عالم ثراكي المسلم   
الخميس 1432/5/18 هـ - الموافق 21/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:59 (مكة المكرمة)، 11:59 (غرينتش)

عرض / شادي الأيوبي

منذ تشكل دولة اليونان الحديثة بحدودها الحالية، بدا واضحا أن منطقة ثراكي الغربية ستكون هي ومسلموها عنصرا له خصوصياته وحساسياته التي ستثير على الدوام الكثير من القضايا والآراء.

منطقة ثراكي الكبرى تم تقاسمها بين اليونان وتركيا، حيث ضمت اليونان ثراكي الغربية، وضمت تركيا القسم الشرقي منها، وعند توافق حكومتي كمال أتاتورك وإليفثيروس فينزيلوس على تبادل السكان بشكل إجباري في اتفاقية لوزان عام 1923، تم استثناء مسلمي ثراكي الغربية واليونانيين في مدينة إسطنبول من عملية الترحيل.

-الكتاب: عالم ثراكي المسلم
-المؤلف: إيلينا موسخيذي
-عدد الصفحات 179
-الناشر: دار كاستانيوتي - اليونان
-الطبعة الأولى/ 2010

ومنذ ذلك الحين، صدرت في اليونان عشرات الكتب ومئات المقالات والدراسات عن هذه المنطقة التي يجهل معظم اليونانيين ظروفها وأحوالها، وتتنافس كل من اليونان وتركيا على النفوذ فيها، في حين يعيش أهلها ظلم التاريخ والجغرافيا، في ظل المناكفات الدائمة بين الجارين اللدودين.

وتنبع أهمية الكتاب الذي بين يدينا، كما تقول مؤلفته إيلينا موسخيذي من كونها هي ومصورتها امرأتين، وبهذه الخاصية استطاعتا الدخول بسهولة إلى بيوت الأقلية المسلمة في ثراكي، والحديث إلى النساء المسلمات وكسب ثقتهن للإدلاء بما لديهن من مشكلات حياتية، كما دخلتا مدارس الأقلية لفترة طويلة، لتعاينا عن قرب مشكلات النظام التعليمي التي تثير خلال الفترة الأخيرة مقدارا كبيرا من الجدل، كما أن الكتاب اعتمد على شهادات لعشرات من أبناء الأقلية ورؤيتهم لمشكلاتهم، بدلا من الكتابة عنهم من بعيد.

هوية أبناء الأقلية
يخوض الكتاب في مسألة هوية أبناء الأقلية، القضية الشائكة التي تثير دائما خلافات قوية بين القائلين إنهم مواطنون يونانيون مسلمون، وهذه هي وجهة النظر الرسمية ووجهة نظر الأحزاب السياسية اليونانية، وبين القائلين إنهم أتراك، وهؤلاء مجموعة كبيرة من مسلمي الأقلية، يتهمهم اليمين اليوناني بأنهم أتباع للقنصلية التركية الموجودة في مدينة كوموتيني، أكبر مدن المنطقة.

الخلاف حول هوية أبناء الأقلية له شق آخر، فمن وجهة النظر اليونانية، تنقسم الأقلية إلى ثلاثة أعراق، الأتراك والبوماك الذين يسكنون القرى القريبة من الحدود اليونانية البلغارية، والغجر المعروفين بـ"الروما". أما أبناء الأقلية فيتحدث معظمهم عن أقلية واحدة هي "أتراك ثراكي الغربية"، كما تتحدث وجهة النظر اليونانية عن أقلية البوماك التي تحاول القنصلية التركية "تتريكها" بشتى الأساليب، لكنها تجاهد بدورها للحفاظ على هويتها المتميزة.

ويلقي الكتاب الضوء على القرى المعروفة اليوم بـ"قرى البوماك"، وهي معروفة بجمالها الطبيعي ووفرة الماء والغابات فيها، وتحاول اليونان اليوم الترويج لها في برامج سياحية لتشجيع اليونانيين على زيارتها والتعرف على أهلها، الذين يشعرون منذ سنوات طويلة بأنهم مهملون تماما من قبل الدولة اليونانية، حيث تخلو مناطقهم من أي مشروعات تنموية أو سياحية.

اللغة البوماكية أصبحت مجال شد وجذب خلال السنوات العشر الماضية، فهذه اللغة التي أخذت من اللغتين البلغارية والتركية، بقيت لغة شفوية حتى التسعينيات من القرن الماضي حين ظهر أول كتاب مكتوب لها، وهناك اليوم دعوات من يونانيين قوميين و جمعية البوماك الثقافية، لتدريسها لأبناء العرقية البوماكية بدلا من التركية.

"
يلوم كثير من القوميين اليونانيين الدولة اليونانية على ما يعتبرون أنه إهمال رسمي قاتل لمنطقة ثراكي وأقلية البوماك، مما يتيح الفرصة للقنصلية التركية لجذبهم إلى معسكرها
"
ويلوم كثير من القوميين اليونانيين الدولة اليونانية على ما يعتبرون أنه إهمال رسمي قاتل لمنطقة ثراكي وأقلية البوماك، مما يتيح الفرصة للقنصلية التركية لجذبهم إلى معسكرها، كما يحاولون التواصل مع بعض البوماك المعادين لتركيا ونشر أفكارهم عبر الشبكة العنكبوتية والمطبوعات المختلفة.

أما القضية التي لا يدركها كثيرون، فهي وجود مجموعة من السودانيين في منطقة سهل كسانثي، يبلغ عددهم اليوم حوالي ألف شخص، وهؤلاء جاء بهم العثمانيون أيام حكمهم للمنطقة، ليقوموا على حمايتها والاهتمام بها، ولا يزالون يحتفظون بالكثير من العادات والأسماء السودانية.

ومن أبرز نقاط الخلاف حول موضوع الهوية، هو الجمعيات التركية في ثراكي، وهي الجمعيات الثقافية والاجتماعية التي أقامها أبناء الأقلية تحت مسميات مثل "اتحاد أتراك ثراكي" وهذه الجمعيات حظرتها الدولة اليونانية منذ ثمانينيات القرن الماضي، فما كان منها إلا اللجوء إلى المحاكم الأوروبية، التي حكمت عام 2008 لصالحها، لكن الحكومة اليونانية رفضت تنفيذ القرار، ولا تزال القضية على حالها، وتفكر تلك الجمعيات في إعادة المسألة إلى المحاكم الأوروبية من جديد.

علاقة الثراكيين بتركيا
علاقة أبناء الأقلية مع تركيا ليست مجرد انتماء سياسي، بل هي واقع معيشي ملموس، فأبناء الأقلية كانوا حتى فترة قريبة يرسلون أبناءهم إلى تركيا للدراسة، قبل أن تفتح اليونان أبواب الدراسة لهم بتخصيص نسبة ثابتة لطلابهم في الجامعات اليونانية، كما أن للكثيرين منهم ممتلكات ومصالح في تركيا، حيث تعج عشرات الحافلات يوميا بالمسافرين إليها، وتملأ البضائع التركية المختلفة أسواق المنطقة، حتى يخال المرء نفسه في أحد أسواق إسطنبول.

ولا تزال تركيا حتى اليوم، ملجأ أبناء الأقلية في المناسبات والإجازات، حيث يرسلون أبناءهم إليها لتعلم القرآن الكريم والدين الإسلامي، وتمضية العطل الصيفية في مخيمات ومدراس رسمية وخاصة، ويتحدث أبناء الأقلية اللغة التركية في منازلهم، كما يتابعون القنوات التركية بشكل شبه حصري، وحتى اليوم لا يزال الكثيرون من أبناء الأقلية يتكلمون اليونانية بشيء من الصعوبة.

لكن المناكفات بين اليونان وتركيا كان لها أثر سيئ على أبناء الأقلية، كما كان لها على يونانيي تركيا، حيث يروي الصحفي عبد الحليم ديديه أحد أبناء الأقلية، أن المسلمين كانوا حتى أحداث قبرص عام 1974، يشكلون 80% من سكان ثراكي، وقد أدى هروب قسم منهم إلى تركيا إلى أن تصبح نسبتهم اليوم 30% فقط.

"
لا تزال تركيا حتى اليوم، ملجأ أبناء الأقلية الثراكية في المناسبات والإجازات، حيث يرسلون أبناءهم إليها لتعلم القرآن الكريم والدين الإسلامي، وتمضية العطل الصيفية
"
وتمتد رواية ديديه لتشمل الإجراءات التي فرضت على أبناء الأقلية منذ أيام الحكم العسكري في اليونان (1967-1973) حتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وكانت تشمل عزل القرى الجبلية عن العالم الخارجي، حيث كان لا يسمح للقرويين بالدخول إليها والخروج منها إلا بإذن من السلطات العسكرية، وكان يمنع الدخول والخروج بعد غروب الشمس.

وحول مسألة الهوية يعتبر ديديه أنه ما من طريقة علمية لإثبات انتماء شخص ما إلى أي عرقية، ولهذا يجب السماح له بالتعبير عن هويته وانتمائه بنفسه، مذكرا أن الدولة اليونانية كانت حتى عام 1977 تعتبر الأقلية تركية، وكانت تعتبر المدارس تركية، ثم تغيرت السياسة فجأة لتتحول الأقلية إلى يونانية، و تبدأ السلطات في نصب تماثيل للإسكندر المقدوني في مداخل قرى الأقلية للتأكيد على هذا التوجه.

النساء ومشكلاتهن
وتتعرض المؤلفة إلى قضية نساء القرى المسلمات والمشكلات التي يعشنها، حيث يعاني بعضهنّ من الأمية وعدم الاتصال مع العالم الخارجي، كما ترصد محاولات لبعض الأخصائيات الاجتماعيات في المنطقة لتطوير هذه الحالات عبر إرسالهن إلى مدارس الفرص الثانية، وتعليمهن مهارات منزلية ومهنية، كما ترصد ازدياد حالات الطلاق بين أبناء الأقلية المسلمة الشباب، وذلك نتيجة لطرق العيش الحديثة وقلة المعرفة بأصول وأهداف الزواج، كما يوضح مفتي كوموتيني حافظ جمال مستو.

ويناقش الكتاب باختصار مسألة مهام مفتي المدن الثلاث (كوموتيني، كسانثي، ذيذيموتيخو)، حيث أوكلت إليهم مهام الزعيم الديني والمفتي وتعيين أئمة المساجد ومراقبتهم حسب اتفاقية لوزان السابقة الذكر.

أما المشكلات الاقتصادية للأقلية فأهمها انقطاع الدعم الأوروبي عن زراعة التبغ التي يمارسها معظمهم وتشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، ويبدو أن التحدي الأكبر لدى هؤلاء هو التحول إلى زراعة منتجات أخرى يمكن أن تتلاءم مع مناخ المنطقة.

الشباب العشريني الذي درس في المدارس والجامعات الحكومية اليونانية، يظهر اليوم بعض الاختلاف في أسلوب التفكير عن الجيل السابق، فقد تسربت إليهم العادات والأفكار اليونانية، ويظهر ذلك من خلال طريقة لباسهم، واختلاط الفتيان بالفتيات، كما يظهر في مجاهرتهم بشرب الخمور في الساحات العامة والأسواق.

وكنموذج للمدارس الدينية في ثراكي، تبرز المدرسة الخيرية في مدينة كوموتيني التي أنشأتها وزارة التعليم اليونانية عام 1948، وتضم مدرسة متوسطة وأخرى ثانوية إضافة إلى سكن للطلاب، وهي تعادل المدارس المتوسطة والثانوية التابعة للكنيسة الأرثوذوكسية، ويجري التدريس في المدرسة الخيرية، ومدارس الأقلية اليونانية في مدينة إسطنبول.

"
كتب الدراسة التركية ترسلها وزارة التربية التركية، في حين ترسل وزارة التعليم اليونانية كتب اللغة اليونانية، ويتولى أبناء الأقلية تدريس الدين الإسلامي
"
كتب الدراسة التركية ترسلها وزارة التربية التركية، في حين ترسل وزارة التعليم اليونانية كتب اللغة اليونانية، ويتولى أبناء الأقلية تدريس الدين الإسلامي، ويتولى مدرسون يونانيون مسيحيون تدريس المواد العلمية، ويبلغ عدد طلاب "الخيرية" حوالي 400 طالب وطالبة، يتلقون مواد الدين الإسلامي والتاريخ بالتركية، كما يتعلمون اللغة العربية والقرآن الكريم، إضافة إلى اللغة اليونانية والمواد العلمية.

المسلمون الغجر
المسلمون الغجر المعروفون بالـ"روما"، وهم العنصر الثالث المكون للأقلية، يعيشون في ظروف غير إنسانية، فهم يقيمون في بيوت الصفيح في أحياء معزولة قرب المدن الكبرى، وتسود بينهم الأمية والفقر، حيث لا مستقبل لأبنائهم في التعليم، مما يدفع الشباب إلى ترك التعليم في سن صغيرة والاتجاه إلى العمل، وبما أن السوق المحلي لا توفر لهم أي فرصة، فهم يتوجهون إلى دول مثل ألمانيا وهولندا بحثا عن فرص عمل.

وكما يشير أحمد ميفيت رئيس اتحاد "غجر ثراكي والمهجر"، فإن البرامج التنموية التي يخصصها الاتحاد الأوروبي لمساعدة الغجر في مجالات الإسكان والتعليم لا تصل إليهم، كما أنهم لا قدرة مادية لديهم للسفر الدائم إلى أثينا لمتابعة هذه الموضوعات، لأن صندوق الجمعية فارغ منذ تأسيسها، حسب قوله.

ويحاول بعض المهتمين المقتدرين ماديا دعم بعض النوادي الثقافية والرياضية التي تعنى بتوجيه الشباب الغجري إلى نشاطات ثقافية وإبداعية، لكن هذه النشاطات تعتبر ترفا لأطفال وشباب الغجر الذين يقضون يوميا ساعات طويلة في الشوارع لبيع بعض البضائع والأدوات البسيطة مقابل مبالغ زهيدة.

ويعرج الكتاب على قرى الفرقة البكتاشية في إقليم روذوبي المحاذي لتركيا، حيث يلاحظ تميز هؤلاء في بعض طقوسهم الدينية مثل حضور الموسيقى والرقص الصوفي، إضافة إلى أوجه عديدة من التشابه بين تلك الطقوس والطقوس المسيحية، وهذه القرى تستضيف سنويا مهرجان المصارعة المتوارث منذ أيام السلطنة العثمانية، ويستقطب رياضيين من أنحاء البلقان.

ازدواجية المفتين
"
يدير المفتي المعين من قبل الدولة اليونانية النشاطات الرسمية والأوقاف، لكنه مغيب عن المناسبات الاجتماعية والعامة التي يدعى إليها المفتي المنتخب المؤيد من القنصلية التركية
"
الكتاب تجنب الخوض في مسألة ازدواجية المفتين وانتخاب مفتين موازيين في مدينتي كوموتيني وكسانثي، وذلك لحساسية هذه المسألة، حيث يدير المفتي المعين من قبل الدولة اليونانية النشاطات الرسمية والأوقاف، لكنه مغيب عن المناسبات الاجتماعية والعامة التي يدعى إليها المفتي المنتخب المؤيد من القنصلية التركية، وهذه الازدواجية فرضت نفسها منذ تسعينيات القرن الماضي.

كما تجنب الكتاب الخوض في مسألة الأوقاف الإسلامية في ثراكي، وحالتها الراهنة في ظل تعيين لجان من قبل الدولة متهمين من الكثيرين من أبناء الأقلية بعدم الشفافية في إدارة الأوقاف وتضييع ثرواتها، ومصير المئات من أبناء الأقلية الذين نزعت عنهم الجنسية اليونانية خلال فترات الأزمات مع تركيا.

وتقع المؤلفة في بعض المغالطات التاريخية المعروفة، مثل إرجاعها سبب اعتناق البوماك للإسلام، أيام السلطة العثمانية، إلى رغبتهم في الهروب من الضرائب الفادحة التي كانت تفرض عليهم من السلطات آنذاك، كما أنها تتبنى الموقف اليوناني في اعتبار أن الأقلية البوماكية تتعرض لحملة تتريك من القنصلية التركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة