الإبل فى بلاد الشرق الأدنى القديم وشبه الجزيرة العربية   
الأربعاء 1433/2/3 هـ - الموافق 28/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 20:03 (مكة المكرمة)، 17:03 (غرينتش)
عرض/ شرين يونس
 
ارتبطت الإبل منذ القدم بالشرق الأدنى وشبه الجزيرة العربية، نظرا لملاءمتها، للحياة الرعوية والظروف المناخية والبيئية الصعبة، لذا كانت لها مكانتها، التي وصلت أحيانا لحد التقديس والعبادة، ورويت عنها القصص والأساطير، وكذلك قيل فيها الشعر، وضربت عنها الأمثال.
 
يسرد هذا الكتاب الصادر مؤخرا عن دار الكتب بهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، لمؤلفه حمد محمد بن صراي، الكثير عن تاريخ الإبل ومكانتها، ولا يعد وصفا أدبيا للإبل، أو بحثا في الجانب اللغوي، وإنما عني كذلك بالجوانب التاريخية والآثارية، من العصور الحجرية إلى القرن الأول الهجري السابع الميلادي.
 
إضاءات لغوية
تعددت الكتب التي وضعها القدماء من الأدباء والنحويين العرب حول الإبل، ومنهم الأصمعي عبد الملك بن قريب، وكذلك أبو الحسن النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد التميمي المازني البصري النحوي الأديب، وأبو العميثل عبد الله بن خالد، مولى جعفر بن سليمان، وأبو الفضل العباس بن الفرج، وأبو زياد يزيد بن عبد الله بن الحر بن حمام الكلابي، اللغوي الشاعر، وأبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون، المعروف بالقالي، أحد مشاهير الأدباء و البلغاء المسلمين، وغيرهم.
 
-الكتاب: الإبل في بلاد الشرق الأدنى القديم وشبه الجزيرة العربية
-المؤلف: د. حمد محمد بن صراي
-عدد الصفحات: 95
-الناشر: دار الكتب بهيئة للثقافة والتراث، أبو ظبي, الإمارات
-الطبعة: الأولى 2011
شابهت معظم الكتب في مضمونها وأسلوبها، بالاستشهاد بالشعر والحكايات والقصص، ووصف الإبل وألوانها وأعمارها وأسمائها وغير ذلك، إلا أنها فقدت معظمها، ولم يبق إلا ذكرها، أو نقولات منها في مصنفات المتأخرين.
 
ويرجح الباحث أن تكون لفظتا إبل وجمل، من مصدرين مختلفين، فكأن الأولى من وسط وجنوب شبه الجزيرة العربية، والثانية من شمالها، وهو ما دلل عليه بشيوع لفظة إبل في اللغات العربية والسبئية والصفوية والثمودية، في حين انتشرت لفظة جمل في اللغات العبرية والتدمرية والآرامية ولهجاتها الأخرى.
 
أما في كتابات بلاد الرافدين، فإن كلمة "إبل" هي الأقدم ظهورا، ولكن "جمل" هي الأكثر انتشارا، خصوصا في النصوص الآشورية، كما أن اليونانيين ثم الرومان الذين استقروا في سوريا ومصر استخدموا كلمة "جمل" ومنهم انتقلت إلى اللغات الأوروبية الحديثة.
 
ويستدل من الرسومات والتصاوير العائدة إلى فترة ما قبل الميلاد، والتي تمثل مناظر لصيد الجمال، إلى أن الإبل كانت برية أم متوحشة قبل استئناسها، لتستخدم في الركوب وحمل الأثقال.
وقد اختلفت الآراء حول بداية استئناس الجمل، فقيل إنها كانت قبل العام 2000 ق.م، وقيل في بداية القرن الرابع ق.م، أو في الألف الثالث ق.م، أو في القرنين الثالث عشر والثاني عشر ق.م، ولكنها اتفقت على أن ذلك كان في فترة قديمة جدا.
 
وانتقلت الجمال المستأنسة من شبه الجزيرة العربية إلى الشمال، إلى فلسطين وسوريا، وكذلك إلى بلاد الرافدين، وانتشر استئناس الإبل كذلك في أجزاء واسعة من أفريقيا.
 
وتنقسم عائلة الجمال إلى مجموعتين، الأولى مجموعة العالم القديم، وتضم الجمل ذا السنام الواحد والمعروف بالجمل العربي، والجمل الآسيوي ذا السنامين والمعروف بالجمل البكتيري، والمجموعة الثانية، مجموعة العالم الجديد، وتضم ثلاثة أصناف، اللاما والإيلاما والألباكا.
 
في التراث الديني
تعدد ذكر الجمل، سواء في العهد القديم، أو الجديد، بالإضافة للقرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وكذلك في الأمثال العربية، فجاء في العهد القديم أن ملك مصر صنع إلى أبرام (إبراهيم عليه السلام) خيرا، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وجمال، كذلك إهداء يعقوب عليه السلام لأخيه عيسو ناقة مرضعة وأولادها، كما جاء به أن ملكة سبأ جاءت سليمان عليه السلام في موكب عظيم يضم جمالا محملة أطيابا وذهبا وحجارة كريمة.
 
ويذكر العهد القديم أيضا ما كان لأيوب من نعم، ضمنها نحو 3000 جمل قبل البلاء، وأيضا أن عددا من عشائر بني إسرائيل كانوا يمتلكون نعما كثيرة منها الجمال.
 
"
ورد ذكر وبر الجمل في إنجيل متى، وأطلق على الجمل العربي في التلمود اسم "الجمل الطائر"، أما في القرآن الكريم فيرد ذكر الإبل وما دل عليها، في العديد من الآيات
"
وفي العهد الجديد، الإنجيل، ورد ذكر وبر الجمل في إنجيل متى، وأطلق على الجمل العربي في التلمود اسم "الجمل الطائر"، أما في القرآن الكريم فيرد ذكر الإبل وما دل عليها، في العديد من الآيات، منها الأنعام الآية رقم 144، والغاشية الآية رقم 17، والأعراف الآية 40، والمراسلات الآية 33، ويوسف في الآيتين رقم 65، 72، والواقعة الآية 55.
 
وتتعدد الإشارات إلى الإبل في الأحاديث النبوية، وضرب الرسول صلي الله عليه وسلم المثل في الاهتمام بالإبل، والتعامل معها في سيرها وسفرها ومرضها، كما عرفت الإبل أيضا كمركوب الأنبياء السابقين عليهم السلام.
 
وانتشرت العديد من الأمثال عند العرب التي تشير إلى الإبل، فكانت كرائم الإبل مثلا في النفائس، فقيل مثلا "حمر النعم"، ورأت العرب في حنين الإبل، مثلا للإقبال والعاطفة والرجوع إلى الموطن الأصلي، كضرب المثل بغرائب الإبل، وصارت "صولة الجمل أي عضته: شبيها لغيرة الإنسان وحقده، كما ضرب المثل بركبتي البعير في التشابه والأشياء المتكافئة.
 
في التراث الأدبي واللغوي
زخر الشعر العربي القديم والمعاجم اللغوية واللغة العربية عموما، بالمصطلحات والعبارات التي تصف الجمل، وطبيعته وحياته وشكله وعاداته، ومراحل نموه المختلفة، حتى بلغت عدد الكلمات التي تتعلق بالجمل وتصف شكله وخلقته، حوالي 10046 كلمة.
 
وتنوعت أسماء الإبل، حسب السن والعمر، مثل الحوار وهو ابن 6 شهور، والجذع من 4 إلى 5 سنوات، وأسماء حسب القوة واللون، مثل العرمس وهي الناقة القوية الشديدة، والكوم وهي الإبل ذات الأسنمة العظام الضخام، والمغاتير وهي البيض والصفر.
 
ومنها أسماء حسب العمل والمهمة التي تقوم بها الإبل، مثل الزمل وهو اسم عام للذكور من الإبل المسنة عادة، وهي التي تخصص للأحمال الثقيلة، وأسماء بحسب جماعات الإبل، مثل الذود وهي ما بين الثلاثة إلى العشرة، والجهام وهي ما زاد على المائة، وأسماء ذكور الإبل مثل بليهان وحردان.
 
"
وعرف العرب أنواعا من الإبل، مثل العراب، والفوالج والصرصرانيات، ومن أشهر فحول العرب "شاغر"، و"داعر" و"ذي العبلين" و"عصفور" النعمان
"
وكان لبعض النوق شهرة خاصة بين العرب، إما لمكانة صاحبها وإما لغزارة لبنها، وإما لمكانتها عند صاحبها، وإما لعظم حجمها، وعرف العرب أنواعا من الإبل، مثل العراب، والفوالج والصرصرانيات، ومن أشهر فحول العرب "شاغر"، و"داعر" و"ذي العبلين" و"عصفور"النعمان.
 
وشغلت الإبل حيزا كبيرا في الشعر العربي الجاهلي، حتى سمي بعض الشعراء الذين عرفوا بكثرة وصفهم للإبل باسم "الراعى" كالشاعر عبيد بن الحصين، والرشد بن الحارث بن عبد مناة، واتخذ العرب أسماء عن الإبل، مثل جمال، وجملة.
 
وارتبطت العديد من المواضع والأمكنة في بلاد العرب بالجمال، كما سمي أشد شهور الصيف حرا باسم ناجر، لأن الإبل تنجر فيه، وهو أن تعطش عطشا شديدا فتشرب ولا تروي.
 
وأورد الكاتب الأمثال العربية القديمة التي ذكرت الإبل، ومنها "ما هكذا يا سعد تورد الإبل"، أى ما هكذا يكون القيام بالأمر، و"هذا لا تبرك عليه الإبل" ويضرب للأمر الذي لا صبر عليه، وقالت العرب "أصول من جمل" أى أعض، وأغير من جمل.
 
في التاريخ والآثار
بفضل استخدام الجمل في المواصلات البرية، تمكن الإنسان من تأسيس تجارة متواصلة عبر الصحارى، كما استخدم عسكريا في الحروب ونقل المؤن ودينيا في الطقوس والقرابين.
 
ونقلت الجمال أنواعا مختلفة من السلع والبضائع، مثل البخور والأعشاب الطبية واللبان والصموغ والمر من جنوب شبه الجزيرة العربية وظفار، والقطن والمجوهرات والذهب والفضة والعاج والبهارات من الهند.
 
واشتهرت عدة طرق برية رئيسة كانت تسلكها القوافل التجارية، من أهمها طريق البخور المنطلق من مأرب إلى البتراء عبر الحجاز، وطريق الرضراض من مأرب إلى نجران، فشمال شرق شبه الجزيرة العربية، حيث مدينة الجرهاء المشهورة، كما نشأ في بلاد الشرق الأدنى عدد من مدن القوافل التي اعتمدت على التجارة والطرق التجارية البرية مثل مدينتي البتراء وتدمر.
 
وانتقل الباحث للحديث عن عدد من المواقع الآثرية، سواء في مصر القديمة، وبلاد الرافدين، وسوريا، والأردن، وفلسطين، والهضبة الإيرانية، ومواضع مختلفة بشبه الجزيرة العربية، في أبو ظبي، والشارقة، ورأس الخيمة، والبحرين، واليمن، والمملكة العربية السعودية، تؤكد استخدام الإبل، سواء في التجارة، أو في الحروب، وكذلك تقديمها قرابين، أو استخدام عظامها في التصنيع، تعود إلى فترات بعيدة إلى ما قبل الميلاد.
 
تقديس وتقدير
أشار الباحث إلى عدد من القبور في شبه الجزيرة العربية، تؤكد انتشار ما يعرف بطقس البلية، قبل الإسلام، حيث يعتقد بدفن الناقة أو الجمل بالقرب من صاحبها، حيث توضع الإبل بشكل مقيد وسحبت رقابها إلى الخلف، وأن القبور تضم عددا من المعثورات واللقي، سواء للاعتقاد بالبعث راكبا عليها، أو من أجل التباهي والمفاخرة.
 
ومن الملاحظ أن قبور الجمال غالبا تؤرخ بالقرن الثالث ق.م، إلى ما قبيل الإسلام، ولكن يخالف ذلك بعض الهياكل التي تعود زمنيا إلى الألف الأول ق.م.
 
بالإضافة لعادة دفن الجمال في قبور خاصة، وارتباطه لمعني ديني، ولما وصله هذا الحيوان لدي عرب الجاهلية من مكانة عالية، فقد برزت ظواهر أخرى لهذه المكانة من التقدير.
 
"
كانت الإبل تعد دية، وفي الوقت نفسه وفاء لنذر، وميدانا للتباري والتسابق بين المتنافرين، وكانت أيضا من أهم العطيات التي تمنح للعربي، وكذلك من أكثر ما ينحر من النعم للأضياف
"
منها اتخاذ بعض النوق والجمال للتبرك، وظاهرة "سابقة الحاج"، وهي الناقة إذا سبقت قوافل الحجاج في الجاهلية لم تمنع من كلأ ترتع فيه ولم تمنع من حوض تشرع فيه، كما حرّم العرب في الجاهلية ركوب الإبل المخصصة للآلهة أو استخدامها.
 
ورمزت الناقة في الأساطير الجاهلية لربة للحرب، وشبه العرب أيضا بعض النجوم بالإبل، حيث سموا سهيلا "الفحل" تشبيها له بفحل الإبل، وعرف سهيل أيضا باللطيم، وهو الصغير من الإبل الذي يفصل عند طلوع سهيل.
 
وكانت تعد الإبل دية، وفي الوقت نفسه وفاء لنذر، وكانت ميدانا للتباري والتسابق بين المتنافرين، وكانت أيضا من أهم العطيات التي تمنح للعربي، وكانت كذلك من أكثر ما ينحر من النعم للأضياف.
 
وقد انتهت الطقوس والسلوكيات التعبدية بمجيء الإسلام، بالإضافة إلى عادات أخرى نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يخص الإبل، كالنذور والنحر، والعقر، وقطع آذان الإبل وشق جلودها لتحريمها على الأهل والأقارب وإيقافها على المعبودات، إضافة لوضع القلادات على رقاب الجمال، لدرء العين والحسد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة