الصهيونية وخيوط العنكبوت   
الخميس 1428/4/1 هـ - الموافق 19/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 4:55 (مكة المكرمة)، 1:55 (غرينتش)

عرض/ عبد الجبار سعيد
هذا الكتاب دراسة ديمغرافية واجتماعية وثقافية عن واقع الصهيونية واليهود في فلسطين، والمادة التي يضمها هي في الأصل مقالات ودراسات نشرت في عدد من الجرائد والمجلات أعاد المؤلف ترتيبها في إطار الموضوعات الأساسية الكامنة فيها.

وهذه الدراسة محاولة لاستخدام النماذج التي طورها المؤلف في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية.. نموذج تفسيري جديد لتفسير الأحداث والوقائع التي تتناولها المقالات التي يتناولها الكتاب.

الديمغرافية اليهودية
-الكتاب: الصهيونية وخيوط العنكبوت
-المؤلف: عبد الوهاب المسيري
-عدد الصفحات: 574
- الناشر: 
دار الفكر, دمشق
- الطبعة: الأولى 2006
قسم المؤلف كتابه بعد المقدمة إلى 16 فصلا، استعرض في الفصل الأول الديمغرافية اليهودية حتى العصر الحديث، وتعرجات منحنى الأعداد اليهودية حتى وقتنا الحاضر زيادة ونقصا، وتأثر هذه الأعداد بعدد من العوامل السياسية.

وأشار إلى حدوث انفجار سكاني بين اليهود بعد عام 1815 بسبب الزواج المبكر، وتحسن الوضع الصحي بالإضافة إلى أن المناطق التي كانوا يسكنونها لم تشهد أي حروب بين عامي 1800 و1914. كما أن كثيرا من الدول التي كانوا فيها لم تكن تلجأ لتجنيدهم.

وربط المؤلف ضمن هذا الفصل بين الديمغرافية اليهودية وظهور الصهيونية، حيث يرى أن تدفق هجرة اليهود من روسيا وشرق أوروبا إلى بريطانيا وغرب أوروبا دفع حكومة بلفور لإصدار قانون الغرباء.

وهي ذاتها التي أصدرت وعد بلفور لليهود في فلسطين حلا لمشكلاتها وتوظيفا للجماعات اليهودية المعطلة، وحفاظا على مصالح الغرب في المنطقة، ثم يشير المؤلف إلى أن عالم اليهود آخذ في الاندثار.

الهجرة والنزوح
في الفصل الثاني بعنوان الهجرة والنزوح تحدث المؤلف عن الهجرة الاستيطانية، إذ رأى أنه منذ بداية التاريخ اضطلع عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية وخصوصا في العالم الغربي بدور الجماعات الوظيفية،
فكانوا جماعة استيطانية قتالية أو استيطانية مالية.

"
منذ بداية التاريخ اضطلع عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية -خصوصا في العالم الغربي- بدور الجماعات الوظيفية, فكانوا جماعة استيطانية قتالية أو استيطانية مالية
"

وعدّ المؤلف المشروع الصهيوني جزءا لا يتجزأ من التشكيل الاستعماري الاستيطاني في الغرب. وأشار إلى أن الهجرة إلى إسرائيل كانت تتم بدوافع غير صهيونية بالإضافة إلى دوافع اجتماعية.

وتحدّث عن الأزمة التي تعاني منها الهجرة إلى الكيان الصهيوني، حيث كان يعاني من قلة عدد المهاجرين إليه والهجرة المعاكسة منه بسبب عوامل الطرد القائمة في فلسطين، وبسبب عوامل الجذب في مراكز التجمعات اليهودية، ومحاولات الحركة الصهيونية البحث عن أي مجموعات يهودية هامشية لتهجيرهم، ما أثار مسألة يهودية كثير من المهاجرين الجدد من الاتحاد السوفياتي وغيره.

الاستيطان الصهيوني ومفاهيم التحيز
أما في الفصل الثالث فتحدث المؤلف حول جذور الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، حيث ربط بين وضع اليهود باعتبارهم جماعة وظيفية، وظهور الحركة الصهيونية، وظهور وعد بلفور أو الوعود البلفورية كما سماها، حتى وصل إلى وعود الرئيس بوش الابن لشارون الذي يمثل رعاية ممتدة للكيان الصهيوني.

كما استعرض مراحل تطور الحركة الصهيونية اليهودية وغير اليهودية (العلمانية)، والخلافات التي انتابت الحركة، فضلا عن أسباب الوعود البلفورية.

وقد عالج المؤلف في الفصل الرابع صراع المفاهيم والمصطلحات التي تتداولها وسائل الإعلام المتحيزة للصهيونية، ومن ذلك: مفاهيم عبري ويهودي وصهيوني وإسرائيلي.

واستعرض دلالات هذه المفاهيم وانعكاساتها على الآخرين، ومن ذلك مفهوم الانتفاضة بدلالاته المتشعبة، ومحاولة الصهاينة طمس هذا المفهوم.

كما استعرض التراث اليهودي المسيحي، وإشكالية علاقة الصهيونية بالمسيحية، واستعرض بشكل موجز تاريخ هذه العلاقة بالذات في جانب المفاهيم والمصطلحات.

وقد رأى المؤلف أن العلاقة بين اليهودية والمسيحية علاقة عدائية متوترة إلى أقصى حد، وأن استخدام مصطلح "التراث اليهودي المسيحي" فيه محاولة لطمس معالم ونقاط الاختلاف الجوهرية بين العقيدتين.

كما طرح في هذا الفصل صورة لأنماط الخطاب في التعامل مع الصهيونية، ومنها الخطاب العملي بصوره المتعددة والخطاب التفسيري الاختزالي, وطرح بعض المنطلقات الهامة في فهم الكيان الصهيوني.

وفي الفصل الخامس تحدث عن الإعلام الصهيوني واستخدام الساسة الصهاينة للصور المجازية وإيحاءاتها، كما تحدث المؤلف عن علاقة الصور المجازية بالتحليل السياسي، وعن الإستراتيجية الإعلامية الصهيونية الجديدة المتمثلة في محاولة دفع الفلسطينيين والعرب باتجاه نسيان ما حدث عام 48 وتجاوزه.

خرافات اليهود
"
الحديث عن قومية يهودية واحدة أو هوية يهودية واحدة أو شخصية يهودية واحدة ضرب من الخرافة بسبب الانقسام الديني والعرقي
"
وعالج في الفصل السادس خرافة القومية اليهودية، وفي الفصل السابع خرافة الهوية اليهودية، وفي الفصل الثامن خرافة الشخصية اليهودية.

وهذه القضايا بينها قدر كبير من التقارب والترابط، حيث يرى المؤلف أن الحديث عن قومية يهودية واحدة أو هوية يهودية واحدة أو شخصية يهودية واحدة، ضرب من الخرافة.

كما تحدث عن أقسام اليهود من الناحية الدينية: الإثنيون واليهود المؤمنون بصيغة من صيغ العقيدة اليهودية، مشيرا إلى بعض المجموعات اليهودية مثل: يهود الهند، ويهود جورجيا، واليهود القراؤون، والعبرانيون السود.

وتحدث كذلك عن مشكلة العمال الوافدين وتهجير يهود الفلاشا، وأثر ذلك على القومية والهوية اليهودية. كما تحدث عن العوامل التي ظهرت وأدت إلى زيادة حدة الاستقطاب الديني العلماني على مستوى الدولة الصهيونية، وعن التهويد العلماني، وأسطورة أتون الصهر أو مزج الجاليات.

كما تساءل المؤلف عما إذا كانت إسرائيل دولة يهودية؟ وهل هي دولة يهودية أم دولة اليهود؟ مناقشا انقسام الحركة الصهيونية حول هذه القضية، واختلاف المتدينين والعلمانيين حولها، واختلافهم حول هوية الدولة اليهودية، وأسطورة الوطن الأصلي.

أما في إطار الشخصية اليهودية فقد أشار المؤلف إلى بنية المجتمع الاستيطاني الصهيوني والنزعة المادية الاستهلاكية، مشيرا إلى علاقة الدولة الصهيونية مع يهود العالم من خلال هذه النفعية الاستهلاكية، حيث تحاول الضغط عليهم وابتزازهم فنشأ ما يعرف بالصهيونية النقدية، والصهيونية الاقتصادية، وصهيونية دفتر الشيكات، وصهيونية النفقة.

كما توقف أمام إيثار الشخصية اليهودية للذة وتحدث عن انتشار الشذوذ الجنسي وظهور حركات الشواذ في الدولة الصهيونية وتنصيب بعضهم حاخاما، وانتشار الإباحية والعنف في المجتمع الصهيوني.

الثقافة اليهودية والخريطة الإدراكية
"
العقلية اليهودية تمتلئ بالعديد من التناقضات, فمن شخصيات في اليسار الإسرائيلي تدعو إلى السلام مع الفلسطينيين، إلى شخصيات تراهم ديدانا ومجرمين وتنام قريرة العين وهي تقتلهم أو تراهم يموتون
"
أما في الفصل التاسع فقد تحدث المؤلف عن ثقافة الجماعات اليهودية، حيث يرى أن الحديث عن ثقافة يهودية واحدة مستقلة ضرب من الخرافة، وأن هذه الثقافة متعددة بتعدد الدول التي تواجدت أو تتواجد فيها.

وتندرج هذه الرؤية على كل جزئيات الثقافة ومضامينها من الأزياء واللغة والأدب والفن وغيرها، كما تحدث عن المتاحف اليهودية داخل إسرائيل وخارجها، وارتباطها بذات المشكل الثقافي المشار إليه آنفا.

وقد تحدث المؤلف في الفصل العاشر عن الإدراك الصهيوني للواقع، حيث تحدث عن الخريطة الإدراكية فبين أن الصهاينة أدركوا أهمية هذه الخريطة في تشكيل الرأي العام، حيث قامت الدولة الصهيونية بوصفها دولة استعمارية استيطانية إحلالية تؤدي وظيفتين وهما: تخليص أوروبا من اليهود، ونقلهم إلى فلسطين ليشكلوا قاعدة للاستعمار الغربي.

ويوضح أن هذه الخريطة الإدراكية ليست أمرا حتميا إذ يمكن تغييرها. وقد بدأت قطاعات لا بأس بها من الجماهير الإسرائيلية بتغيير خارطتها الإدراكية التي حرصت الصهيونية على ترسيخها لعقود طويلة.

أما الفصل الحادي عشر فقد طوف فيه برحلة في العقل الإسرائيلي، حيث عرض المؤلف لعدد من النماذج الفكرية والأدبية والإعلامية، وأوضح مدى التناقض القائم في العقلية اليهودية، من شخصيات في اليسار الإسرائيلي تدعو إلى السلام مع الفلسطينيين، إلى شخصيات تراهم ديدانا ومجرمين وتنام قريرة العين وهي تقتلهم أو تراهم يموتون.

العداء لليهود واليهودية
جاء الفصل الثاني عشر فصلا مطولا تحدث فيه عن العداء لليهود واليهودية، حيث أشار إلى مصطلح معاداة السامية وجذوره الضاربة في الفكر الغربي القائم على التمييز بين الحضارات.

ويرى المؤلف أن المصطلح الأدق في نظره استخدام مصطلح معاداة اليهود، وقد اتسع المجال الدلالي لهذا المصطلح بحيث أصبح يستخدم للتعبير عن معاداة الصهيونية عموما والدولة اليهودية.

كما رأى أن من القضايا التي يجب أخذها في التقدير أثناء دراسة ظاهرة معاداة اليهود، الإطار السياسي العام الذي يتم فيه هذا العداء.

واستعرض المؤلف أهم أسباب معاداة اليهود في الغرب الحديث، وتحدث عن دور الإنسان الوظيفي واليهودي الوظيفي، وعن العداء للسامية في إسرائيل، وعداء الحركة الصهيونية لليهودية وسخرية هرتزل وكثيرين من التقاليد الدينية اليهودية، وقانون معاداة السامية الذي سنه جورج بوش بكل أبعاده وآثاره، وبعض النازيين اليهود.

الصهيونية والنازية والبروتوكولات
"
الربط بين الإبادة وإنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين ربط كاذب، حيث إن المشروع الصهيوني نشأ منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما أن وعد بلفور صدر قبل الإبادة والمحرقة بعشرات السنين
"
في الفصل الثالث عشر بعنوان الصهيونية والنازية، تحدث المؤلف عن طبيعة العلاقة بينهما، وفصل في كيفية توظيف الحركة الصهيونية للنازية من أجل تحقيق المشروع الصهيوني وترحيل أكبر قدر من يهود الجماعات اليهودية إلى فلسطين، واستدرار عطف العالم وجمع التبرعات لدعم المشروع الصهيوني.

ويؤكد المؤلف كذب الربط بين الإبادة وإنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين، حيث إن المشروع الصهيوني نشأ منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما أن وعد بلفور صدر قبل الإبادة والمحرقة بعشرات السنين.

وعرض المؤلف لتعاون الحركة الصهيونية وعدد من اليهود والمفكرين مع النظام النازي، ورأى أن هناك عددا من الوثائق المتوافرة التي تفضح هذا التعاون.

كما ناقش في أكثر من مقال في هذا الفصل قضية الأرقام المتعلقة بالمحرقة النازية. وتعرض لمفردة "مسلمان" التي وردت في عدد من الأدبيات التي تحدثت عن المحرقة وربط بينها وبين كلمة مسلم، ودعا إلى التركيز على هذه المسألة وتجليتها.

وأشار المؤلف إلى ما تقوم به الدولة الصهيونية في فلسطين، ومخيم جنين نموذج من تلك النماذج، وانعكاسات الممارسات النازية على ذلك، فيما وصفه العديد من الباحثين بالنازية الجديدة.

أما في الفصل الرابع عشر فقد عرض المؤلف تفنيدا لما أسماه خرافة بروتوكولات حكماء صهيون، حيث عرض عددا من أسباب انتشار هذه الوثيقة في أوروبا وفي العالم العربي، كما عرض للأدلة التي يستند إليها في نفي صحة هذه البروتوكولات سواء ما يتعلق بلغتها أو مضامينها.

وفي الفصل الخامس عشر تحدث تحت عنوان ضحك ولكنه كالبكاء، عن بعض مظاهر المبالغة في إحاطة اليهودي بالرموز الدينية في إسرائيل، حتى وصل الأمر إلى تأسيس حديقة حيوانات في تل أبيب تعرض فيها الحيوانات اليهودية، ومثل ذلك مما انتشر عند كثير من المزارعين من زراعة الأرض ست سنوات وإراحتها في السنة السابعة فيما يعرف باسم "شميطاه"، وما ذاع من مباركة الرب للمحصول في إحدى المستوطنات التي فعلت ذلك.

نهاية إسرائيل
"
هناك العديد من العوامل الداخلية التي ستؤدي إلى نهاية إسرائيل مثل: انتشار الجريمة والشذوذ والمخدرات والجنس وتضاؤل المواليد. هناك عوامل خارجية منها اعتماد الدولة اليهودية على المعونات الخارجية
"
توقف المؤلف في الفصل السادس عشر أمام نهاية إسرائيل، حيث عرض لبعض المقولات التي تطرح نهاية المشروع الصهيوني في فلسطين.

وعرض عددا من العوامل الداخلية التي ستؤدي إلى نهاية المشروع مثل: انتشار الجريمة، والشذوذ، والمخدرات، والجنس، وتضاؤل المواليد. وبعض العوامل الخارجية ومنها اعتماد الدولة اليهودية على المعونات الخارجية، فضلا عن انكفاء الطروحات الصهيونية للحفاظ على الذات بدلا من التوسع، والبحث عن الجدران التي تحمي المستوطنين من المقاومين.

كما عقد مقارنة بين المشروعين الصهيوني والصليبي، وطرح إمكانية نهاية المشروع الصهيوني على غرار ما حدث للجيب الاستيطاني في جنوب أفريقيا.

وختاما فقد تميز هذا الكتاب بغزارة الأفكار والمعلومات والطروحات التي حصلها المؤلف نتيجة جهد علمي رصين.

وكون الكتاب في أصله مجموعة مقالات متفرقة جعل كثيرا من المعلومات والأفكار تتكرر، وهذا ما أقر به المؤلف ابتداء، ورغم كل محاولاته للتقليل من حجم هذه الظاهرة فإنها بقيت واضحة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة