سعيا للصمت.. إصغاء في وجه الضجيج   
الخميس 26/11/1433 هـ - الموافق 11/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:08 (مكة المكرمة)، 11:08 (غرينتش)


العنوان: سعيا للصمت
تأليف: جورج بروشنيك
ترجمة: د. إبراهيم يحيى الشهابي
مراجعة: وفاء التومي
عدد الصفحات: 285 صفحة (من القطع المتوسطة)
الناشر وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر
الطبعة الأولى 2012.


عرض/أحمد الشريقي

من مدينة بروكلين الأميركية، حيث الأصوات التي تصدرها الباصات والشاحنات، وضجيج الموسيقى العالي، وصياح الجيران، يبدأ الكاتب والناقد الأميركي جورج بروشنيك، رحلة طويلة ساعيا للصمت باعتباره أداة احتجاج وردا هادئا على كل ذلك الضجيج.

وفي سعيه ذاك يطوف الأديرة ويزور حدائق الشاي اليابانية، ويلتقي رواد فضاء وعلماء فيزياء وبيولوجيا أيضا لعله يفسر لغز الصمت ويحظى بذلك "الكائن الأثير"، بيد أن بروشنيك ليس وحده الساعي للصمت ضد فكرة النطق العالي فمعه كثيرون، لكنه ما من أحد حقق نصرا واقعيا بالسعي إلى الصمت حتى فارق الحياة، ففي هذه الحياة محكوم على الصمت بعدم الاكتمال.

يبدو كتاب "سعيا للصمت والإصغاء لتحصيل المعنى في عالم الصخب" الصادر حديثا عن وزارة الثقافة والتراث والفنون القطرية، لجورج بروشنيك بترجمة إبراهيم يحيى شهاب، ومراجعة وفاء التومي، كما لو كان رواية لو أراد كاتبه له ذلك، لنثره حكايات وتفاصيل كثيرة لشخوص هدتهم الضوضاء، أو آخرين نعموا بالصمت ملاذا من فتك الحداثة وصخبها القاسي.

وهو دراسة أيضا بالمعنى الذي لا يريد فيه بروشنيك لكتابه أن يكون مجرد تأملات نظرية في عالم الصمت والسعي إليه، على أن الكتاب حفر في معنى الصمت وجذوره في الأديان (ما عدا الإسلام)، بحكم مرجعية الكاتب واعتقاداته الدينية، على أن اللافت لديه هو أن الصمت والتأمل لديه جذوره الدينية العميقة سواء كانت سماوية أو أرضية، كما في حضارات الشرق القديم وكأنما الطريق إلى الله يسبقه أو يلزمه صمت عال..

إذا كان الصمت مرتبطا على الدوام بالنطق، فإن واحدا من مرتكزات الكاتب في دراسته وشهادات من التقاهم تتخذ لنفسها منطلقا ديمقراطيا

جدل الصمت والنطق
وما بين الذهاب بعيدا إلى التأمل وما يمكن أن تمنحه دور العبادة من صمت هو الطريق إلى الله بحسب من زارهم بروشنيك، والعمل العلمي الذي يعتمد الدراسة العلمية، يخلص الكاتب إلى مركزية السعادة التي يمنحها الصمت لطالبيه.

وإذا كان الصمت مرتبطا على الدوام بالنطق، فإن واحدا من مرتكزات الكاتب في دراسته وشهادات من التقاهم تتخذ لنفسها منطلقا ديمقراطيا، إذ إن فكرة الهدوء ومواكبته للنهج الديمقراطي لا تهدئ من الجدل الدائر بين الصمت والنطق كليا.

ولا ينسى في دراسته تقديم لفتة احترام لفاقدي السمع، يُظهر من خلالها عالمَ الصمت الذي يعيش بداخله من فقد سمعه. ويقدّم للقراء مجموعة من الشخصيات البارزة ممّن لا يقدرون على السمع بسبب الإعاقة ومنهم الموسيقار والمهندس المعماري والمصمم وغيرهم.

صرخة مدوية
والكتاب أيضا صرخة مدوية في عالم الصمت تجاه الضوضاء، لعالم يتجه سريعا باتجاه حداثة وما بعدها تصادر حق الإنسان في الفهم باعتبار أن ذلك لا يتأتى إلا بالصمت.

ويقول بروشنيك: عندما بدأت الحديث مع الخبراء بعلل السمع وجراحي زراعة الحلزون وعلماء الأعصاب حول فوائد الصمت، كانوا أكثر قلقا بشأن المخاطر التي تنجم في رأيهم عن عالمنا الذي يتعاظم صخبا، ويستشهد بدراسة أعلنت عنها جامعة جونز هوبكنز في يوليو/تموز عام 2008 ذكرت أن نسبة حوادث فقدان السمع في الولايات المتحدة تقترب من كونها وبائية.

كلما استطعت أن تسمع موسيقى شخص آخر تتسرب من سماعات الأذن التي يضعها، فاعلم أن ذلك الشخص يسبب لنفسه ضررا سمعيا

ووفق الدراسة فإن واحدا من كل ثلاثة أميركيين مرضى بداء الترنح والسقوط يعانون من ضعف السمع الناتج عن الضجيج.

أبعد من ذلك ينقل عن توم رونالد مدير قسم زراعة القواقع (الحلزونيات) في مركز جامعة نيويورك الطبي، "كلما استطعت أن تسمع موسيقى شخص آخر تتسرب من سماعات الأذن التي يضعها فاعلم أن ذلك الشخص يسبب لنفسه ضررا سمعيا".

ويستفيض باستشهاداته عن ضرر الأجهزة الخلوية والألعاب الإلكترونية، ويقول إن الألعاب الكمبيوترية التي تستهوي الأطفال والمراهقين ما زالت أعلى صوتا من سواها، ويحكي عن مخاطر جمة أيضا بسبب تعرض الأطفال والمراهقين إلى هذه الأجهزة كالمكيفات، والتلفاز، والراديو، وغيرها من الأجهزة التي يشغلها الأشخاص.

تبدو كل تلك التفاصيل العلمية كما لو كانت لآخرين بحثا علميا مكانه المجلات الصحية والنشرات الطبية، لكن ذلك ليس كذلك بالنسبة لبروشنيك الذي يرى أنه لكي تفهم الصمت عليك أن تفهم الضوضاء، ويبرر ذلك بكون الاعتراف بهذه الضوضائية الجديدة هو الذي جعله يسعى لرحلته تلك.

فالضجيج والصمت كلاهما مرتبط بالآخر وكل يتفاعل مع الآخر بطريقته الخاصة، وعليه فإن هذا سبب لجعلنا نقع بحسبه في حب الضجيج.

ويمضي إلى أنه إذا ما حاولنا الاستثمار الجاد في تهذيب الصمت، فعلينا أن نفهم كيف وقعنا في شرك الضجيج، وبالتالي فإنه علينا استكشاف ما يقدمه لنا الصمت والعوامل التي تحرضنا على أن نكون صاخبين وكأننا نصفان لمشكلة واحدة.

تبين أن للضجيج مساوئه: فهو يسبب تلوثًا بيئيًّا، وأضرارًًا صحية كالصمم والتوتر العصبي الذي ربما يدفع بالمرء إلى ارتكاب جريمة قتل

رحلة لفك رموز الصمت
في رحلة أولى إذا لفهم الصمت وأسراره وتداعياته وعمله على الروح والنفس والقلب، يمضي إلى أوكار الضجيج: حلقات سباق السيارات الفائقة السرعة والمزودة بأجهزة صوتية أعلى صخبا وضجيجا من سواها، وقادته قدماه أيضا إلى المراكز التجارية التي تعج بالناس وتصدح فيها الموسيقى الصاخبة وكذلك الأسواق التي تضج بأصوات الباعة، وفي خضم ذلك كله يشكو صانعو الضجيج من ضوضائهم ومن صخب الطائرات، وهديرها فوق المدن.

بعد هذا الجهد المضني كله والسعي في الاتجاهين، كما قال، تبين له أن للضجيج مساوئه، فهو يسبب تلوثًا بيئيًّا، وأضرارًًا صحية كالصمم والتوتر العصبي الذي ربما يدفع بالمرء إلى ارتكاب جريمة قتل.

وفي الوقت نفسه للضجيج منافعه، إذ إن الأصوات كلها في النهاية تخدم الصمت وتغذيه، وهي ليست سوى كلام خافت للصمت، كما قال هاري ديفيد ثوريو.

كما بينت بعض التجارب أن الصوت يطيل العمر، ويخفف الألم في العمليات الجراحية الصغرى، ويسمو بالنفس إذا كان الصوت في درجة معينة كالموسيقى الهادئة، وصوت الشلال في الحدائق، وخرير الماء في الأنهار والسواقي، وحفيف الأشجار وعزف النسيم على الأغصان، كل ذلك ينشط الذاكرة ويؤدي إلى الاسترخاء والراحة ويساعد على التأمل، كالصمت تمامًا.

وخلص أخيرًا إلى أن الصوت والصمت أمران متلازمان متداخلان، ويتبادلان الوظائف في كثير من الأحيان والأحوال.

السبيل الوحيد للتخلص من مساوئ الضجيج والصمت كليهما، والإفادة منهما هو إيجاد معادلة تحقق التوازن بينهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر

وبالتالي فهما عنصران جوهريان من عناصر الطبيعة لا يستطيع الإنسان الاستغناء عن أي منهما. ولهذا يرى المؤلف أن السبيل الوحيد للتخلص من مساوئ الضجيج والصمت كليهما، والإفادة منهما والانتفاع بهما على خير وجه هو إيجاد معادلة تحقق التوازن بينهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.

وللوصول إلى مثل هذه المعادلة لابد من تعاون السلطات الإدارية بوضع قوانين تساعد على ذلك، إضافة إلى تعاون الناس أنفسهم في السعي إلى راحتهم وراحة أبنائهم وسلامة بيئتهم وصحتهم، ويعتمد ذلك إلى حد كبير على التربية العامة: الأسرية والمدرسية والمجتمعية والإعلامية.

الإصغاء للمجهول
في رحلته الأثيرة إلى الدير يروي طقوس الرهبان في الكنيسة، ويسجل إحساسه عن صمتهم المدوي بعد صلواتهم المتأخرة إلى صباح اليوم التالي، ويقول عن إحساسه ذاك: سمعت الصمت في الليلة الثانية من إقامتي في الدير، على أن الدير محطة في رحلة بروشنيك، فالصحراء أيضا لها طقوسها في تعليم درس الصمت..

ومن جملة ما يسرده الكاتب الأميركي عن حكايات قديمة للنساك، أن ناسكا وضع حجرا في فمه لمدة ثلاث سنوات ليساعده على البقاء هادئا ساكنا، متسائلا في التعقيب على الرواية التي سمعها أما كيف أفلح في تناول ما يكفي من الطعام للبقاء حيا بدون أن يبتلع الحجر فتلك مسألة لم يتكلم عنها المؤرخون.

يوغل الكاتب أكثر في محاولة فهم الممارسات التنسكية كالصوم، فهي كالصمت يمكن أن تتحول إلى شكل من الإغراء يصعب مقاومته إذا ما دخل المرء فيها بعمق شديد، ولا أحد من غير الذين لا يمارسون هذه الممارسات يمكنه أن يتنبأ باحتمالات الحياة التي تتكشف لهؤلاء العباد والمتنسكين.

ليس الكلام والنطق أداة للتواصل، فالناس أيضا لا يستطيعون فهم بعضهم دون صمت، وإذا ما طال صمتهم يكثر بينهم التودد والمحبة

وإذا كانت تلك حال العباد فإنها مختلفة بالنسبة للجنود "لا ننصت إلا لترقب وسماع الخطر الذي يتهددنا"، هذه عبارة ينقلها عن انطباعات جندي أميركي، وفيها تأمل لارتباط الصمت والإنصات بتحسس الخطر المتربص بحياته.

ليس الكلام والنطق أداة للتواصل، فالناس أيضا لا يستطيعون فهم بعضهم دون صمت، وإذا ما طال صمتهم أو كانت واحدة من عاداتهم كما هي حال قبائل الأباتشي الهندية يكثر بينهم التودد والمحبة، ويتمتع الصمت في بعض الطقوس الشعبية بقوة ليس فقط لإثراء العلاقات الموجودة بل أيضا لاستحضار المحبين المستقبليين.

كما يشكل الصمت في تقاليد عديدة جسرا إلى الجانب البعيد جدا من الخبرة الإنسانية الذي لا يمكن معرفته سواء كان الباحث يتفرس في الزمن القادم أو في الزمن الماضي.

رحلة إلى المجهول
يلاحق الصخب أيضا الذوق الفني لدى المتلقي ويتساءل بروشنيك، كم من الوقت يمكن أن تقضيه في مشاهدة لوحة فنية وتأملها طويلا دون أن يزعجك رنين الهاتف.

وبحسب وصف الفيلسوف الفرنسي (دينيس ديدرو) فإن الناظر إلى عمل فني كأطرش يشاهد، بمعنى أن الحملقة في لوحة فنية إنما تضعنا في حالة صمت تواصلي لكن ليس أي لوحة لها تلك الجاذبية التي تصيب متلقيها بالطرش. وكأن الضجيج قد أصبح وحشا يأتي على الروح وصفائها ويمنعها من التحليق عاليا فيما يسمو بها ويهذبها.

بعد رحلة طويلة قابل فيها بروشنيك الكثيرين، ومارس بدوره طقوسا كثيرة بين التمشي وارتياد أماكن العبادة وغيرها، يرجع بروشنيك آسفا ويصف رحلته كما لو أنها كانت نحو المجهول، ويحاول أن يعود إلى تفسير لافت ومثير للضجيج..

الصمت هو توازن خاص بين الصوت والهدوء يحفز قوانا على الفهم والإدراك، فالهدوء مميز لأنه يعزز التفاضل والتمايز

فهو الصوت الذي يدخل الرأس ويأبى الخروج، متابعا ربما يكون الصوت ممتعا وقد لا يكون، ولكن الضجيج صوت يجعلنا أثناء وجوده نكف عن التمييز بين الكائنات والموضوعات خارجنا، الضجيج إذن يمكننا من نسيان العالم الأكبر.

أما الصمت فهو توازن خاص بين الصوت والهدوء يحفز قوانا على الفهم والإدراك، فالهدوء مميز لأنه يعزز التفاضل والتمايز وكلما ازداد التزامنا بالتمايز بين الأشياء تناقص الحيز الذهني الذي نملكه لذواتنا المعزولة.

ولديه أيضا فإنه ليس من باب الصدفة أنه عندما نتحدث عن تهدئة أصواتنا فإننا نتحدث عن "مراعاة الصمت والالتزام به"، تماما كأننا نولد شيئا كي نشاهده وراء الذات بفضل صمتنا.

والمجهول إذن هو العالم حولنا، أما المفقود فهو إدراكنا أننا لا نعرف، الصمت حالة من التوقع والترقب، نوع من الانتباه، مفتاح للعودة الى حديقة البراءة، ربما لا نقول شيئا ولكن الله يعلم أننا نصغي لصوت ذلك الفتح.

لدى نشره لقي "سعيا للصمت" ترحيبا وتقريظا في الأوساط الإعلامية الغربية، فقد وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه أنيق وبليغ، ومغامرة إصغاء عميقة، واعتبرته ذي نيو ريببلك "دراسة عبقرية ثقافية لصخب الحياة الحديثة".

وللاحتفال الغربي بالكتاب ما يبرره، ذلك أن الضجيج هناك وصل حدا لا يطاق.

بقي القول إن كتاب بروشنيك يضم اثني عشر فصلا، ويقع في زهاء 280 صفحة من القطع المتوسطة، ومن بين فصول الكتاب، حمل الفصل الأول عنوان الإصغاء إلى المجهول، والثاني لماذا نسمع، أما الثالث فلماذا نحن صاخبون.

وجاء الفصل الرابع بعنوان البيع بالمفرق، أما الخامس فكان عنوانه أصوات كالضجيج، والسادس فاصل صامت، والسابع كتم صوت، والثامن طريق حرة إلى الضجيج، والفصل التاسع واجهة بيت، والعاشر هذه حرب، وجاء الفصلان الأخيران تحت عنواني مصيدة التنين وخاتمة صامتة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة