العالم لنا   
الثلاثاء 1/4/1426 هـ - الموافق 10/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:44 (مكة المكرمة)، 7:44 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة

يعرض الكتاب لحركة "العولمة البديلة" التي ظهرت بقوة وعمق في مواجهة مؤتمرات دافوس والعولمة الاقتصادية الليبرالية في سياتل 1999 وفي إيطاليا 2000، وهي حركة اجتماعية عالمية قائمة على النقابات والشركات الوطنية والجماعات الثقافية، والتي تعمل تحت عنوان "المنتدى الاجتماعي العالمي"، وشعار "عالمنا ليس للبيع".

 

العولمة البديلة

- العنوان: العالم لنا.. العولمة الليبرالية والحركات الاجتماعية المناهضة لها
- المؤلف: كريستوف أجيتون

- المترجم: طارق كامل

- عدد الصفحات: 230   

- الناشر: دار ميريت،  القاهرة

- الطبعة: الأولى 2005


انطلقت المظاهرات في مدينة سياتل بالولايات الأميركية عام 1999 ضد انعقاد الجمعية العمومية لمنظمة التجارة العالمية، وتكرر السيناريو ذاته في واشنطن عام 2000، حيث اجتمع حوالي عشرة آلاف شخص من المناضلين من تيارات شديدة التباين ومجموعات غير متعارفة قادمة من كافة أنحاء الولايات المتحدة، وقد كانت شبكة العمل المباشر هي التي قامت على قيادة هذا العمل بتحديد المواقع ومفارق الطرق.

 

وقد كانت هناك العديد من العمليات والمبادرات التي تمثل مؤشرا كبيرا في تغير المناخ، وذلك حين قام ما يقرب من 8000  شخص في برمنغهام 1998 بالتظاهر لإلغاء ديون العالم الثالث، وحين ولد في بريطانيا الائتلاف الذي أنشأ لمواجهة الدول الكبار G8.

 

والأمثلة كثيرة في كل مكان على مستوى القارات خاصة بعد النجاح الذي حققه المنتدى الاجتماعي في بورتو، وهو ما أغرى ودفع إلى القيام بمنتديات اجتماعية على المستوى العالمي والمحلي.


في الثمانينيات حققت الليبرالية انتصارا حين شهدت الحركات النقابية تراجعا في أميركا وأوروبا الغربية واليابان، فقد وقعت في هذه الفترة أزمة في التنظيمات العمالية، وشهدت بداية التسعينيات اختفاء الاتحاد السوفياتي وأنظمة الكتلة الشرقية، حين كان هناك فرصة لعملية إعادة تنظيم العالم خاصة عند انهيار حائط برلين ووقوع حرب الخليج.

 

"
استطاعت الحركات الاجتماعية أن تعيد لمّ شمل نفسها وتساهم في مواجهة مؤسسات دولية كبرى كمنظمة التجارة العالمية، وتمتلك وزناً كافياً للتأثير على مجرى الأحداث
"
كما استطاعت الحركات الاجتماعية أن تعيد لم شمل نفسها وتساهم في توجيه مؤسسات دولية كبرى على غرار منظمة التجارة العالمية ولو لفترة معينة، وتمتلك وزناً كافياً للتأثير على مجرى الأحداث في ظرف عالمي يتحد للسماح بظهور مجادلات سياسية كبرى في ثلاثة أقطاب:

 

قطب راديكالي أممي معارض تحت غطاء الواقعية لتمرير الحركات تحت سلطة تلك المؤسسة، وقطب قومي يرى أن إطار الدول القومية هو الطريق الوحيد الممكن لضمان المكتسبات الاجتماعية، وقطب إصلاحي يدافع عن أولوية الإصلاح الشامل للمؤسسات الدولية.

 

وكانت أهم خصائص هذه المجموعات والحركات أنها تبتعد عن عالم الأحزاب السياسية التي تطمح إلى الإدارة الحكومية.

 

أزمنة العولمة

 تبلغ العولمة اليوم من العمر نحو خمسة قرون، فالعولمة هي تاريخ التوسع العالمي الذي يدفع آليات الرأسمالية إلى انفتاح الأسواق، فيصبح كل شيء خاضعا لقانون السوق، وفي نهاية السبعينيات وهي الفترة التي تشكلت فيها عناصر المؤسسة لذلك النظام الجديد "التراكم المعولم ذو الهيمنة المالية" حدث التحول الأكثر عمقاً بعد انتخاب كل من تاتشر عام 1979 وريغان 1980.

 

وبدأت الثورة المحافظة بمواجهة مباشرة مع العمال حتى انهيار حائط برلين وحرب الخليج حيث كانت النضالات حول العمل والأجور ودخل العاطلين عن العمل، وهنا ظهر مصطلح "العولمة" تعبيرا عن هيمنة العالم الليبرالي.

 

وكانت حرب الخليج نهاية الأوهام حول إمكانيات قيام عالم متعدد الأقطاب، فلم يعد ممكنا لقوة عدا الولايات المتحدة الأميركية أن تدعي قدرتها على المنافسة في المجالات الرئيسية التي تضع قوة شاملة، المجال العسكري والاقتصادي والتكنولوجي والثقافي.

 

لقد أصبح من الضروري تمرير كل القرارات الهامة على المستوى القومي عبر"توافق واشنطن"، وقد نشأت مواقع جديدة للمؤسسات الدولية مثل "بريتون وودز" التي ارتبطت بموازين القوى، واهتمت بإنشاء بنك مركزي عالمي يقوم بتأمين التعويضات والتسويات مع البنوك المركزية للدولة ويضمن ذلك كله آليات للإنذار والرقابة في حالة تجاوز الاعتماد، أما الولايات الأميركية فقد فرضت على "بريتون وودز" أن يتم إبطال الرقابة على سعر الصرف ويتم السماح بتصدير رؤوس الأموال الأميركية، وأن تكون العملة المرجعية هي الدولار.
 
"
شكلت حرب الخليج نهاية الأوهام حول إمكانية قيام عالم متعدد الأقطاب، فلم يعد ممكنا لقوة عدا الولايات المتحدة الأميركية أن تدعي قدرتها على المنافسة في المجالات الرئيسية
"

ولم يكن لصندوق النقد الدولي و"الغات" من سلطة خارج دائرة التأثير الغربية، ولم تحتفظ الأمم المتحدة سوى بدائرة "منصة دولية تلجأ إليها بوجه خاص دول العالم الثالث"، ويستمر الوضع إلى أن تخلت الولايات المتحدة عن التكافؤ بين الذهب والدولار مما أدى إلى سلسلة من المضاربة على العملات وإنشاء الخمسة الكبار G5 ثم تحولت إلى G7 بعد انضمام إيطاليا وكندا، وG8 عام 2001 بعد انضمام روسيا.


وقد يروق للولايات المتحدة اليوم أن تستمر في اتخاذ القرار وحدها بكامل السيادة في كل المسائل التي تتعلق بها وتخص باقي العالم، ويعتمد ذلك على التصميم الإستراتيجي الذي يتجاوز العودة للحرب الباردة وعلى المبدأ الكلاسيكي "فرق تسد" والسعي لتفادي إقامة تحالف بين الحضارات الإسلامية والهندية والصينية الكونفوشيوسية لضمان هيمنة الحضارة الغربية، وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.

 

هذا التوجه المعروف باسم "توافق واشنطن" مطبق على العالم أجمع لتحديد العجز في الميزانية، وإعطاء الأولوية لخلق البنى التحتية مثل الصحة والتعليم وتشجيع الاستثمار الأجنبي وخصخصة الشركات التي تمتلكها الدولة، والالتزام بالقواعد التي يفرضها صندوق النقد الدولي لدى إقامة التكيف الهيكلي.


ومن سمات هذه الحقبة أن أصبح "توافق واشنطن" محل جدل وانتقاد عشرات الملايين من المتظاهرين بالبلدان التي كانت ضحايا خطط التكيف الهيكلي، وهو ما جعل جوزيف سيغليتر الذي نال جائزة نوبل للاقتصاد في كتابه "الخدعة الكبرى" يدعو إلى تحجيم مهام صندوق النقد الدولي وإلغاء ديون الدول الفقيرة، وإصلاح المؤسسات الدولية، وعززت كل تلك الانتقادات والاقتراحات الحركات المناهضة للعولمة الليبرالية.

 

الاقتصاد والنضال

كل انقلاب في النظام الإنتاجي يأتي مصحوبا بنضالات، ففي الوقت الذي يسعى فيه أرباب العمل إلى زيادة معدل الربح يزيد عدد العمال، وهذه فرصة مواتية لخلق حركة عمالية للدفاع المباشر عن حقوق العمال مثل الاتحادات الفيدرالية للنقابات المهنية.

 

وقد بدأ نسج التحالفات بين القطاعات الاجتماعية والمناضلين عام 1990 في الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال هناك نقابات النسيج التي تعمل مع الحركات الطلابية لتعترض ضد "سويت شوب" التي يتفاقم فيها استغلال العمال.

 

وفي الولايات المتحدة يقوم المناضلون بتعبئة أنفسهم ضد العولمة في خدمة الشركات الكبرى، بينما في فرنسا يتم التركيز على العولمة بفضل "أتاك" أما التنظيم شبه الفئوي في اليابان وكوريا فيقوم على مبدأ التوزيع والمرونة في الوحدات الاقتصادية، وهذا يوضح الاختلافات الثقافية التي تنطلق من الإشكاليات النضالية.

         

عولمة الحركات الاجتماعية

"
استطاعت الحركات الاجتماعية توظيف التناقضات واختلاف المصالح بين الدول للقيام بحملات على الساحة العالمية، مثل الحملة ضد "تسليع العالم" وحملة إلغاء ديون العالم الثالث
"
استطاعت الحركات الاجتماعية توظيف التناقضات والاختلافات واختلاف المصالح بين الدول للقيام بحملات على الساحة العالمية، مثل الحملة ضد "تسليع العالم" وحملة إلغاء ديون العالم الثالث.

 

وكانت هذه الحركات ذات أهمية خاصة في إيطاليا مع موجة تنظيم "الكوباس" وكذلك في فرنسا مع ظهور "لجان التنسيق" في شركة سكة الحديد الفرنسية، لكن عمليات التعبئة الحديثة أظهرت قدرة كبيرة على إدخال الخاص في العام دون محو خصوصيات الخاص.

 

ففي مدينة نيس عام 2000 سمحت التعبئة بالتلاقي بين الحركات "النقابات وحركات العاطلين عن العمل" التي تقوم بتعبئة نفسها من أجل سياسة اجتماعية بديلة في أوروبا وبين حركات النضال ضد العولمة الليبرالية وبوجه خاص حركة "أتاك" وكذلك في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان ضد مرونة العمل، وكان كل ذلك على صلة بالحركات التي تناضل ضد العولمة الليبرالية.

 

وتبقى الحركة النقابية هي الوحيدة المنظمة بشكل ديمقراطي وتتمتع بقدرة كبيرة على المقاومة، وإذا أشرنا إليها بالأرقام فالاتحاد الكونفدرالي الدولي للنقابات الحرة CISL يضم 124مليونا من الأعضاء، وفي فرنسا نجد "أتاك" ATTAC بصفتها نموذج قصة نجاح تضم عددا يفوق 30000 عضو.

 

ومع ذلك فالحركة النقابية تتعرض لصعوبة بالتشابك القوي بين الحركة النقابية والقوانين واللوائح والتقاليد القومية حيث تتسم بالعالمية، وفي نفس الوقت فهي تابعة بشكل كامل للخصوصيات القومية، فإذا اخترنا أمثلة من أوروبا فإن كلا من فرنسا وإسبانيا تتمتع بحركة نقابية تعددية وقدرة على التمثيل نابعة من عملية انتخابية، لكن في إسبانيا لا يعد الاتفاق داخل الشركات ساريا إلا إذا تم توقيعه عبر نقابات، أما في الدول غير الديمقراطية فالمشاركة في النقابات تكون إجبارية، ويجري التنظيم على المستوى المحلي وعلى مستوى المهنة.

 

وتعود أزمة الحركة النقابية إلى نموذج ارتبط بحقبة تاريخية تقوم على الصناعة الكبيرة وعلى اعتراف تشريعات مختلف البلدان بالعمل النقابي، فعندما تعمل الاقتصاديات الكبرى والشركات الخاصة لأجل إيقاف الضغط على الأرباح دون زيادة عدد العمال وعن طريق تخفيض أجر العملة فلا بد من إضعاف النقابات، وكذلك التكيف مع الأشكال التنظيمية الجديدة "شبكة الشركات القائمة على المستوى العالمي".

 

ولمواجهة التراجع فقد اتخذت ردود الفعل أشكالاً مختلفة تركز على الاهتمام بالإجراءات التشريعية أو التقدم التعاقدي بتشجيع إنشاء النقابات وتعزيز وزنها في المفاوضات، حتى أصبحت هناك محاولات نضالية ضد تراجع النقابات، كما في فرنسا التي تمتلك حركة نقابية مفتتة وتتسم بالتعددية.
 
"
سهّلت المجالات المتاحة للعمل المشترك قيام التنسيق بين الحركات الفلاحية وتكوين "أممية فلاحية" تجاوزت الأميركيتين لتصل إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا وتضم 50 مليون عضو
"

أما الحركة النقابية في الولايات المتحدة فإنها تركز على نقابات قومية كبرى لم تمتلك بنى تحتية تسمح بالتضامن بين مهنة وأخرى أثناء الصراعات الاجتماعية، لكن مع تجدد الحركة النقابية ظهر ذلك الانفتاح بين المهن، ويلاحظ أن المسؤولين الجدد للاتحاد الفيدرالي ما زالوا مرتبطين بأيديولوجية مرتكزة على الشراكة الاجتماعية.

 

فهم يعلنون أنهم سوف يتحدون الشركات الأميركية، وفي اليوم التالي يمكنهم التوجه إلى رجال الأعمال ليطلبوا التعاون معهم، لكن تطور الحركة النقابية الأميركية هو أمر حقيقي، فقد شارك العديد من القادة النقابيين في الحركة ضد الحرب الأميركية على العراق في  أكتوبر/تشرين الأول 2002 بواشنطن.

 

وفي طريق آخر لعمل الحركات النقابية، تستهدف الشركات متعددة الجنسيات مثل شركة "أمازون" الأكثر شهرة في مجال الاقتصاد الجديد والتي هي الأولى في مجال الإنترنت والكتب والاسطوانات المدمجة، وهي شركة أميركية مقرها سياتل لكن منافذها موزعة في كل أنحاء الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا.

 

والنقابات ليست هي الحركة الوحيدة التي تناضل ضد العولمة، فقد كان لحركة الشباب ظهور كبير منذ عام 2001 في مظاهرات كيبيك ومظاهرات جنوة وفي بريطانيا، وقد ظهرت شبكة هامة من المناضلين البيئيين الراديكاليين تحت اسم "طريق الازدهار" و"السلام الأخضر" والتي حققت أهمية كبيرة داخل حركة الشباب خاصة عندما أخذت تتنوع لتشكل حركة "فلنطالب بالشوارع" التي شاركت في المسيرات الأوروبية ضد البطالة، وبعد ذلك الحملة ضد الخصخصة ثم دخلت التعبئة ضد "العولمة الليبرالية".

 

كما ظلت الحركات الفلاحية لوقت طويل راسخة في الواقع القومي وكانت مماثلة للحركة العمالية، وكان تطور الرأسمالية يمثل أساسا للنضالات الفلاحية. فالتمردات الفلاحية هي تفاعلات كبرى ناتجة عن انقلاب المجتمع نفسه، ففي المكسيك جرى الدفاع عن "الإيجيدوس" الأرض الجماعية الهندية، وفي البرازيل توجد حركة "الفلاحين بدون أرض" من أجل إصلاح زراعي، وفي فرنسا والدول المتقدمة نجد بشكل خاص الدفاع عن صغار الفلاحين في مواجهة فائض الإنتاج.

 

وقد سهلت المجالات المتاحة للعمل المشترك قيام التنسيق بين الحركات الفلاحية وتكوين "أممية فلاحية" التي تجاوزت الأميركيتين لتصل إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا وتضم 50 مليون عضو، وتظهر أهمية النضال ضد العولمة الليبرالية في حضور الفلاحين على غرار سياتل وجنيف وبورتو البحري عام 2001، وتدافع عن فكرة إنشاء تحالف دولي يرتكز على الحركات الاجتماعية.

 

وتبقى هناك بعض الفئات الكبرى غير الحكومية وهي التي تهتم بحقوق الإنسان على غرار منظمة العفو الدولية، ثم المنظمات التي تتناول حالات الطوارئ الغذائية أو الطبية مثل "أطباء بلا حدود" التي تعمل على التنمية وتسعى لمعاونة بلدان الجنوب، ومثل منظمة "أوكسفام" واللجنة الكاثوليكية لمحاربة الجوع في   .CCFD

 

كما أنشئت المنظمات غير الحكومية من أصل مزدوج، مثل منظمة الصليب الأحمر بعد معركة سوبفرينو، ثم حركة التحرر الوطني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بيد أن المنظمات غير حكومية شهدت زيادة كبيرة بدءا من عام 1980، ليصل عددها في عام إلي 29000، وإلي المليونين علي المستوى القومي في الولايات المتحدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة