السودان ومستقبل الصراع الجيوسياسي   
الثلاثاء 1429/9/16 هـ - الموافق 16/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 8:58 (مكة المكرمة)، 5:58 (غرينتش)

عرض/ نبيل السهلي
يسلط الكتاب الضوء على العديد من القضايا التي يعيشها السودان في صراعه الجيوسياسي، حيث تمّ استعراض بؤر التوتر الخمس: الجنوب وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والشرق وإقليم دارفور الملتهب منذ عدة سنوات.

-الكتاب: السودان ومستقبل الصراع الجيوسياسي
-المؤلف: أبو إسكندر السوداني
-الصفحات: 280
-الناشر: مركز الغد العربي للدراسات، دمشق
-الطبعة: الأولى 2008

وتحتوي فصول الكتاب ومباحثه المختلفة على كم هائل من المعلومات التي لا يعرفها القارئ العربي عموماً عن أكبر بلد عربي يستأثر بمخزون هائل وإستراتيجي زراعي وثروات متنوعة تشد أنظار الطامعين باتجاهه.

وثمة جوانب تاريخية يرصدها الكتاب كمدخل لمعرفة واقع التوزيع الديمغرافي الداخلي في السودان ومحيطه، فضلاً عن ظاهرة وجذور العنف السياسي خلال مقاربتها علمياً وتطبيقاتها السودانية.

ركز المؤلف في كتابه على جوانب رئيسية، إذ قام بالتعريف بالسودان القديم باعتباره أصل الحضارة الأول في وادي النيل، وحاول تصحيح بعض المفاهيم، وتطرق فيه إلى ظاهرة العنف السياسي وقام بتفكيكها، وعرض من خلال تحليل مقطعي-عرضي للعملية السياسية في السودان.

إرث مليون عام
في المبحث الأول من الكتاب محاولة جادة لجهة التعريف بنشأة الدولة السودانية الحالية، وذلك عن طريق رصد وتحليل تفاصيل الوقائع والأحداث والتحولات التي أسهمت في تقويم القوام الجيوسياسي المتمثل في السودان الحالي.

فلا يمكن فهم التحولات التي مرّ بها السودان بمعزل عن التطورات التي كانت تجري في كامل منطقة وادي النيل والتي تؤكد المعلومات التاريخية أنها كانت منطقة صراع من أجل النفوذ وبسط السلطة بين ملوك السودان القديم وملوك مصر القديمة.

ولم تنقطع تفاعلات التعاون والصراع إلا بسقوط مصر القديمة تحت سيطرة قدماء الإغريق والرومان.

ويؤكد المؤلف أن للسودان تاريخا حضاريا سحيق القدم، فقد سكن الإنسان في أرضه منذ مليون عام.

وفي المبحث الثاني من الكتاب تناول المؤلف بالتحليل والتوصيف المسار السوداني وأظهر الإشكاليات المختلفة التي تهدد عملية التطور السلمي وارتقاء المسار السوداني.

وفي هذا السياق أكد المؤلف أربع إشكاليات: الأولى تتمثل في التكامل الوطني الاندماجي، وقد ظلت تعوق تأسيس الدولة في معظم بلدان العالم.

أما الإشكالية الثانية فتتمثل في ديناميكيات الحراك السياسي، حيث برزت إلى السطح حركة الأقليات العرقية خلال السنوات القليلة الماضية.

وتعتبر عملية فراغ القوة والسلطة ومعضلة الأمن السياسي إشكالية إضافية ثالثة، حيث أدت التجاذبات السياسية في إطار الجغرافيا السياسية للسودان إلى إفراغ نظام الحكم المحلي والفدرالي والاتحادي من مضمونه ومحتواه الحقيقي، الأمر الذي أدى إلى ظهور إشكالية رابعة تتجلى في عدم تماسك القوام السياسي وبالتالي انعدام التكامل الوطني للسودان.

"
تمثل أشكال العنف السياسي صيغاً تهدف إلى التصدي لمواجهة الآخر لإقصائه عن المسرح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل كلي أو جزئي
"
بيئة العنف السياسي

في المبحث الثالث من الكتاب توضيح مركز لظاهرة العنف السياسي ودلالاته في السودان، حيث أشار المؤلف إلى أن ظاهرة العنف السياسي في السودان إنما هي ظاهرة مركبة اقتصادياً واجتماعياً وسياسيا وثقافياً بسبب التداخل بين كافة مكونات المتغيرات الجيوسياسية.

وتشير معطيات خبرة العنف السياسي في السودان إلى وجود ارتباط قوي بين طبيعة الوقائع والأحداث من جهة وبين الأطر المذهبية والعقائدية الخاصة بالأطراف التي تلجأ لاستخدام العنف من الجهة الأخرى.

ويذهب المؤلف إلى أبعد من عملية توصيف ظاهرة العنف في السودان ليقوم بعملية تحليل بيئة العنف نفسه في المبحث الرابع من الكتاب، وقد أكد أن الاختلالات وحالات عدم التوازن المرتبطة بالتوزيع الجهوي المناطقي أدت إلى كثير من التداعيات السلبية التأثير على استقرار وتوازن خريطة السودان الجيوسياسية.

وقد أدى ذلك إلى إتلاف النسيج الاجتماعي السوداني وتقويض تماسك قوام الوطنية السودانية.

وللدلالة على ظواهر العنف وانتشارها، أشار المؤلف في المبحث الخامس إلى بعض أنماط وأساليب العنف في السودان، ومنها الحرب والغزو والمظاهرات والتمرد المسلح والعصيان المدني والانقلابات العسكرية والإضرابات والمظاهرات والاعتصامات والأحكام العرفية، وغير ذلك من حالات العنف الرسمي وغير الرسمي الذي تقوم به المليشيات وحركات المعارضة.

وفي جميع الأحوال، تمثل أشكال العنف السياسي صيغاً تهدف إلى التصدي لمواجهة الآخر لإقصائه عن المسرح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل كلي أو جزئي بمختلف الأساليب الوظيفية والهيكلية.

"
مسارح النزاعات الخمسة المذكورة في الكتاب كانت امتدادا للحرب الأهلية في جنوب السودان باعتباره منطقة المركز والبؤرة التي تمثل وتلعب دور مركز الزلزال في العنف السياسي السوداني المعاصر  
"
خريطة الصراعات السياسية
في المبحث السادس يرصد المؤلف الكثير من أنماط ونماذج العنف السلوكي الظاهر خلال فترة الستين عاماً الماضية في السودان.

وكان أبرزها ما عرف مؤخراً بنزاعات السودان وحروبه الأهلية، حيث دارت النزاعات والحروب بشكل رئيسي على المسارح الآتية:

- في جنوب السودان، اندلعت حربان أهليتان تعدان الأطول فترة والأكثر خطورة، بسبب شدة العنف السياسي السلوكي الذي وجد وقوده في المحفزات الإثنوثقافية والدينية والتدخل الخارجي وأخطاء الحكومات السودانية كما يشير المؤلف.

- في شرق السودان، اندلعت حرب أهلية تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأقدمية التاريخية، إضافة إلى ارتباطها اللاحق مؤخراً بحرب الجنوب والمعارضة السياسية.

- في وسط السودان، وبالتحديد في جبال النوبة اندلعت حرب أهلية تميزت بانخفاض الشدة وارتباطها الشديد بالحرب في جنوب السودان.

- في الجنوب الشرقي من وسط السودان أو في جنوب النيل الأزرق، اندلعت الحرب وكانت في معظم فتراتها مرتفعة الشدة وترتب عليها مزيد من التصعيد العسكري والسياسي. وكانت تمثل امتدادا قويا للحرب في جنوب السودان، إضافة إلى ارتباطها وتأثيرها القوي في العلاقات السودانية الإثيوبية لأن العمليات العسكرية كانت تنطلق من إثيوبيا.

- وفي غرب السودان، اندلعت الحرب تحديدا في الجزء الغربي من إقليم دارفور حيث تصاعد العنف السياسي وازدادت وتيرة التدخل الدولي المكثف ووطأة الحرب الإعلامية. وارتبطت الحرب في بداياتها بالحرب في جنوب السودان ولاحقاً بالخلافات السياسية التي أدت إلى انقسام نخبة السلطة بشكل ترتب عليه خروج الزعيم حسن الترابي وبعض العناصر الموالية له، ومن أبرزهم الدكتور خليل إبراهيم الزعيم الحالي لحركة العدل والمساواة التي تنشط حالياً في مسرح دارفور.

وبشكل عام يمكن القول إن المسارح الخمسة المذكورة كانت في حقيقة الأمر امتدادا للحرب الأهلية في جنوب السودان باعتباره منطقة المركز والبؤرة التي تمثل وتلعب دور مركز الزلزال في العنف السياسي السوداني المعاصر، إضافة إلى أنها ترتبط بشكل أساسي بالمعارضة السياسية السودانية.

"
عدة عوامل تضافرت في تصعيد حدة الصراع بدارفور  خلال السنوات الأخيرة لأسباب محلية، مثل الضغوط البيئية والجفاف والتصحر وارتفاع النمو السكاني الذي شكل ضغوطا كبيرة على الموارد الطبيعية
"
دارفور والأهمية الجيوسياسية
بدأت الصراعات والتناحرات في إقليم دارفور في حقبة أربعينيات القرن العشرين، وكانت دائماً تنشأ بسبب مشكلات الرعاة والمزارعين والتنازع حول المياه، فضلاً عن عمليات الثأر التي كانت تتصاعد في المناطق الريفية.

وتضافرت عدة عوامل في تصعيد حدة الصراع خلال السنوات الأخيرة لأسباب محلية مثل الضغوط البيئية والجفاف والتصحر وارتفاع النمو السكاني الذي أدى بدوره إلى ضغوط كبيرة على الموارد الطبيعية، إضافة إلى نشوء مشكلات اجتماعية واقتصادية بسبب الاكتظاظ السكاني الكبير.

وقد ساعدت الأزمة الناشئة بين السلطة المركزية والمعارضة في نشوء وتفاقم الأزمة السياسية بإقليم دارفور في ظل تدهور الحكم المحلي فيه.

وقد زاد من التوتر ضغط العوامل الخارجية -من دول الجوار الجغرافي- على مستويات اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية في ذات الوقت.

كما يشير المؤلف إلى دور إسرائيل في تقديم الدعم العسكري واللوجستي والمالي لمتمردي دارفور، ومن أبرز الدلائل على ذلك شحنات الأسلحة الإسرائيلية التي كانت تصل بانتظام عن طريق الحكومة التشادية.

وقد تحركت الإدارة الأميركية على كافة الصعد الدبلوماسية من أجل الضغط على السودان في نزاعه مع متمردي دارفور.

واللافت أن اللوبي الإسرائيلي شكل تحالفاً في أميركا حمل اسم "إنقاذ دارفور"، وفي عضويته أكثر من 150 منظمة يهودية أميركية إضافة إلى بعض المنظمات التابعة لليمين المسيحي الصهيوني الأميركي، فضلاً عن أعضاء وشخصيات يهودية ذات نفوذ في بعض الأحزاب الأميركية والكونغرس الأميركي.

وهذا يدفعنا إلى إبراز بعض الخصائص الإستراتيجية لإقليم دارفور الذي يقع غرب السودان وتعادل مساحته 20% من مساحة البلاد التي تصل إلى 2.6 مليون كيلومتر مربع. وللإقليم حدود دولية مع تشاد وأفريقيا الوسطى، ويرتبط بطرق دولية مع ليبيا ومصر.

ويصل مجموع سكان الإقليم إلى ستة ملايين نسمة يتوزعون على أكثر من 50 قبيلة، وجميع سكان الإقليم يعتنقون الدين الإسلامي على المذهب السني ويتميزون بالنزعة الصوفية.

وفي جانب الثروات، يحتوي دارفور على كثير من الثروات المعدنية وبه مخزون هائل من النحاس فضلاً عن اليورانيوم.

وتشير الدراسات إلى استئثار الإقليم بنحو 69 مليون طن من خام اليورانيوم العالي النقاء، وتبعاً لذلك أصبح صاحب ثالث أو رابع أكبر مخزونات اليورانيوم في العالم.

وقد كان ذلك مدخلاً لتدخلات خارجية قوية في النزاع الدائر في الإقليم لمحاولة السيطرة على الموارد الطبيعية التي يستحوذ عليها.

"
من أهم الإشكاليات التي ظلت عالقة بلا حل: التوصل إلى برنامج الحد الأدنى ضمن سقف الثوابت السودانية، مثل ضرورة الوحدة والاستقرار والتنمية
"
الحد من التوترات

في المبحث السابع من الكتاب، سجل المؤلف أهم الإشكاليات التي ظلت عالقة بلا حل في البيئة السياسية السودانية.

ومن أهم هذه الإشكاليات: التوصل إلى برنامج الحد الأدنى ضمن سقف الثوابت السودانية، مثل ضرورة الوحدة والاستقرار والتنمية، فضلاً عن إشكالية كفالة وضمان التعددية والتنوع كإطار ضروري للتعايش السلمي والحوار البيني.

كما تعتبر إشكالية تفعيل النخب السياسية واستثمارها من أجل تحسين أداء السودان في المستويات المختلفة من الإشكاليات المهمة.

ويستعرض الكتاب في المبحث الثامن والأخير تحليلاً جوهرياً للعملية السياسية في السودان باعتبارها عملية سودانية تسعى إلى الوحدة والتماسك الداخلي للمنظومة الجيوسياسية.

فالمخاطر التي تحيط بالسودان كثيرة ومن أهمها مخاطر التفكيك والتجزئة، والمحاولات الإسرائيلية والأميركية لتكريس الانفصال وإضعاف وحدة السودان الداخلية واستهداف اقتصاده وموارده الطبيعية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة