الديمقراطية.. الوعد الذي لم يُنجَز   
الأحد 1427/6/13 هـ - الموافق 9/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:41 (مكة المكرمة)، 9:41 (غرينتش)
عرض/ نبيل شبيب
يلاحظ القارئ بوضوح تأثير تخصص المؤلف أورس مارتي، أستاذ فلسفة العلوم السياسية في جامعة زيورخ، على صياغة هذا الكتاب، رغم استهدافه غير المتخصصين أيضا، وتأكيد المؤلف في مطلعه، أنه لا يريد تناول تاريخ الديمقراطية أو فلسفتها بين النظم السياسية للحكم، بل معالجة الأزمة التي يدور الحديث عنها بصورة متزايدة، تجاوزت أوساط البحث العلمي.
 
فالكتاب إجمالا دراسة منهجية، تقارن بين النظريات الفلسفية وتربط بها الواقع، لتحدد معالم الأزمة وما وصلت إليه، مع التأكيد -كما يصنع باحثون آخرون- أن الديمقراطية رغم أزمتها أفضل ما يوجد حاليا، وبالتالي ينبغي استشراف ما يمكن صنعه لتجاوز الأزمة، وهذا ما يحاوله أورس مارتي، الذي سبق أن نشر عدة كتب في ميدان تخصصه، آخرها ما صدر عام 2003 تحت عنوان: معالم نظام أو "لا نظام" عالمي جديد.




- الكتاب: الديمقراطية.. الوعد الذي لم يُنجَز
- المؤلف: أورس مارتي
- ترجمة: سليم طه التكريتي
- عدد الصفحات: 264
- الناشر: دار نشر روت بونكت, زيوريخ
- الطبعة: الأولى/2006 

دمقرطة الاقتصاد
في دراسة ما تقول به الفلسفة وما يشهده الواقع، يتميز الكتاب -رغم تكرار ذكر الفكرة المحورية فيه- بالوضوح والدقة في اختيار العبارات، وفي تسلسل الحجج وربط النتائج بالمقدمات، إنما يفترق نهج الكاتب عن كثير من أقرانه الباحثين في أزمة الديمقراطية، في أن التشاؤم يغلب على كتاباتهم مع التشكيك في قابلية حل الأزمة وتحقيق الأهداف المرتبطة بالديمقراطية في حياة الإنسان.

أما أورس مارتي فلا يكتفي بطرح الإشكاليات بل يؤكد قابلية العثور على حلول. ولكن حديثه عن البدائل أو الحلول في الفصل الخامس الأخير من الكتاب، بقي قاصرا عن ذلك، إذ يكرر الفصول السابقة بتعداد الانحرافات والسلبيات، وهو يؤكد أن البديل هو التخلص منها!

هذا ما جعل خاتمة الكتاب أشبه بمقدمته، التي يشرح الكاتب فيها منهجه، كما يضع القارئ في أجواء التناقض التي سادت بين الباحثين الأقرب سياسيا إلى اليمين من "محافظين وليبراليين" وأولئك الأقرب -على غرار المؤلّف- إلى اليسار من "اشتراكيين وشيوعيين".

فعقب سقوط المعسكر الشرقي، تأرجحت الآراء بين التنبؤ بانتصار الديمقراطية الغربية نهائيا، كما رأى فوكوياما الأميركي عام 1992م، فحدد بذلك نهاية التاريخ، وبين التنبؤ بنهاية وشيكة للديمقراطية نفسها، كما رأى جان ماري جويّين الفرنسي عام 1993م، فاستشرف بداية عصر "إمبريالي" جديد.

ويرى مارتي أن من أسباب هذا التناقض وجود اختلاف جذري في معايير التعامل اصطلاحيا مع كلمة الديمقراطية نفسها، فيقارن لهذا الغرض بين:

- معايير البنيوية الهيكلية القائمة في نظام ديمقراطي على ما يصفه بنظرة قيمية أخلاقية، وهي معايير تأخذ بها مثلا منظمة "دار السلام" الأميركية، للقول إن الانتخابات وتعدد الأحزاب وما يشابه ذلك عناصر كافية للحديث عن انتشار الديمقراطية في 119 من أصل 192 بلدا في العالم أو بين 44% من سكانه.

"
من أراد علاج أزمة الديمقراطية
 بمعنى "دمقرطة الديمقراطية"
عليه أن يصنع ذلك عبر "دمقرطة الاقتصاد", كما ينبغي إلى جانب الرقابة على سلطة الدولة، تأمين الرقابة على القوى الخاصة
 الاقتصادية والاجتماعية
"
- والمعايير المعيشية الواقعية التي تعتمدها مثلا منظمة "التنمية الإنسانية" التابعة للأمم المتحدة، إذ تركز على عناصر أخرى في مقدمتها تلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للسكان، فتستثني بلدانا عديدة من وصف الديمقراطية رغم الانتخابات والتعددية فيها.

ومن هذا التمييز ابتداء من المقدمة يظهر جوهر المحور الحاسم الذي يتحرك الكتاب بمجموعه حوله، فعنصر القدرة الذاتية شرط لا غنى عنه لتحصيل الحقوق المقررة نظريا أو شكليا، وبالتالي هو شرط قيام ديمقراطية قويمة.

فمن أراد علاج الأزمة بمعنى "دمقرطة الديمقراطية" -وفق تعبير المؤلف- عليه أن يصنع ذلك عبر "دمقرطة الاقتصاد"، كما ينبغي إلى جانب الرقابة على سلطة الدولة، تأمين الرقابة على سلطان القوى الخاصة -بمعنى القطاع الخاص- الاقتصادية والاجتماعية.

ويظهر هذا المحور باستمرار في فصول الكتاب الخمسة التالية، وإن تعددت ميادين البحث فيها تحت عناوين هل تحتاج الديمقراطية إلى أسس أخلاقية؟ وطرق إلى الديمقراطية, وحدود الديمقراطية, وديمقراطية بلا حدود؟

انفصال الواقع عن النظرية
الحديث في الفصل الأول فلسفي تاريخي ينطلق من مسيرة الفلسفة الغربية لتعزيز رؤية الكاتب المشار إليها، بالعودة إلى عدد من الفلاسفة التنويريين المعتمَدين في المرجعيات الديمقراطية في الغرب.

أولهم مونتسكيو (توفي 1755م) الذي أكد الحاجة إلى الدولة مرتبطة بضرورة تقنين التزام الأفراد بالقيم الأخلاقية في التعامل مع الآخر، وإن اعتبر وجود مثل هذه الدولة ضربا من الأوهام، والثاني روسو (توفي 1778م) واعتبر المرجع الأول في فكر الثورة الفرنسية، وإن لم يكن داعيا للثورة.

ولكنه ركز -إلى جانب مؤلفه العقد الاجتماعي- على القيم الأخلاقية والتربوية ليمتلك أفراد الفئات الشعبية مقومات حياتهم بأنفسهم، والثالث توكوييه (توفي 1859)، وكان "أرستقراطي الفكر" يميز بين العامة الناخبين، والنخب الأقدر على إيجاد الوسائل لتحقيق الأهداف أو المثل المحققة للمصلحة العامة للدولة، وإذ يدرك ما يعنيه ذلك من إمكانية استغلال أسباب القوة، يطرح فصل السلطات واستقلال القضاء كعناصر وقائية.

"
ضمان الديمقراطية مرتبط بمسؤولية السلطة عن إيجاد أسباب القوة والمعرفة للجميع، بحيث يمتلك الفرد -كل فرد- الشروط الضرورية لاستقلاليته في التفكير والتصرف
"
ويستخلص الكاتب من هذا الفصل أن ضمان الديمقراطية مرتبط بمسؤولية السلطة عن إيجاد أسباب القوة والمعرفة للجميع، بحيث يمتلك الفرد -كل فرد- الشروط الضرورية لاستقلاليته في التفكير والتصرف.

ومرة أخرى يعود الكاتب في الفصل الثاني إلى مرجعيات فلسفية من عصر الإغريق إلى العصر الحاضر، ليستخلص منها أن اختلاف الرؤى حول طرق تحقيق الديمقراطية صادر عن سؤالين متكاملين، عمن تحق له المشاركة في تقرير الأمور العامة، وعما ينطبق عليه وصف أمور عامة.

كما يؤكد أن "احتكار الدولة للسلطة" داخليا وسيلة وليس هدفا، فالهدف هو الحفاظ على نظام قائم على شرعية قانونية. وهنا يشير إلى أن النشأة الواقعية للنظم الديمقراطية الغربية لم تكن نتيجة جهد نظري، فلا تقاس على النظريات، بل اقترنت بسلسلة من التحولات الاجتماعية وجولات الصراع، ما أعطى الدفاع عن مصالحَ اقتصادية للدولة الأولويةَ بين الأهداف، وانبثق عنه الدفاع عن شرعية مطامح فئات بعينها، ذات أوضاع مادية متميزة، فيصل هنا مجددا إلى الفكرة المحورية للكتاب، أن "الأنظمة القانونية التي تضعها الدولة تبدو مشروعة من حيث انطلاقها نظريا من معيار ضمان معاملة الجميع على قدم المساواة، ولكنها تواري في الواقع انعدام المساواة من حيث القدرة على ممارسة حرية الاختيار التي يقول القانون بضمانها للأفراد" (ص 89).

لم يكن هذا العنصر غائبا في الأطروحات النظرية الفلسفية، ولكن التطور العملي أوصل واقعيا إلى ما يبرزه الكاتب في صيغة تساؤل، ما إذا كانت النظم الديمقراطية الحالية قائمة على فئة اجتماعية ذات مصالح مشتركة، تحتكر القرار السياسي والاقتصادي، بدلا من تمثيل مجموع المصالح المشتركة للمواطنين. ويرى الكاتب أن الانتكاسة الديمقراطية في هذا الاتجاه كانت مع أواخر السبعينيات من القرن الميلادي الـ20.

ويتناول الفصل الثالث مسألة الحقوق والحريات وتحديدها في نظام ديمقراطي، صناعة القرار فيه للغالبية، فيرى هنا ضرورة وجود منطلقات ثابتة أعلى موقعا من قرار الغالبية، لضمان حقوق الأقليات أو الفئات الأضعف، ما يعني "ثوابت قيمية" لترسيخ منطلق حياد العملية الديمقراطية تجاه الجميع.

ثم ينتقل من الجانب النظري إلى مشكلات قائمة واقعيا ليبين تناقض الواقع مع مهمة ضمان الحقوق والحريات، من ذلك:

1- التشريعات القانونية المتفاعلة مع متطلبات العولمة، دون أن تأخذ انتشار المخاوف منها بعين الاعتبار، مع أنها تعكس تصنيفَها شعبيا بين العوامل المؤثّرة من خارج الحدود، فهي من التدخلات الأجنبية في الموازنة المطلوبة ديمقراطيا بين الحقوق والحريات وسيادة الشعب وبالتالي صناعة قراره بنفسه.

"
من مشكلات الواقع الديمقراطي ارتباط دعوات انتشار الديمقراطية عالميا بممارسة سياسات خارجية من جانب الدول الأقوى باتت امتدادا للسياسات الداخلية، وحصيلةَ تأثير أصحاب النفوذ من خلالها، وبالتالي امتدادا للمصالح الذاتية عالميا
"
2- تحول الأحزاب إلى مؤسسات إدارية تحتكر تطبيق الديمقراطية، واضمحلال الفوارق بينها في معالجة المشكلات الجديدة الملحة، مثل التعامل مع العولمة.

3- وقد يبدو للقارئ العربي أن الكاتب يتحدث عن واقع البلدان العربية، عندما يذكر بين مشكلات واقع الديمقراطيات الغربة أيضا أن كثيرا من النخب تعمم فكرة قصور الشعب عن الاختيار الصحيح، ومن ذلك تفسير نجاح "الآخر" في الانتخابات بأنها من قبيل "الاحتجاج"، إنكارا لعنصر الاقتناع الواعي بما يطرح الآخر.

4- ومن أمثلة الكاتب على مشكلات الواقع الديمقراطي، ارتباط دعوات انتشار الديمقراطية عالميا بممارسة سياسات خارجية من جانب الدول الأقوى، باتت امتدادا للسياسات الداخلية، وحصيلةَ تأثيرِ أصحاب النفوذ من خلالها، وبالتالي امتدادا للمصالح الذاتية عالميا.

افتقاد الاستقلال السياسي
عنوان الفصل الرابع سؤال استنكاري: "ديمقراطية بلا حدود؟". والمقصود بيان التناقض بين ديمقراطية "عالمية" ودعوات "الليبرالية الجديدة" إلى إلغاء الحدود أمام العولمة، بعد تضخم تأثيرها على أدوات الديمقراطية لصناعة القرار عبر المؤسسات.

وهنا ينقض أورس مارتي بعض النظريات الحديثة حول حكومة ديمقراطية عالمية تتولى ما لا تستطيع الحكومات الوطنية تحقيقه بمعيار الديمقراطية، إذ لا يتحقق مبدأ اختيار غالبية الشعوب لمثل هذا النظام العالمي ديمقراطيا، ما دام التفاوت الكبير قائما على صعيد القدرات المادية مع ما يعنيه من تناقض المصالح.

ولكن البديل القائم بحكم الواقع أخطر على الديمقراطية، إذ تسعى حكومات الدول الأقوى عالميا مع بعض المنظمات الدولية، لممارسة صلاحيات حكومة عالمية تفرض قرارها، دون توكيل ديمقراطي أصلا لممارسة هذه الصلاحيات.

وبذور ذلك قديمة تكمن في تأسيس منظمات فاعلة على أسس قانونية دولية وضع صياغتها الطرف الأقوى دوليا، ثم أصبحت منطلقا للمزيد، في حلقات مستمرة، أهم عناصرها عدم المساس بهيمنة القوى المسيطرة ونفوذها، فظهرت (عولمة التشريعات القانونية لتلائم بين الأطر القانونية العامة وتطور احتياجات القوى الفاعلة اقتصاديا) -ص 161- ولم تفلح جهود الأمم المتحدة للحد من تأثير النشاطات السياسية للشركات ذات الجنسيات المتعددة في البلدان المضيفة.

ولهذا فإن (عملية إنهاء الاستعمار التي بدأت بقرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1960م تبقي وعد الاستقلال السياسي للدول الضعيفة مجرد وهم ما دام استقلالها السياسي الاقتصادي مفتقدا) -ص 162

في هذا الفصل ينتقد الكاتب بشدة مسيرة الرأسمالية وواقع "الليبرالية الجديدة" ما دام النص القانوني فاقدا للشرعية لافتقاده عنصر المشاركة الحرة في وضعه من جانب من يسري عليهم، و(الديمقراطية كما يعلم التاريخ لا تكون فعالة إلا عندما يتحقق قدر كاف من المساواة بين  المشاركين فيها على صعيد الرفاهية والسلطة) -ص 181

لا يأتي الفصل الخامس تحت عنوان "بدائل" بجديد، فما اعتبره الكاتب في الفصول السابقة من أسباب انحراف الديمقراطية عن مسارها، وانزلاقها إلى أزمة تهدد مستقبلها أو تجعله "مجهولا" على الأقل هو منطلقه فيما يطرح من بدائل.

ومطالبه محصورة في تأكيد ضرورة إزالة أسباب الانحراف تلك التي عددها من قبل، على محور عدم امتلاك الفرد القدرةَ لممارسة حقّه، حتى أصبحت القوى الاقتصادية تتحكم في القرار السياسي من خارج مؤسساته "المنتخبة"، وغاب المغزى من عمليات التصويت والانتخاب نتيجة اضمحلال الفوارق بين الأحزاب بصدد التعامل مع هذا العنصر بالذات، ومشاركتها في استصدار تشريعات تقنينية لمصالح الشركات الكبرى تحت طائلة ممارسة الضغوط، كالتهديد -تجاه السياسيين وتجاه الناخبين- بالإنتاج خارج الحدود، أي نشر البطالة وطنيا.

"
البديل القائم بحكم الواقع أخطر على الديمقراطية، إذ تسعى حكومات الدول الأقوى عالميا مع بعض المنظمات الدولية لممارسة صلاحيات حكومة عالمية تفرض قرارها دون توكيل ديمقراطي أصلا لممارسة هذه الصلاحيات
"
المقصود بكلمة البدائل في العنوان سلسلة تجارب جارية يعتبرها الكاتب نموذجية، لتمكين الفرد على مستويات شعبية وبلدية من المشاركة في اتخاذ القرار، ولكن معظم هذه التجارب الجارية لا يتجاوز حدود الميادين الفرعية، ولا يصل إلى مستوى المطلب الجوهري في الكتاب، وهو ديمقراطية تتضمن الرقابة على الاقتصاد لا السياسة فقط.

ومع حرص الكاتب على صياغة أطروحاته في قالب الحياد العلمي، من خلال استشهاداته الواسعة النطاق بآراء سواه، وعدم استبعاده طرح الرأي الآخر، قإن حصيلة الكتاب تعطيه موقعا واضحا في الدعوة إلى تطوير الديمقراطية، أو تطبيق ديمقراطية حديثة.

وقد يبدو للقارئ العربي أن المحور الأساسي الذي يحذر من انحراف الديمقراطية عن غايتها نتيجة هيمنة القوى المادية على القرار السياسي، محور لا يحتاج إلى البحث الاستدلالي الطويل، ولكن لا ريب أن الوسط الغربي الذي يتوجه الكاتب إليه في حاجة إلى هذا الأسلوب في البحث، لإعادة النظر فيما يبدو لكثيرين بدهيات، وإن قامت على جانب نظري وبنية هيكلية بعيدة عن مجرى تطورها على أرض الواقع، كالديمقراطية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة