جريمة الإغلاق   
الاثنين 1432/1/7 هـ - الموافق 13/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:29 (مكة المكرمة)، 13:29 (غرينتش)

الجزيرة نت-خاص

من موقعه مديرا تنفيذيا للتحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب، يقدم مؤلف هذا الكتاب مرافعة قانونية هامة ضد ما جرى ويجري بحق قطاع غزة، ليس ما يتعلق بما يسمى عملية الرصاص المصبوب (نهاية 2008 وبداية 2009)، أو لنقل المجرزة الإسرائيلية بحق القطاع وأهله التي امتدت 22 يوما متواصلة، وإنما لسنوات من الإغلاق والحصار لم تنته فصولها بعد. وهي في واقع الحال ليست أقل شأنا من جرائم الحرب المباشرة، وبالطبع لأنها لون من ألوان العقوبات الجماعية التي تمر مرور الكرام بسبب الصمت العربي والتواطؤ الدولي.

-الكتاب: جريمة الإغلاق (القرائن الجرمية لإغلاق قطاع غزة)
-المؤلف: لؤي ديب
-عدد الصفحات: 223
-الناشر: المؤسسة العربية الأوروبية للنشر، المعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان، الأهالي للنشر والتوزيع
-الطبعة: الأولى/ 2010

 
يبدأ الكتاب بفصل هام وضروري للدخول إلى موضوع الكتاب، هو الوضعية القانونية لقطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب منه في سبتمبر/أيلول 2005، دون التوقف عند الجانب السياسي والأهداف التي أراد شارون تحقيقها من وراء ذلك الانسحاب ممثلة أولا في تخفيف الضغط السياسي الدولي على كيانه إثر جرائم عملية السور الواقي في الضفة الغربية، وثانيا في جعله (أي الانسحاب) محطة في اتجاه تطبيق مشروعه السياسي (الحل الانتقالي بعيد المدى) الذي يعني الانسحاب حتى حدود الجدار، وإقامة دولة فلسطينية لمدة تتراوح بين 10 و15 سنة قبل الخوض فيما يسمى ملفات الحل النهائي التي يسعى إلى تكريس تجاهلها، خاصة ملف القدس واللاجئين (يغدو النزاع عندها مجرد نزاع حدودي بين دولتين).

بعد الانسحاب سعى الإسرائيليون إلى إعطاء الانطباع بأن القطاع لم يعد محتلا من قبلهم، وكان يهدفون بالطبع، وعبر السلطة الجديدة التي ورثت ياسر عرفات إلى تحويل علاقته بالضفة الغربية إلى علاقة جوار، تماما كما هي علاقة الأردن بها، وجعل ذلك "بروفا" للتخلص من أعباء الاحتلال المالية والأمنية والسياسية، مع الحيلولة دون تحويله إلى صداع أمني، وبالطبع عبر استمرار السيطرة عليه من المعابر البرية والجوية والبحرية.

في 15 سبتمبر/أيلول 2005 خطب شارون في الأمم المتحدة معلنا انتهاء احتلال قطاع غزة، وبالتالي نهاية مسؤولية "إسرائيل" عن حياة السكان المدنيين فيه، الأمر الذي يردّ عليه الكتاب بسلسلة طويلة من الشواهد التي تؤكد بطلان الدعوى.

في البداية يصفع الكتاب الكثيرين بحقيقة مرة مفادها أن سكان قطاع غزة "لم يعانوا وضعا اقتصاديا واجتماعيا متدنيا خلال 38 عاما من الاحتلال كالذي عانوه منذ إعادة الانتشار في سبتمبر/أيلول 2005"، حيث ارتفعت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر من 45% إلى 79%, إلى جانب الضغوط النفسية والاجتماعية المترتبة على تقييد حركة دخولهم وخروجهم من القطاع.

حدث ذلك بعدما سيطرت دولة الاحتلال على جميع المعابر التي تصل القطاع بالعالم الخارجي، باستثناء معبر رفح الذي كانت تراقبه بالكاميرات قبل الحسم العسكري منتصف يونيو/حزيران 2007، حيث كان يشغل حسب اتفاقية المعابر التي كان يشرف على تطبيقها الاتحاد الأوروبي، مع العلم أن معبر رفح لم يكن يُفتح كثيرا قبل الحسم العسكري (أغلق 148 يوما عام 2005، و148 يوما عام 2006، و211 يوما عام 2007).

من عناوين السيطرة الإسرائيلية على القطاع التي يذكر الكاتب بها (السيطرة الكاملة وعلى مدار الساعة على الأجواء وتأثير ذلك على حركة الناس، خاصة المزارعين في المناطق الحدودية، السيطرة الكاملة على السجل السكاني وتعريف من هم سكان القطاع وإعطاء أرقام الهويات لشهادات الميلاد الجديدة، والسيطرة على النظام الضريبي بسبب حركة البضائع مع القطاع، والسيطرة على دخول البضائع بشتى أنواعها، وضمن ذلك الوقود، والسيطرة على حركة المال بين الضفة والقطاع. أما الأهم من ذلك كله فهو السيطرة على البحر، ليس الدخول والخروج من خلاله فقط، بل تقييد حركة الصيادين واستثمار ما فيه (البحر أيضا).

"
الكتاب يتجاوز كونه دليلا على نسف نظرية انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، إلى كونه دليلا على أهمية قطاع غزة من الناحية الاقتصادية، فضلا عن تأكيده على فساد السلطة الفلسطينية وبؤس إدارتها للملف الفلسطيني برمته
"
في هذا السياق المتعلق بالسيطرة على القطاع يدخل الكتاب إلى قضية الغاز الفلسطيني، وهي قضية معقدة إلى حد كبير ويصعب التطرق إليها بإسهاب في هذه المراجعة، لأن فيها تفصيلات كثيرة، بعضها بالغ الأهمية حول بدء مشروع الغاز والفساد الذي أحاط به من طرف السلطة، وكذلك من طرف بعض الشركات الأميركية والبريطانية ذات العلاقة، ومن ثم اكتشاف الإسرائيليين لأهمية ذلك الغاز وقرارهم السيطرة عليه، وكذلك تواطؤ النظام المصري، إلى غير ذلك من التفصيلات المذهلة حول احتياطي الغاز الفلسطيني الذي يتفوق على الاحتياطي الإسرائيلي (كله فلسطيني بالطبع).

والحق أن هذا الجزء من الكتاب يتجاوز كونه دليلا على نسف نظرية انتهاء الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، إلى كونه دليلا على أهمية قطاع غزة من الناحية الاقتصادية، فضلا عن تأكيده على فساد السلطة الفلسطينية، وبؤس إدارتها للملف الفلسطيني برمته، إلى جانب منح القارئ، بما في ذلك الباحث المطلع على الملف الفلسطيني معلومات جديدة كثير منها مجهول بالنسبة إليه.

مطابقة الأفعال بالقانون الدولي
يرى الكاتب أن ادعاء "إسرائيل" أن انفصالها عن القطاع قد جعلها غير "ملزمة بشيء تجاه سكانه"، إنما يعود إلى استنادها إلى تعريف ضيق لمصطلح الاحتلال الوارد في القانون الدولي، "حيث يعتمد المصطلح على التواجد العسكري المستمر على الأرض في منطقة معينة".

هنا يشرع الكاتب في نسف المزاعم الإسرائيلية من خلال نصوص القانون الدولي التي يبدو واسع الاطلاع عليها، مؤكدا في الخلاصة أن "إنهاء الاحتلال يستوجب نقل السلطة السيادية بالكامل من أيدي القوة الأجنبية إلى ممثلي السكان في المنطقة المحتلة، أو على أقل تقدير عدم التدخل في ممارسة ممثلي السكان للسلطة التنفيذية"، وهذا هو مضمون المادة 47 من معاهدة جنيف الرابعة.

والحال أن نسف هذه النظرية لا يبدو صعبا بحال من الأحوال، بدليل أن أحدا في المجتمع الدولي لا يصدق مزاعم انتهاء الاحتلال، بل إن الممارسة السياسية الإسرائيلية لا تذهب في هذا الاتجاه، بدليل طرح وزير الخارجية الإسرائيلية ليبرمان لمشروع الانفصال الكامل عن القطاع، مع مراقبة السفن المتوجهة إليه بالتعاون مع الأمم المتحدة.

السلطة العادية والسلطة السيادية
في فصل آخر وبعد التفريق بين ممارسة السلطة العادية وممارسة السلطة السيادية، يشير الكاتب إلى وضع الدولة العبرية في القانون الدولي، حيث أنها دولة ناقصة العضوية في الأمم المتحدة (أكثر من مراقب وأقل من عضو)، لأنها لم تحقق شروط قبولها عضوا في الأمم المتحدة حسب القرار رقم 273 لسنة 1949، وهي (أي الشروط): تنفيذ قرار التقسيم، تنفيذ القرار رقم 194 بشأن عودة اللاجئين، واحترام وضع مدينة القدس، واحترام ميثاق الأمم المتحدة).

وبتوقيع تفاهمات أوسلو استعادت "إسرائيل" حقها في الوجود دولة، لكن إعلان شارون انتهاء تلك التفاهمات، يعيد "إسرائيل" حسب الكاتب "إلى أقل من الصفة السابقة، وهي أقل من عضو مراقب".

بعد ذلك يشير الكاتب إلى أن نهاية مسؤولية الاحتلال عن حياة السكان المدنيين لا تنتهي فورا حتى في حال انسحابه، بل تنتهي بالتدريج، كما أن دولة الاحتلال تكون ملزمة بإصلاح الضرر الذي تسببت به وتعويض المتضررين.

"
ما يتعرض له قطاع غزة هو عمليا عقاب جماعي، فمنذ الانسحاب أحادي الجانب طالت السيطرة الإسرائيلية جميع جوانب الحياة، فسلبت السكان قدرتهم على العمل والتجارة، وعلى السفر
"
خلاصة الوضع هنا أن ما يتعرض له قطاع غزة هو عمليا عقاب جماعي، فمنذ الانسحاب أحادي الجانب "طالت السيطرة الإسرائيلية جميع جوانب الحياة، فسلبت السكان قدرتهم على العمل والتجارة، وعلى السفر إلى الضفة الغربية، وإلى خارج البلاد، وعلى استقبال الزوار، ومنعتهم من الحصول على المساعدات الإنسانية".

في فصل آخر، يواصل الكتاب عرضه لمنظومة العقاب الجماعي الذي يتعرض له القطاع بدعوى العمل على إجبار حماس على الاستسلام، مع العلم أن درجة الإغلاق قد ارتفعت بعد الحسم العسكري من 28% إلى 99%.

وهنا يدخل الكاتب في مسلسل من المعلومات والإحصاءات بشأن تأثيرات الإغلاق على حياة البشر وسائر مناحي الحياة في القطاع، فضلا عن تفنيده لواقع الحصار ومخالفته للقانون الدولي، بل استحقاق المسؤولين عنه للمحاكمة وفق القانون المذكور. ويعرج الكاتب أيضا على قضية الإنفاق، ونشأتها وتطورها وآليات عملها، وبعد ذلك الجدار الفولاذي الذين بنته مصر بمساعدة أميركية لوضع حد لتهريب البضائع للقطاع، بخاصة السلاح، والذي جاء قرار بنائه بعد الحرب إثر توافق دولي مثلته القوى الكبرى على وقف تهريب السلاح القطاع، ثم يتحدث عن الجدار والأنفاق من زاوية القانون الدولي.

الجزء الأخير من الكتاب يستعرض عددا من الوثائق المتعلقة بقطاع غزة، ولا سيما الحرب القذرة التي شنت عليه، وفيه أهم تقارير وبيانات التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب، التي تفضح سائر الجرائم الإسرائيلية أثناء الحرب وبعدها، وهي عموما تذكر بجرائم الحرب على القطاع مثل استخدام اليورانيوم المنضب ومخلفات نووية أخرى، وكذلك محاولة اغتيال تقرير القاضي الدولي غولدستون وفضح التواطؤ الذي وقع بهذا الشأن من طرف السلطة إلى جانب تراجع بعض الدول عن ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وهي عموما وثائق تعطي فكرة جيدة عن نشاطات التحالف الدولي لملاحقة مجرمي الحرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة