بين ديمونا وواشنطن   
الاثنين 1426/2/10 هـ - الموافق 21/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:00 (مكة المكرمة)، 7:00 (غرينتش)

عرض/نزار رمضان

يتحدث هذا الكتاب عن جذور المشروع النووي الإسرائيلي والعقبات التي واجهته، إضافة إلى موقف الولايات المتحدة الأميركية منه، وكيف استطاع قادة إسرائيل الأوائل تمريره من خلال المماطلة والتسويف، مع عدم السماح للمراقبين الدوليين بالدخول إلى المنشآت النووية الإسرائيلية.

 

كتاب "بين ديمونا وواشنطن" صادر عن جامعة بن غوريون في يناير/كانون الثاني 2005م من تأليف الباحث الإسرائيلي زخي شالوم حيث يثير قضية جدلية حول الموقف الأميركي من الخيار النووي الإسرائيلي.

 

- العنوان: بين ديمونا وواشنطن

- المؤلف: زخي شالوم

- عدد صفحات الكتاب : 327

- الناشر: جامعة بن غوريون

- تاريخ النشر: 2005م

وتكمن أهمية الكتاب في كونه دراسة علمية موثقة، تتحدث عن تطور الخيار النووي الإسرائيلي والدور الأميركي في دعم هذا التطور، إضافة إلى تدرج موقف الحكومة الأميركية تجاه رفض إسرائيل لموضوع الرقابة على نشاطها النووي ومفاعلها الذري في ديمونا حتى بات الأمر في النهاية مستوعبا ومقبولا.

 

فكرة التأسيس

يعتبر دافيد بن غوريون أول شخصية إسرائيلية فكرت في البحث عن الخيار النووي لإسرائيل، حيث كان يشعر أن إسرائيل الوليدة لا تمتلك مقدرات طبيعية تغنيها عن الغير، مثل البترول والمعادن والمياه الوفيرة، لهذا غدت القدرة النووية خيارا ضروريا لبلد مجرد من الموارد الطبيعية ويحيق به الخطر.

 

آمن بن غوريون كما يشير المؤلف، بأنه من خلال استخدام ذكي للقدرة النووية ستقدر إسرائيل على إنتاج الكهرباء دونما اللجوء إلى النفط أو الفحم، لذلك حافظ بن غوريون على علاقة مميزة مع المجتمع العلمي في إسرائيل الذي كان يطمح إلى أن يكون هو ربان هذا المشروع.

 

غير أن العلماء في إسرائيل بدوا متوجسين خيفة ومتناقضين، وكان من بين المحتجين البروفسور يوئيل راكاه الذي رأى أن مسعى إسرائيل للدخول في عصر الذرة سيحرجها أمام المجتمع الدولي خاصة أنها دولة وليدة وما زالت ضعيفة.

 

وكان من بين الذين استطاع بن غوريون إغواءهم كما يقول الباحث، البروفيسور إسرائيل دو ستروفسكي والبروفسور ايرنست دفيد بيرغمان وكلاهما من معهد وايزمن، حيث اخترع دوستروفسكي عملية تصنيع المياه الثقيلة التي أقرتها بعدئذ وكالة الطاقة النووية الفرنسية.

 

اعتمد بن غوريون في البدايات على أطقم من الخبراء  الإسرائيليين في الفيزياء النووية وخاصة ذلك النفر الذي كان يشرف على عدد من مراكز الأبحاث العلمية.

 

كان بن غوريون يشعر بأن تكاليف هذا المشروع باهظة، ولهذا لا بد من الدعم الخارجي، حيث تمكن أنصار إسرائيل من جمع مبلغ أربعين مليون دولار بطريقة سرية، وقد شكل هذا المبلغ آنذاك نصف ثمن المفاعل النووي الذي بني في ديمونا، وقد جاء تجميع هذا المبلغ من خلال مناشدات مباشرة قام بها بن غوريون إلى أصدقاء إسرائيل في العالم.

 

وقد بني أول مفاعل نووي في صحراء النقب بمنطقة ديمونا، وتم ذلك بطريقة سرية من خلال العلاقات المميزة مع فرنسا، وكان البدء في تشغيل هذا المفاعل في ديسمبر/كانون الأول سنة 1963م.

 

"
آمن بن غوريون بأنه عبر استخدام ذكي للقدرة النووية ستقدر إسرائيل على إنتاج الكهرباء دونما اللجوء إلى النفط أو الفحم, لذلك حافظ على علاقة مميزة مع المجتمع العلمي في إسرائيل الذي كان يطمح إلى أن يكون هو ربان هذا المشروع
"
بن غوريون وكينيدي

يعيد الكاتب جذور الحديث عن المشروع النووي الإسرائيلي إلى عهود ماضية، حين كان الأبطال الأساسيون للقضية هما الرئيسان جون كينيدي وليندون جونسون على الصعيد الأميركي، أما على الصعيد الإسرائيلي فهما الرئيسان دافيد بن غوريون الذي استقال من منصبه عام 1963م وليفي أشكول الذي عمل رئيسا لحكومة إسرائيل حتى موته في فبراير عام 1969م.

 

لقد كان واضحا أن بن غوريون حرص منذ إنشاء إسرائيل على امتلاكها الخيار النووي حتى تدافع عن نفسها، وكان يقول دوما إن إسرائيل باستطاعتها أن ترد أي هجوم عربي عليها. ولكن هذا يحتاج إلى الإمكانات المتطورة غير التقليدية، وكان يقصد بذلك السلاح النووي، وكان مقتنعا كما يقول الكاتب أنه ليس بمقدور إسرائيل أن تلحق الهزيمة بالعرب من خلال سلاح تقليدي.

 

وخلافا للطموحات التي كان يتحدث عنها بن غوريون في هذا الجانب، فقد ترك لخليفته في الحكومة ليفي أشكول وصايا كان أهمها العمل على التهدئة مع الولايات المتحدة الأميركية وذلك بسبب السياسات النووية الإسرائيلية.

 

ويسلط الكاتب الضوء على إشكالية بن غوريون مع الرئيس الأميركي كينيدي حول النشاطات الإسرائيلية النووية التي أصبحت على رأس أولويات الرئيس الأميركي، حين التقى بن غوريون في مايو/آيار عام 1961م ، وكان اللقاء هادئا وتم التوصل خلاله إلى قرار إستراتيجي بالنسبة للحكومة الأميركية، يتمثل في الامتناع عن الوصول إلى خلاف علني مع إسرائيل فيما يتعلق بالموضوع.

 

ويضيف الكاتب أن الحكومة الأميركية اقتنعت بأن المشروع النووي الإسرائيلي في ديمونا قد تم تشكيله برئاسة دافيد بن غوريون كمصلحة وطنية عليا لإسرائيل ولهذا ليس من السهل التنازل عنه بأي شكل من الأشكال، ولهذا لا جدوى من ممارسة أي ضغط على إسرائيل، إضافة إلى أن إسرائيل غير مستعدة للتراجع عن موقفها في هذه المسألة.

 

ويقول المؤلف إن هناك سببا آخر لعدم الضغط على إسرائيل وهو سبب شخصي، إذ إن الرئيس الأميركي كينيدي شاب في الـ 44 من عمره وكان يخشى من المواجهة مع رجل محنك وصاحب تجربة مثل بن غوريون المحبوب والمعروف لدى الكثيرين من رؤساء العالم كما يرى الكاتب.

 

في 19 مايو/آيار من عام 1963م أوضح كينيدي في رسالة له أن قدرة إسرائيل على تطوير سلاحها النووي قد تؤدي إلى إثارة عدم الاستقرار في النظام العالمي.

 

وعاد كينيدي وطالب إسرائيل بالموافقة على مواعيد للزيارات الدورية لمندوبي الحكومة الأميركية للمفاعل النووي في ديمونا دون أي مجال للمناورة من قبل إسرائيل، وكان عدم قبول هذا الطلب هو القطيعة والمواجهة مع الحكومة الأميركية.

 

وشدد كينيدي ضغوطه مرة أخرى، فبعد شهر من طلبه الأول أي في يوم السبت 15 يونيو/حزيران 1963م أرسل رسالة تهديد أخرى لبن غوريون طالب فيها إسرائيل وبإصرار ووضوح بالسماح لمندوبي الحكومة الأميركية بزيارة جميع مواقع المفاعل وعدم تحديد مدة بقائهم فيها، مشيرا إلى أن عدم استجابة إسرائيل لذلك سيؤدي إلى أزمة بين البلدين.

 

ضغوطات كينيدي هذه أدت كما يقول المؤلف إلى استقالة بن غوريون التي كانت يوم الأحد الموافق 16 يونيو/حزيران 1963م من وظيفته، وكانت الأسباب التي أدت إلى استقالته تكمن في عدم وجود غطاء سياسي له من قبل الحكومة والقيادة السياسية، ومع ذلك يرى الكاتب أن بن غوريون صمد وثبت أمام ضغوطات كينيدي التي كانت متواصلة.

 

"
بن غوريون حرص منذ إنشاء إسرائيل على امتلاكها الخيار النووي حتى تدافع عن نفسها، وكان يقول دوما إن إسرائيل باستطاعتها أن ترد أي هجوم عربي عليها، ولكن هذا يحتاج إلى الإمكانات المتطورة غير التقليدية
"
باستقالة بن غوريون من منصبه ترك الوضع ملتهبا والباب مشرعا لخليفته ليفي أشكول الذي شغل بهذا الموضوع منذ اليوم الأول لتسلمه منصب رئيس حكومة إسرائيل.

 

في إطار الضغوطات الأميركية على إسرائيل، أرسل كينيدي رسوله الخاص جوهن مكليفي لمراقبة سباق التسلح غير التقليدي في الشرق الأوسط، واقترح مكليفي إجراء علاقة وربط بين طلب الرقابة على إسرائيل والطلب المشابه من مصر، حيث رفض الرئيس عبد الناصر الطلب الأميركي، متذرعا برفض إسرائيل المتكرر لنفس الموضوع.

 

يقول المؤلف إن الرفض المصري شكل تعزيزا جديدا للموقف الإسرائيلي، الأمر الذي أعطى ليفي أشكول دفعة جديدة للرفض، بل أدى بالحكومة الأميركية إلى تقبل المبدأ الذي قاتل من أجله بن غوريون فيما يتعلق بالمفاعل النووي دون نجاح.

 

وخلال السجال الطويل بين طلبات كينيدي ورفض الحكومات الإسرائيلية كانت النهاية انكسار الكثير من مواقف الرئيس كينيدي أمام المواقف الإسرائيلية.

 

ليفي أشكول وجونسون

بعد مقتل كينيدي، وفي نوفمبر/تشرين الأول 1963م أصبح نائبه ليندون جونسون رئيسا للولايات المتحدة حيث كانت الحرب الفيتنامية على رأس جدول أعماله، كما أصبح بعد ذلك الملف النووي الإسرائيلي على جدول أعماله أيضا.

 

يقول المؤلف إن مباحثات جرت بين ليفي أشكول وجونسون حول الملف النووي خلال زيارة أشكول للولايات المتحدة في يونيو 1964م ، حيث قرر جونسون تخفيف الضغط على إسرائيل تجاه الملف النووي وأعلن لمستشاريه أنه ينوي معالجة الأمر بصورة مضبوطة.

 

وقد تناغم هذا الموقف المنضبط مع الاعتبارات السياسية الداخلية تجاه الرئيس الأميركي وتجاه أشكول، فالرئيس الأميركي جونسون كان من المفروض أن يرشح نفسه لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية في نوفمبر/تشرين الأول 1964م، وتأييد لفي أشكول له يعني تجنيده لليهود في الولايات المتحدة لانتخاب الرئيس الأميركي جونسون، لهذا خشي جونسون المواجهة المباشرة مع أشكول، حتى لا تتأثر مكانته السياسية.

 

في نهاية أكتوبر/تشرين الثاني من عام 1964م أرسل أشكول إلى جونسون طلبا شخصيا وليس رسميا طلب فيه تأجيل الزيارة المرتقبة لمندوبي الحكومة الأميركية إلى مفاعل ديمونا إلى ما بعد انتخابات الكنيست التي ستجرى في بداية عام 1965م.

 

وقد اختار أشكول هذا الموعد بصورة حكيمة لأن موعد الانتخابات الرئاسة الأميركية قد اقترب ولذلك سيكون الرئيس ملزما بالاستجابة، خوف تسرب رفضه إلى الإعلام والصحافة، مما قد يؤثر سلبا على حصوله على الصوت اليهودي.

 

"
تظاهر أشكول أمام الضغوط الحكومية الأميركية الكبيرة بقدر كبير من الثبات وكان مراوغا في ردوده على الاقتراحات الأميركية بعدم تطوير السلاح النووي
"
ويوضح الكاتب أن أشكول أمام الضغوط الحكومية الأميركية الكبيرة تظاهر بقدر كبير من الثبات وكان مراوغا في ردوده على الاقتراحات الأميركية بعدم تطوير السلاح النووي.

 

وفي مارس/آذار 1965م تبلورت مجموعة تفاهمات سرية حول النشاطات النووية الإسرائيلية وكان البند المركز لهذا التفاهم هو "أن على إسرائيل الالتزام بأن لا تكون الدولة الأولى التي تدخل السلاح النووي إلى المنطقة، وفي المقابل قبلت الحكومة الأميركية ورقة تفاهم إسرائيلية حول موضوع التطور النووي بنصوص ضبابية يمكن تفسيرها تفسيرات مختلفة وغير ملزمة.

 

وهنا يشير المؤلف إلى أن نصوص هذا التفاهم قد وضعت على إسرائيل قيودا مخففة، وعلى ضوء هذا الاتفاق شعر أشكول بالراحة لأنه نجح في منع الرقابة الأميركية على ديمونا وأصبحت هناك موافقة أميركية على حيازة إسرائيل للسلاح النووي.

 

وتم هذا الأمر بعد أكثر من ثلاث سنوات من حكم أشكول، حيث تطورت العلاقات الإسرائيلية الأميركية، وجرى الاتفاق على صفقات سلاح تقليدي، ففي عام 1968م تمت صفقة أميركية إسرائيلية بحيث زودت الولايات المتحدة إسرائيل بطائرات فانتوم دون أي التزام إسرائيلي جديد نحو برنامجها النووي، زيادة على الالتزامات السابقة وهذا ما أصبح انجازا إستراتيجيا لإسرائيل وخاصة لرئيس الوزراء أشكول.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة