على سلطة القانون وعلى حرية اختيار الحكومة وصناعة القرارات حتى لو كان بعضها مغلوطا مما يستدعي "القرع على الخزان" والتحذير بأعلى صوت.
ويتابع "في نظام ديمقراطي ليس من حق قائد الأركان القيام بخطوات كيدية وتضليلية و"طعن" جنرال زميل في الظهر لمنع انتخاب خليفته على يد وزير دفاع حتى لو كان يعتقد أن بديله لا يستحق منصبه".

ويشير إلى أن أشكنازي كان الرجل المناسب في المكان المناسب حينما عيّن خليفة لسابقه في قيادة الأركان الجنرال دان حالوتس عقب حرب لبنان الثانية الفاشلة عام 2006، لكنه تورط في عدة أفعال تترك ظلالها على مسيرته المبجلة.
ومن ضمن الحوادث التي تورط فيها قبل ذلك، بحسب الكتاب، اتهامه الجنود الثلاثة الذين أسرهم حزب الله في مزارع شبعا عام 2000 بالمتاجرة بالمخدرات في محاولة للتهرب من مسؤوليته بوصفه قائد لواء الشمال من خلال التحول من متهَم إلى متهِم.
 
ويختتم الكتاب بتساؤل صعب ومشحون بدلالات عميقة مقتبسا ما قاله جنرال بارز في الجيش الإسرائيلي: أجد نفسي في الأيام الأخيرة أفكر في جنودنا الذين سقطوا: لماذا ضحوا بذواتهم وهل نحن ما زلنا جديرين بتضحياتهم؟

ويوجه الكتاب انتقادات قاسية لوزير الدفاع إيهود باراك لانشغاله بذاته ولبلادة إحساسه وعدم تدخله لوقف التدهور داخل الجيش مثلما يوجه اتهامات مماثلة لرئيس الحكومة الذي اختار أن ينأى بنفسه عن القضية -الفضيحة والتملص من مسؤوليته عنها حتى آخر لحظة.
 
كما يوجه الكتاب انتقادات إلى سلطات المراقبة في إسرائيل بمن فيها وسائل الإعلام التي شاركت في التسطيح وتحويل النقاش العام حول القضية إلى صورة كاريكاتيرية.

ويرى المؤلفان أنه خلف فضيحة تزوير الوثيقة ظاهرة فساد تهدد أمن إسرائيل وأسرارها الإستراتيجية وهي تعكس الحالة المعتلة التي أصبحت تلازم المجتمع الإسرائيلي.
 
دلالات عميقة
"
هارئيل:
الكتاب يشمل تفاصيل تقشعر لها الأبدان تتعلق باتساع الفساد داخل الاستخبارات العسكرية ويطرح تساؤلات قاسية حول سلوك قائد الجيش
"
ويؤكد المؤلفان أن هذه القضية تستبطن الكثير: الكذب، ضيق الأفق، الحسد، الغطرسة، عدم التمييز بين الجوهر والمظهر، الاستخفاف بالقانون، تغليب المصالح الشخصية، التهرب من المسؤولية، تضليل الصحافة المتبنية للخطاب القاسي والجدل السطحي.

واعتبر بعض المعلقين الإسرائيليين الكتاب مبعث قلق شديد لكونه مرآة تعكس التحولات العميقة السلبية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
 
ففي تعليقه على الكتاب قال المحاضر في العلوم السياسية رؤوفين بيديتسور إنه يرسم صورة بائسة ومقلقة لمنظومة علاقات ملوثة بين قيادة الجيش وبين وزير الدفاع.
 
المعلق العسكري لصحيفة هآرتس، عاموس هارئيل قال إن الكتاب يشمل تفاصيل تقشعر لها الأبدان تتعلق باتساع الفساد داخل الاستخبارات العسكرية ويطرح تساؤلات قاسية حول سلوك قائد الجيش. أما المعلقة السياسية للقناة الأولى أيالاه حسون فقد ذهبت إلى حد القول إن الكتاب ينزع النوم من عينيها قلقا.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة