وسطاء الخديعة   
السبت 1435/8/16 هـ - الموافق 14/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:51 (مكة المكرمة)، 10:51 (غرينتش)

عرض/مرح البقاعي
في هذا الكتاب الغني بالمعلومات التاريخية والتحليل السياسي المعمّق، وبمشاهد من جولات سياسية حضرها رشيد الخالدي شخصيا أثناء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، حيث شارك فيها مستشارا للوفود الفلسطينية المفاوضة، يستعرض الخالدي رحلة سبعة عقود من الصراع المستعر بين الشعب الفلسطيني من طرف وإسرائيل من طرف آخر.

يتحدّث الكاتب بإسهاب عن دور الولايات المتحدة في محاولاتها المتعثّرة لفك هذا النزاع، وعن مهمتها كوسيط يدّعي النزاهة في عملية السلام التي حملت بذور فشلها بين طيّات وثائقها.

وعلى امتداد 208 صفحات من كتاب "وسطاء الخديعة"، الذي تصدّر المبيعات في سوق الكتاب العالمي منذ إصداره في شهر مارس/آذار 2013، يستعرض الخالدي عن كثب الدور السلبي للولايات المتحدة الذي عرقل أية إمكانية للتقدّم نحو سلام متكامل بين فلسطين وإسرائيل، وذلك من خلال وقوفه على ثلاث محطات تاريخية مفصلية في مسيرة المفاوضات.

-العنوان: وسطاء الخديعة
-المؤلف: رشيد الخالدي
-عدد الصفحات: 208
-الناشر: بيكون برس
-الطبعة: الأولى،2013

المحطة الأولى هي ما دعي بـ"خطة ريغان" عام 1982، وكانت ترمي إلى إعادة صياغة اتفاقية كامب ديفد ضمن رؤية أكثر نزاهة وعدلا، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت مناحيم بيغن. أما المحطة الثانية فتلقي الضوء على المرحلة التي تلت مؤتمر مدريد للسلام بين عامي 1991-1993، حيث كانت الولايات المتحدة تتوسط بين الطرفين حتى توصلا إلى توقيع اتفاقيات أوسلو التي تمّ التوصّل إليها سرا في ذلك الوقت.

أما المحطة التاريخية الثالثة والأخيرة في هذا الكتاب، فيسجّل الخالدي فيها موقف أوباما المربك وتراجعه عن كل العهود والخطط المبرمة من أجل وقف حركة الاستيطان وبناء المستوطنات في الضفة الغربية.

من خلال تنقّله الموضوعي والعلمي بين هذه اللحظات التاريخية الحاسمة في مسيرة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي- وكخبير شارك في اللجنة الاستشارية للوفد الفلسطيني المفاوض خلال جولة المفاوضات عام 1991 في واشنطن، والتي سبقت اتفاقيات أوسلو- يكشف الخالدي عن المساعي الحثيثة التي بذلتها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، والجهود التي وصلت إلى حد التواطؤ، وذلك بهدف منع قيام دولة فلسطين من جهة، وحسم الموقف السياسي المعلّق لصالح إسرائيل من جهة أخرى.

وسطاء الخديعة كتاب ثمين يسجّل حقائق تاريخية حول أسباب فشل عملية سلام في الشرق الأوسط، والتي ترجع -حسب الخالدي- إلى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت تلبس على مدى عقود قناع الوسيط النزيه الذي يحاول بكل أدواته السياسية أن يجلب الطرفين المتنازعين إلى الطاولة، لكن في واقع الأمر، كان صناع القرار الأميركيون مجرّد وكلاء لاستمرار هذا الظلم طويل الأمد، بل شهودا على تعطيل القرارات التي كان من المفترض اتخاذها وهي صعبة ومصيرية ولكنها ضرورية وحتمية من شأنها أن تقيم سلاما عادلا ومستداما في الشرق الأوسط لو تمّ إقرارها في الزمن المناسب.

مشروع أوباما وعوائقه
رشيد الخالدي -وهو أستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية المعاصرة في جامعة كولومبيا في نيويورك ورئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية، والذي ربطته صداقة طويلة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما سمحت له بالاطلاع عن قرب على خلفياته السياسية ومنهجية فكره- يفيد في كتابه بأن الرئيس أوباما -ومنذ اعتلائه سدة الحكم في الولايات المتحدة في ولايته الأولى- قام بعدة محاولات من أجل اعتماد مشروع سياسي مختلف لإرساء سياسة جديدة في التعامل مع القضايا الإسلامية بعامة، والعربية على وجه الخصوص وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، أم الصراعات في الشرق الأوسط.

يكشف الخالدي عن المساعي الحثيثة التي بذلتها أميركا إلى جانب إسرائيل، والجهود التي وصلت إلى حد التواطؤ، لمنع قيام دولة فلسطين، وحسم الموقف المعلّق لصالح إسرائيل

ولكن أوباما كان يصطدم دائما بحائط مبكى اللوبي الصهيوني القوي والفاعل بين مجموعات الضغط على الساحة الأميركية، والمدعوم سياسيا من قبل عدد كبير من أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء، وتعزّزه آلة إعلامية جارفة في الصحافة المكتوبة والمرئية والمنابر العامة، تؤيد بقوة المشروع الإسرائيلي بانحياز سافر له مقابل الحق الفلسطيني المكلوم.

ويضيف الخالدي أن العديد من الرؤساء والسياسيين الأميركيين الذين سبقوا أوباما إلى الحكم قد جرّبوا خيار صياغة مشروع عادل ومتوازن وغير منحاز لحلّ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أنهم انتهوا بدفع أثمان سياسية باهظة لقاء موقفهم هذا. ويذكر الخالدي في هذا السياق تجربة الرئيس الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر، والرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر، اللذين خسرا ولايتهما الرئاسية الثانية ثمنا لموقف اصطدم بالتعنت والعسف الصهيوني.

ويشير الخالدي أيضا إلى شخصيات سياسية قيادية لعبت دور العراب الإسرائيلي في أي قرار مفصلي تتخذه الإدارة الأميركية في هذا الشأن من أمثال هنري كيسنجر ودينيس روس وأليون إبراهمز وآخرين.

ويمضي الخالدي محللا الأسباب التي دفعت أوباما إلى تجميد مشروعه الإصلاحي للسياسات الأميركية الخارجية، والتي ترجع برأي الخالدي إلى فوز الجمهوريين في الانتخابات التشريعية النصفية لمجلس النواب عام 2010، وحصولهم على الأغلبية في الكونغرس، مما أثار تخوّف أوباما في أن أي تغيير جذري في الخط السياسي العام يمكن أن يهدّد فوزه بفترة رئاسية ثانية.

هذا الأمر جعل أوباما يتراجع عن القيام بأي عمل سياسي جراحي مغاير للسائد، وعاد به إلى الصراط المتعارف عليه في معالجة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بالمسكنات الموضعية والأدوات المتاحة. وفي هذا السياق تغيّر طاقم المستشارين المعتدلين في دائرة القرار فذهب جورج ميتشل المعتدل ليحلّ في مقعده دينس روس.

خارطة طريق بيغن
يَخْلُص الخالدي -من خلال تفنيده الإستراتيجيات طويلة الأمد التي وضعتها إسرائيل بهدف تقويض قيام دولة فلسطينية على أسس عادلة ومتكافئة- إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن قام برسم خارطة طريق تحدّد بدقّة رؤية إسرائيل لمستقبل العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية، والتي تحوّلت إلى نهج معتمد من طرف رؤساء وزراء إسرائيل الذين أتوا من بعده مجتمعين.

يرى المؤلف أن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين منذ السبعينيات سمحوا بدرجات متفاوتة لخارطة طريق بيغن أن تكون المدار الذي تسير عليه السياسات الخارجية الأميركية

وتتلخّص خارطة الطريق تلك -حسب قراءة الخالدي- في أنه من غير المسموح إقامة دولة فلسطينية مستقلة تتمتع بكافة مقومات الدولة، وأنه من غير المسموح أيضا إعادة الأراضي التي سبق أن احتلتها إسرائيل إلى الفلسطينيين، وأن إسرائيل لن تتخلى عن مشاريع الاستيطان القائمة والمستقبلية على تلك الأراضي.

وفي المقابل، يشير بيغن إلى النزر اليسير المسموح بمنحه للفلسطينيين وهو سلطة ذاتية في بعض المناطق التي يتواجد فيها السكان العرب، وليس جميع المناطق، على أن تبقى ملكية أراضي السلطة الذاتية لإسرائيل، وأن يكون للأخيرة الحق في تنفيذ عمليات أمنية فيها.

ويرى الخالدي أن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين منذ السبعينيات سمحوا بطريقة أو بأخرى لخارطة طريق بيغن أن تكون المدار الذي تسير عليه السياسات الخارجية الأميركية، وإن كان الأمر يتم بدرجات متفاوتة.

ولم يبرّء الخالدي الحكومات العربية من مسؤوليتها في عدم السعي الجدّي لإيجاد تصوّر مضاد لهذه الخارطة أو اتخاذ موقف قوي تجاه هذا النهج، وهو أضعف الإيمان. ويفند الخالدي السبب في هذا الضعف في أن معظم الدول العربية تعتمد على الدعم الأميركي، سواء السياسي أو اللوجستي، أو هي تدور في فلك الولايات المتحدة السياسي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة