حياتي سلاح.. تأريخ معاصر للتفجيرات الانتحارية   
الثلاثاء 1425/10/18 هـ - الموافق 30/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:05 (مكة المكرمة)، 12:05 (غرينتش)
عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
انتحار أم استشهاد؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يحاول الصحفي الألماني كريستوفر ريتر مراسل مجلة شتيرن الألمانية الإجابة عنه في هذا  الكتاب المهم. ويخلص في كتابه الذي قضى ثماني سنوات في إعداده إلى أن صورة الانتحاريين الشائعة في الغرب والتي تظهرهم كمتعصبين معتوهين أو شباب وشابات خضعوا لغسل أدمغة، صورة لا يمكن أن تفسر هذه الظاهرة.

 

وهو يرى أن الانتحاريين في العديد من الحالات هم من الصفوة المتعلمة التي تختار بملء إرادتها وبحماسة بالغة أن تتحول إلى قنابل بشرية لتنتقم من عدو متجبر وظالم مستبد.

 

- اسم الكتاب: حياتي سلاح.. تأريخ معاصر للتفجيرات الانتحارية
- المؤلف: كريستوفر ريتر
-عدد الصفحات: 200
- الطبعة: الأولى  2004
-الناشر: برنستون يونيفرستي برس

ويذهب إلى أن الانتحاريين يتوخون من وراء تفجير أنفسهم إحداث تغيير ولو مرة واحدة في حياتهم, وبقطع النظر عن كلفة ذلك. وهذه الخلاصات والنظرات المعمقة هي في الواقع نادرة في الأدبيات الغربية, ولهذا وبشكل عام فإن الكتاب يتحدى الأفكار السائدة في هذا السياق, ويذهب أبعد منها بكثير.

كيف يمكن التعاطي مع الهجمات الانتحارية إذا؟ يجيب ريتر أن ذلك يتوقف بشكل كبير على الدوافع القائمة وراءها. فإذا افترضنا أنها ارتكبت نتيجة يأس سياسي, فلا بد حينها من رد سياسي عليها, ولا بد من البحث في مسببات ودوافع هذا "اليأس السياسي" ولماذا أغلقت السبل الأخرى للتعبير والمقاومة أمامه؟

 

أما إن جرى الاعتقاد -كما هو جار الآن- بأنها نابعة من عقول أشخاص منحرفين ضالين يصرون مثلا على الوصول إلى الجنة لأجل التمتع بعلاقات جنسية غير محدودة مع العذارى والحور العين, وأن عقولهم متحجرة ولا يمكن التفاهم معهم، فحينها تعلو الدعوات لاعتبارهم مجموعة مجرمة لا بد من اعتقالها ومحاربتها.

 

الحور العين والعمليات الانتحارية
يتسم الكتاب بالهدوء والإنصاف، ويتبدى توازن الكاتب وموضوعيته في تعامله الفطن مع قضية الحور العين وأهميتها كدافع يحرض الانتحاريين على الشهادة. فهو يقول إن الدوافع الجنسية المفترضة للانتحاريين من الشباب لاقت اهتماما إعلاميا واسعا في إسرائيل والولايات المتحدة منذ عام 2001.

 

ويضرب مثلا بالتقرير الذي بثته شبكة سي.بي.أس الأميركية في برنامج "ستون دقيقة" يوم 19 أغسطس/ آب 2001 عن حماس, والذي تضمن مقابلة مع محمد أبو وردة الذي تكلم فيه عن كيفية تجنيده لمرشحين للعمليات الانتحارية وإشارته فيه إلى أن الشهيد يتزوج من 70 عذراء.

 

أثار التقرير زوبعة عارمة في أوساط الجالية المسلمة بأميركا التي ذهب مسؤولوها إلى أن ترجمة المقابلة غير دقيقة وأنها مفبركة. وأصرت الجالية على عدم دقة الترجمة حتى بعد عرض الشريط على مترجمين ضليعين من العرب ومدير مكتب محطة فضائية عربية معروفة في واشنطن.

 

أصر هؤلاء جميعا على أن كلمة الحور التي ترد في المقابلة تعني "ملاك" أو "مخلوق سماوي" ولا تفيد الكلمة أي إشارة إلى جنس هذا المخلوق أو إلى الجنس ولو من بعيد.

 

أما محطة سي.بي.أس فأصرت على أن الكلمة تعني "عذارى" وأن حماس تروج صورا للجنة مشحونة بالجنس للتغرير بالشباب الفلسطيني ودفعه إلى التضحية بنفسه.

 

"
نادرا ما ترد في وصايا "الانتحاريين" أي إشارة إلى شهوة الحصول على الجنس في الجنة, ولكن دائما تعبر عن دعم النضال السياسي
"
يقضي الكاتب هنا أن الأمر الفيصل في هذا الخلاف يتمثل في التمعن في التفسيرات الإسلامية نفسها لأوصاف الجنة كما جاءت في القرآن. ويوثق الكاتب هنا بآيات سورة الرحمن "فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. فبأي آلاء ربكما تكذبان. كأنهن الياقوت والمرجان", وينقل عن السيوطي وغيره التفسيرات القرآنية التي تؤكد وجود حور عين في الجنة.

 

إذاً هناك حور عين, ولكن هل التمتع بهن هو الدافع الذي يحمل الانتحاريين على القيام بقتل أنفسهم كما تزعم سي.بي.أس؟

 

يذهب الكاتب بذكاء إلى أن مشكلة هذا الزعم هي فيما يخلفه الانتحاريون من وصايا خلفهم, ويقول إن هذه الوصايا نادرا ما ترد فيها أي إشارة إلى شهوة الحصول على هذه المتعة. وأن تلك الوصايا دائما ما تعبر عن دعم للنضال السياسي, وتحد  للإسرائيليين وتوق إلى تحرير بلدهم من الاحتلال, والرغبة في لقاء الشهداء السابقين.

 

ويرى أن التمعن في العديد من تلك الوصايا يقود إلى استشفاف "أنه من الصعب جدا أن يخلص المرء إلى أن التمتع بممارسة الجنس مع عدد كبير من النساء هو السبب الرئيسي وراء ما أقدموا عليه", أي الانتحاريين.

 

الظاهرة خارج السياق الإسلامي
بعد تناول ريتر العمليات الانتحارية في السياق العربي والإسلامي ممثلا بإيران وحزب الله وحماس والقاعدة أخيرا, خصص فصلين لمعالجة هذه الظاهرة خارج السياق العربي والإسلامي.

 

ونقرأ في فصل عن ظاهرة انتحار الطيارين اليابانيين "الكاميكازي" وانقضاضهم بطائراتهم على السفن الحربية الأميركية في الحرب العالمية الثانية.

 

ونطالع في فصل آخر العمليات الانتحارية التي نفذها نمور التاميل لاقتطاع وطن لهم من الأراضي السريلانكية. ويحصي الكاتب عدد الهجمات الانتحارية التي قامت بها منظمة نمور تحرير التاميل خلال 20 عاما وحتى عام 2000 حوالي 168 هجوما راح ضحيتها 500  شخص وآلاف الجرحى.

 

أما قائمة الضحايا فإنها تشمل -بالإضافة إلى رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي- كثيرا من المسؤولين الحكوميين السريلانكيين، وعلى رأسهم الرئيس راشنغ برماداسا الذي اغتيل في عملية انتحارية عام 1993 ووزراء وضباط وسياسيون.

 

ويحاول الكاتب البحث في أسباب لجوء أقلية التاميل بسريلانكا بالذات إلى سلاح العمليات الانتحارية, فيما هناك عشرات الأقليات الأخرى المضطهدة في القارة الآسيوية, مثل سكان جزيرة آتشه في إندونيسيا وأهل التيبت وأهل تيمور الشرقية وغيرهم, والتي أمسكت عن استخدام هذا السلاح.

 

"
الفارق بين الحالة الإسلامية والتاميلية هو من زاوية الجائزة النهائية التي هي في حالة المسلمين لا تتعلق بشخص ما لإرضائه أو الفوز بإطرائه
"
ويبدو عجزه واضحا عندما يقول إن كل محاولات تفسير هذا الأمر تؤول في نهاية المطاف إلى شخصية المؤسس الأسطوري لنمور تحرير التاميل المدعو فلبيلآي براباكاران الذي يتمتع بسلطة مطلقة داخل منظمته وهو الوحيد الذي يضع إستراتيجيتها وآليات تنفيذها واختيار المرشحين للانتحار.


لكن السؤال هنا هو: ماذا عن  أوجه الشبه والاختلاف بين الحالة الإسلامية والحالة التاميلية؟ يذكر الكاتب أن المجندين للعمليات الانتحارية من التاميل يتعرضون لغسل الدماغ في معسكرات تدريبهم التابعة لمنظمة نمور تحرير التاميل, ولا يسمح لهم بالزواج لأنهم متزوجون من "قضية التاميل", كما لا يسمح لهم بممارسة الجنس لأن كل من يتعفف عن ذلك ويدخر حيواناته المنوية فإنه يمنحها قوة سحرية أو يخلع عليها قوة إلهية جبارة تتحرر في اللحظة الحاسمة.

 

أما الهدف الأسمى الذي يسعى إليه هؤلاء فهو الاستعداد للموت من أجل القضية المشتركة. وحسب تعاليم زعيمهم براباكاران فإن "العار الأكبر هو الوقوع حيا في أسر الأعداء"، أما الشرف الأعظم فيتمثل في تلقي دعوة من القائد لتناول "العشاء الأخير", وهي مأدبة فاخرة لا يشارك فيها إلا من يجري اختيارهم لشرف تنفيذ عمليات انتحارية.

 

وبصفة التاميل من الهندوس فإنهم لا يؤمنون بوجود جنة بعد الموت، وهنا يقول الكاتب "بينما يعرب عادة المسلمون من الانتحاريين وبثقة لا يشوبها أي ريب في وصاياهم عن أنهم سينالون سريعا مقعدهم إلى جانب الله في الجنة, فإن التركيز هنا (في حالة التاميل) هو أن الامتياز الحقيقي يتمثل في الحضور إلى جانب من اصطفاه الله واختاره هنا والآن -لأول وآخر مرة- وعلى مأدبة عشاء".

 

ولهذا فهناك فارق أساسي في الحالتين من زاوية الجائزة النهائية التي هي في حالة المسلمين لا تتعلق بشخص ما في الحياة والقيام بالعمل الانتحاري لإرضائه أو الفوز بإطرائه. لكن في كلتا الحالتين فإن الدافع الأساسي سياسي ووجود قضية معينة وهو الأمر الأهم.

         

تنظيم القاعدة وأين يُصنف؟
لتنظيم القاعدة نصيب كبير بالطبع من هذا الكتاب الذي يؤرخ لعمليات التفجير الانتحارية. فبعد استعراض الكاتب أسباب نشأة هذا التنظيم وطبيعة الظروف التي أحاطت ببداياته, يتطرق إلى انتهاء الحرب في أفغانستان وانقلاب السحر على الساحر في علاقة الولايات المتحدة بالمجاهدين الأفغان وانتهاء شهر العسل الطويل بينهما, ويعرج على خروج الجني من قمقم أفغانستان وتسديده سلسلة ضربات من عمليات التفجير للعراب القديم في نيروبي ودار السلام واليمن ونيويورك وواشنطن, وانفتاح شهية ما يسميه "المسخ الجديد الملقب بالقاعدة" وتنصيبه نفسه للدفاع عن العالم الإسلامي وقضاياه وانتقاله لمواجهة العدو الأكبر في باكستان والشيشان والعراق وغيرها.

 

ويصف الكاتب شبكة القاعدة بأنها "مثل الطفيليات, تتحرك بين الصراعات المفتوحة في العالم الإسلامي لتعتاش على مظالم وأسباب غضب محلية حقيقية ومبررة".

 

فهو هنا يقر بعدالة قضايا العالم الإسلامي ويشفق عليها مما تنزله بها عمليات القاعدة من ضرر, ويخالف المأزومين من ضيقي الأفق من العنصريين الغربيين الذين لا يرون أن ثمة قضايا عادلة في العالم الإسلامي.

 

وهو يعتبر أن القاعدة في المطاف الأخير تضر بقضايا المسلمين العادلة وتشوهها بدل أن تخدمها.

 

"
القضايا التي تقف خلف كل الهجمات هي قضايا سياسية وحلها يتم لسياسة، إذ إه بالسياسة لا بالأمن والقمع يمكن إيقاف تلك الهجمات
"

يستبعد الكاتب في توصيته الأخيرة في الكتاب التمكن من التغلب على المصادر الرئيسية للهجمات الانتحارية, من الشيشان وحتى فلسطين ومرورا بالقاعدة, بمجرد الاعتماد على القوة العسكرية الغربية بكل جبروتها وتقدمها.

 

ولا يرى سبيلا لدحر من يسميهم بمستغلي الرفض والخوف العالمي مثل بن لادن, إلا من داخل مجتمعاتهم وثقافاتهم.

 

ويقول إن الإقبال الاجتماعي الكبير في زمن الخميني على العمليات الانتحارية والإقدام على الشهادة خلال الحرب العراقية الإيرانية لم يتوقف بالطرق العسكرية "الأسلوب المفضل لدى إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهة خصومهم من الجهاديين الفلسطينيين والقاعدة"، بل انفض الناس عنها بعدما عايشوا بأنفسهم قصور الدولة الإسلامية الدينية وتناقضاتها.

 

وفي السياق ذاته يعاود التكرار على أن القضايا التي تقف خلف كل تلك الهجمات هي قضايا سياسية وحلها بالسياسة. ويجب على الأطراف القوية والدول ذات السيطرة في قضية من تلك القضايا، عدم التهرب من هذا الأمر ومواجهته, وهو أنه بالسياسة لا بالأمن والقمع يمكن إيقاف تلك الهجمات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة