الكاتب والسلطان.. من الفقيه إلى المثقف   
الأربعاء 1435/2/2 هـ - الموافق 4/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:37 (مكة المكرمة)، 13:37 (غرينتش)

عرض/شرين يونس

يتناول كتاب "الكاتب والسلطان.. من الفقيه إلى المثقف" علاقة أجهزة الفقهاء وكتاب الديوان بالسلطة، وهي علاقة ترتكز إلى أسس راسخة في التاريخ، إلا أنها تتفاوت بتبدل الظروف السياسية، وتغير الدول في تاريخنا المعاصر.

ويذكر الكاتب أن الطابع الحرفي قد غلب على كل من العلماء والكتاب، والتزم كل طرف حدود وظيفته وصنعته، أما الأدوار فبقيت مرهونة بالانعطافات الحاسمة وتبدل الدول وتغيُر العهود.

- العنوان: الكاتب والسلطان.. من الفقيه إلى المثقف
-
المؤلف: خالد زيادة
-
عدد الصفحات: 309
-
الناشر: الدار المصرية اللبنانية
-
الطبعة: الأولى/2013

أليسق العثماني
كان العلماء عامة والقضاة خاصة يحتلون مقاما خاصا في الدولة المملوكية، فشغلوا المناصب بالأجهزة الإدارية وسعوا لإضفاء صياغة شرعية على أدوارهم الإدارية وسيطروا على القضاء والنظام المدرسي وجزء من دواوين الدولة.

وفيما لم تشهد مرحلة الانتقال من الدولة المملوكية إلى العثمانية، تبدلا على واقع العلماء، إلا أن الإجراءات الجديدة التي اتخذها العثمانيون سرعان ما شقت طريقها.

وأول ما أقلق جماعة العلماء، ما فرض تحت اسم "أليسق العثماني"، الذي تم إطلاقه إجمالا على كل القواعد والترتيبات التي لا تستند إلى أساس شرعي، والتي أدخلها العثمانيون.

وكان فرض أليسق ينبئ بتحول لمسه العلماء، يختص بأوضاعهم وامتيازاتهم، ثم جاءت الترتيبات العثمانية لتؤكد توجس العلماء، كتقليص عدد أفراد الجهاز الشرعي، والسيطرة على الأوقاف والمدارس، وإبطال العمل بنظام القضاة على المذاهب الأربعة، وتقدم الأحناف على الشوافع وسائر أتباع المذاهب.

وأوضح المؤلف أن مصر -مقارنة بالشام- أظهرت مناعة نسبية أمام التقاليد العثمانية، العلمية والدينية فاستطاع الأزهر أن يحفظ وحدة الجهاز الديني واحتفظت مصر -إلى حد بعيد- بولائها للمذهب الشافعي.

حرفة الفقهاء
كان للتحول الذي طرأ على هيئة العلماء في مرحلة الانتقال من عصر المماليك إلى عصر العثمانيين عدة سمات منها بروز الملامح الحرفية لنشاط العلماء وسيطرة الفقهاء على أجهزة العلماء، وانحسار تأثيرهم العلمي والمنهجي وسيطرة النزعة الصوفية على تفسير الأحداث التاريخية، وتجلي ضعف تأثير المحدثين في تلاشي كتابة التاريخ، واستمرت المظاهر الشكلية للكتابة التاريخية.

وفى عهد العثمانيين، انتقل العلماء من دور المشاركين في حكم المجتمع المدني وإدارته، إلى دور الوساطة بين الأهالي والحكام، كما ظهرت ثنائية جديدة عوضا عن تلك التي كانت قائمة داخل هيئة العلماء بين الفقهاء والمحدثين، تمثلت بقطبيها الفقهاء من جهة، والمتصوفة من جهة ثانية كما تجلى مع حلول القرن السادس عشر والسيطرة العثمانية مظهر تصدع وحدة مصر وبلاد الشام التي كانت في عهد المماليك.

مجالس المشورة
حمل القرن الثامن عشر في نهايته تبدلا للدور الوسيط الذي لعبه العلماء في مصر حيث جاء الاحتلال الفرنسي ليضعهم في واجهة الأحداث.

ويظهر المؤلف أنه ثمة تفاوت بين تصور الفرنسيين للدور الذي يمكن للعلماء أن يلعبوه وبين تصور العلماء عن أنفسهم وعن دورهم، فنظر العلماء إلى مشاركتهم في الديوان باعتباره استمرار للوساطة وطلب الشفاعة فيما كانت السياسة الفرنسية بمصر تذهب إلى تصور شكل حكومي حازم يتجاوز قدرات العلماء.
 
فى عهد العثمانيين انتقل العلماء من دور المشاركين في حكم المجتمع المدني وإدارته، إلى دور الوساطة بين الأهالي والحكام، كما ظهرت ثنائية جديدة عوضا عن تلك التي كانت قائمة داخل هيئة العلماء بين الفقهاء والمحدثين، تمثلت بقطبيها الفقهاء من جهة، والمتصوفة من جهة ثانية
وفشل العلماء في منع الفرنسيين من تنفيذ إجراءاتهم التي أثارت حفيظة الناس، وبدا الدور الوسيط في تلك اللحظات وكأن الأحداث قد تجاوزته، وتجاوزه صغار العلماء الذين حرضوا على الثورة.

ولكن أدت مشاركة العلماء -خلال فترة الحملة الفرنسية- بأعمال الديوان إلى التشكيك في جدارتهم، فكادت تشطر الجهاز الديني حول دوره الاجتماعي والسياسي، فنجد في تلك اللحظة أن الوظيفة الفقهية هي التي ضمنت للعلماء تضامنهم واستمرار مصالحهم، ولكنهم بعد رحيل الفرنسيين لم يعودوا القوة الوحيدة التي تتنازع السلطة في مصر.

ويذكر المؤلف أنه خلال فترة محمد علي، حصل العلماء بالفعل على امتيازات كبيرة في فترة حكمه الأولى، خاصة وأنهم ساعدوه في الوصول للحكم، ولكن الوضع تغير بعد استقرار حكمه.

وشهد عام 1810 نهاية ما يقرب من نصف قرن من لعب العلماء لدور الوسيط، ونهاية دورهم في دواوين المشورة، وكذلك انهيار امتيازاتهم، فنراهم وقد انكفؤوا إلى وظائفهم الفقهية والتزموا حدود الأزهر.

ويرى المؤلف أن إقصاء العلماء عن دورهم الأهلي الوسيط خلال عهد محمد علي، وخلال القرن الـ19 كان نتيجة مباشرة لنوع النظام القائم على فرض مركزية الدولة، الذي سعى محمد علي إلى إقامته.

أما على مستوى بلاد الشام، فرغم اختلاف المسار عن مصر، إلا أن المسارين سيؤولان إلى مصير مشترك ومتشابه في خاتمة المطاف.

فنلاحظ استمرار خضوع علماء بلاد الشام للمؤثرات العثمانية، خاصة بعد خروج المصريين من الشام نهاية عام 1840 ونتيجة لإعطاء العثمانيين للعلماء مزيدا من النفوذ والامتيازات والتأثير فقد تحولوا من دور الوساطة بين الحكام والأهالي إلى شركاء في الإدارة والسلطة المدنية.

ولكن فشل العلماء في المضي في التحديثات، إضافة لمساعدتهم للدولة على تنفيذ إصلاحات غير شعبية باعد بينهم وبين الأهالي، ثم جاء انقلاب الدولة العثمانية عليهم بدمشق بدءا من عام 1860م، ليؤدي إلى انكفاء العلماء وبشكل تدريجي إلى أجهزتهم الفقهية الضيقة.

وبنهاية القرن التاسع عشر، نجد بعض أبناء العلماء تحولوا للحياة المدنية، والتحقوا بالمعاهد الحديثة وانخرطوا بالنمط الذي تفرضه الإدارة العثمانية.

كاتب السلطان
كان الكُتاب الجماعة الأكثر تنبها لأزمة الدولة، كذلك لفتوا الانتباه مبكرا لضرورة التعرف إلى ما يجري خارج حدود الدولة والتعرف إلى العلوم الحديثة، وبذلك تحول الكاتب من خبير متخصص في شؤون المحاسبة والرسائل إلى مشارك في توجيه سياسة الدولة.

وعلى هذا النحو، جاء الافتراق التقليدي بين حرفة العلماء وحرفة الكتاب، حيث وقف العلماء موقفا سلبيا من الإصلاحات بصفة عامة، وتحفظوا تجاه الدعوة إلى التحديث.

وفى المرحلة اللاحقة لسنة 1830، اضطر العلماء إلى مساندة سياسة التحديث على النمط الغربي دون أن يكون لهم يد في وضعها فيما تمسكوا بمواقعهم حفاظا على مصالحهم.

وبعد افتتاح المدارس، احتل خريجوها تدريجيا مواقع الكتاب في دواوين الدولة وأجهزتها، وانخرط الكتّاب انخراطا كاملا في مشروع الدولة إلى درجة فقدوا معها مؤسستهم وحرفتهم، فيما استطاع جهاز العلماء أن يحتفظ بهيكليته على الرغم من انحسار نفوذه.

ويستنتج المؤلف أن القرن الثامن عشر يبدو وكأنه مرحلة شهدت تجارب عديدة، برز فيها الكاتب وإسهامه المباشر في التأثير على الحكام، كما يبدو أيضا أن الحكام ذوي الأصول المحلية إضافة إلى الأمراء المماليك وذوي الأصول العسكرية هم الذين أفسحوا المجال لتبلور دور الكاتب.

ويتطرق المؤلف إلى مراقبة تطور مهنة الكاتب من خلال عدة تجارب، منها تجربة عكا، والشام ومصر، فيذكر أن عكا رفعت من شأن الكاتب ودوره، فتحول إلى مستشار وشريك للرأي، عبر تحولين الأول بروز الحكام المحليين، والثاني نمو البيئة المسيحية.

فيما أعطى الكتاب في بلاد الشام انطباعا عن تفوق خلافاتهم على تضامنهم المهني، مؤكدا أن غياب ملامح الدولة المركزية كان يغيَب معه ملامح حرفة الكتاب المتماسكة، إضافة لتأثير الخلافات المذهبية بالكنائس الشرقية على تعميق التنافس بين عائلات الكتبة، إضافة لتردد الكاتب بين ولاءاته المتعددة بين عائلته وطائفته، وسيده الذي يخدمه.

على غرار القطيعة التي يقيمها المثقف بين الشريعة والقانون، بين المدينة والدولة، فإن قطيعة أخرى يقوم باصطناعها بين العروبة التي عبر عنها العلماء من جهة، وبين مبدأ القومية من جهة ثانية، فاستبدلت عروبة الثقافة بقومية علمانية تتأسس على اللغة والإطار الجغرافي
وعلى العكس من ذلك، كان وضع حرفة الكتاب في مصر، فثمة نوع من التقاليد المتناقلة، وشكلت وحدة حرفتهم جزءا من وحدة الإدارة في مصر في كل العهود، ونأى كتَاب مصر عن خلافات الكنائس في بلاد الشام، ولم يكن يسمح لخلافاتهم المهنية وتنافسهم بأن تشق حرفتهم.

ولكن تقصير الكتّاب في مصر عن خدمة متطلبات الدولة وأجهزتها النامية، أدى لقيام الدولة بتفكيك حرفتهم، فحلت محلها طبقة من المتعلمين الذين أعدتهم الدولة ودربتهم.

المثقف
يوضح المؤلف أن ظهور المثقف جاء نتيجة لعجز التعليم عن الانخراط في جسد الدولة، إضافة لعجز المتعلمين عن إيجاد تضامن حرفي والانخراط في وظيفة محددة، فسعى المثقف إلى إيجاد أشكال تضامن بديلة وأولية. 

وإلى حد بعيد فإن هؤلاء المثقفين أو حملة الأقلام كانوا يرسمون حلم الدولة المصلحة والعادلة، إضافة لرسمهم نموذجا لدولة عصرية يضعها بالدرجة الأولى في مواجهة الوعي الديني لدى العلماء.

وعلى غرار القطيعة التي يقيمها المثقف بين الشريعة والقانون، بين المدينة والدولة، فإن قطيعة أخرى يقوم باصطناعها بين العروبة التي عبر عنها العلماء من جهة، وبين مبدأ القومية من جهة ثانية، فاستبدلت عروبة الثقافة بقومية علمانية تتأسس على اللغة، وتتأسس على الإطار الجغرافي الآخذ بالتبلور مع تبلور مفهوم الدولة الوطنية.

ويتطرق الكاتب إلى التيار الإصلاحي، مشيرا إلى أن الإصلاحيين شاركوا أقرانهم الليبراليين والعلمانيين في نشاطات متشابهة كالاهتمام باللغة، وتكوين حلقات النقاش، وتأسيس الجمعيات التربوية والتوجيهية، وإنشاء الصحف والنشرات.

إلا أن الإصلاحية قد مدت جذورها في أصول معرفية خاصة بها، تمثلت في تيار الوهابية، وتيار إحياء علم الحديث.

ويرى المؤلف أن المثقفين الليبراليين والإصلاحيين نشؤوا في مرحلة واحدة وظروف متشابهة، مشيرا إلى أن الذي يجمع بين الإصلاحي والمثقف هو إيمانهما المشترك بأولوية الدولة.

وتثير الوظيفة التي يقوم المثقف بأدائها التباسات، فإذا ظهر في بدايته خادما للدولة، فإن الدولة التي تستعين بخبراته لا تعترف بهوية تخصه، وحين تبعده فإنها تكف عن الاعتراف بأي استقلالية له.
ومن جهته يعجز عن إنشاء أجهزته، بالمقارنة مع العلماء أو الكتاب، ولهذا فقد كان يبحث عن التجمعات البديلة من الجمعية إلى الحزب إلى التماهي في مبدأ الدولة نفسه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة