نهاية عصر البترول   
الأحد 1425/11/22 هـ - الموافق 2/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:56 (مكة المكرمة)، 11:56 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يتجه البترول إلى النضوب، وتقع الحلول في ترشيد استهلاك الطاقة، وتطوير مصادر جديدة لها، ويتناول هذا الكتاب المترجم عن اللغة الألمانية الجهود المبذولة في السنوات الأخيرة لبلوغ هذا الهدف، أي إجراء تحول انقلابي في التزود بالطاقة.

مستقبل الحياة البشرية بلا بترول
لم التفكير في نهاية عصر البترول؟ إن الجواب على هذا السؤال في غاية البساطة، فنمط الحياة في البلدان الصناعية الغربية حتم استهلاك الطاقة استهلاكا مكثفا، و بالتالي فقد ابتلع عمليا في بضعة عقود فقط نصف ما تراكم عبر ملايين السنين من رصيد الذهب الأسود.

العنوان: نهاية عصر البترول.. التدابير الضرورية لمواجهة المستقبل
تأليف: كولن كامبيل وآخرين
ترجمة: عدنان عباس علي
عدد الصفحات: 299
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت
الطبعة الأولى: 2004

وفي الواقع فإن بمستطاع كل امرئ أن يقدر الفترة الزمنية التقريبية التي سيكون فيها البترول متاحا للبشرية.

مع إيماننا بهذه الحقيقة، فإننا نرى أن لا مفر من السؤال عن حجم كمية البترول التي يمكن العثور عليها مستقبلا؟ وما أسس نمط الحياة التي تؤدي إلى الاقتصاد في استهلاك البترول؟ وماذا عن كميات البترول التي ستستهلكها تطلعات أولئك الذين لايزالون في عداد من يسمون بالمتخلفين مقارنة بأولئك الذين يتمتعون بنمط الحياة المشار إليه في الكتاب؟

وعلى خلفية عدالة التوزيع في عالم معولم، يدور السؤال هنا أيضا، حول حقائق كمية الاستفادة إذ لاتزال هناك مئات الملايين من البشر لا تحصل حتى على جزء بسيط من من رغد العيش الذي يمنحنا إياه البترول.

وهناك سؤال يمكن أن يراود البعض عن اليوم الذي ستستهلك فيه البشرية آخر قطرة بترول لديها، والإجابة عليه حسب المؤلفين ليست ضرورية بمستوى أهمية اتخاذ التدابير الضرورية لمواجهة المستقبل عند نفاد آخر قطرة من البترول بل ويجب أن تتخذ حينما لا يكون هناك إمكان لزيادة انتاج البترول أو حينما يأخذ هذا الإنتاج في التراجع من عام لآخر.

في الواقع إذا كان هذا العصر لم ينشر ظلاله علينا فإننا نقف على عتبته بكل تأكيد.

الموارد البترولية المتاحة والمستقبلية
تتباين التقديرات بشأن كمية البترول المتوافرة في العالم مستقبلا حسب اختلاف المنظور الذي ينظر المرء منه إلى واقع الاحتياطي الموجود من ناحية، و من ناحية أخرى، في اختلاف الأسلوب الذي ينطلق المرء منه في عرض هذا الواقع.

هناك "وجهة النظر الإقتصادية" التي تنطلق من الإحصائيات السنوية التي تنشرها الصناعة النفطية بشأن الاحتياطي النفطي في نهاية كل عام.

وعموما يأتي نمو الاحتياطي المحتسب في هذه الإحصائيات من عاملين:

أولا: يتعامل المرء مع الكميات النفطية الجديدة المكتشفة في العام المعني كما لو كانت زيادة في الاحتياطات.

"
نمط الإنتاج القائم على النمو والربح في الدول الصناعية لم يفرز الرفاهية وفرص العمل الكثيرة فقط بل أدى أيضا إلى تفاوت اجتماعي واسع وتحديات بيئية كثيرة
"
ثانيا: أخذا للتقدم في عملية الإنتاج بعين الاعتبار، يعاد تقييم كميات النفط المتوقع استخراجها من الحقول المنتجة حاليا، فيرفع حجمها نحو الأعلى باستمرار.

وإلى جانب المنظور الاقتصادي، هناك المنظور الجويولوجي الذي يتصف بقدرة المنقبين على تطوير حدس أكيد عن الاكتشافات المحتملة مستقبلا، وهنا يجري بجلاء التمييز بين الارتفاع الحاصل في الاحتياطي بفعل التقييم نحو الأعلى بالنسبة إلى الحقول النفطية المواظبة على الإنتاج والارتفاع المتأتي من الاكتشافات الجديدة فعلا.

فالتقييمات نحو الأعلى تضاف بقدر تعلقها بحقول مكتشفة منذ أمد طويل، إلى العام الذي جرى فيه الاكتشاف، أي أنها تضاف إلى الرصيد النفطي الذي سبق للمرء أن اعتقد في سنة اكتشاف الحقل أن الحقل المعني يحويه وليس إلى العام الذي قرر فيه المرء احتساب الرصيد المتبقي في الحقل.

وتبرير هذا المنظور الجويولوجي غاية في البساطة: إذا كان المرء يريد أن يأخذ معدل النجاح الذي كان حققه سابقا في اكتشاف النفط معيارا للنجاح المحتمل تحققه مستقبلا في إقليم بترولي معين فسيكون التمعن في التطور التاريخي للاكتشافات البترولية على جانب كبير من الأهمية.

و في الواقع فإن هذا المنظور الذي ينطلق منه الكتاب، في تقييم كمية النفط في حقل مكتشف منذ أمد طويل بمستوى أعلى، وتسجيل هذا المستوى الأعلى لمصلحة العام الذي عثر فيه على ذلك الحقل، يؤدي إلى خفض احتمالات تحقق اكتشافات جديدة، ذلك لأن الحقول القديمة ستصبح أكبر مما توقع لها المرء من حيث مستوى النفط الكامن فيها.

التقييم الأعلى غالبا ما يختص بحقول كبيرة تقادم عهدها، ومضى زمن طويل على بدء الاستخراج منها، فهـذه الحقـول النفطية غالبا ما تكون بلغت أعلى مستوى لها من الإنتاج، وعلى هذا النحو تنشأ في الواقع الحالة المناقضة التي تتميز بتراجع إنتاج النفط. بهذا و بقدر تعلق الأمر بهذه الحالات لا يفرز التقييم الأعلى أي تأثير يذكر عل معدل الإنتاج.

هذا يعتبر نموذجا من التقديرات التي تطرق الكتاب لها بشأن الموارد البترولية المتاحة، وقد تعرض الكتاب إلى التحول الذي شهده البترول في الثلاثين عاما المنصرمة حيث ينطوي هذا الأخير على تفسير معين، وحسب هذا التحليل تحقق التحول الفعلي في التصورات والرؤى في السبعينيات.

في هذه المرحلة من مراحل التحول الفكري غدا المرء يتفحص الأمور بدقة أكبر وأصبح أكثر وعيا بالاشكاليات، فنمط الإنتاج القائم على النمو والربح في الدول الصناعية لم يفرز الرفاهية وفرص العمل الكثيرة فقط، بل كان أدى أيضا إلى تفاوت اجتماعي واسع و تحديات بيئية كثيرة، من خلال الحركات الساهرة على حماية البيئة من التلوث، فأصبح العمل المنظم للكشف عن إمكانات استخدام مصادر الطاقة القابلة للتجديد محط اهتمام الكثير من الحركات وأصبح التزاما ذا أثر مهم على مستقبل البشرية.

ودون أن ننسى إشارة المؤلفين إلى الاعتقاد الذي يراود المرء في التفكير بأن الدول الصناعية فقط كانت المنتفع الرئيسي من هذه الموارد، فالدول النامية تكاد لا يكون لها أي مكان أبدا في سبيل اللحاق بركب الدول الصناعية من حيث استهلاك الموارد، وبوسع المرء أن يضم إلى هذه الموارد الطبقات الجوية العليا وقدرة هذه الطبقات على استيعاب الغازات المنبعثة.

كيف سيكون التطور المستقبلي
تقترب الإنسانية باطراد من حدود النمو، و يجسد هذا الاقتراب حالة فريدة في التاريخ، وهناك من يفضل استخدام مصطلح نمو الحدود بدلا من مصطلح حدود النمو، وعلى ما يبدو فإنه يمكن تحريك الحدود توسيعا للرقعة التي يجري النمو في إطارها.

وكمثال يعبر عن نمو حدود غالبا ما يسوق المرء مثال الوضع الغذائي، فقد ارتفعت الكمية الكلية للمحاصيل الزراعية على مدى زمني طويل بفضل التوسع الذي حصل في الرقعة المزروعة، وبفضل استخدام بذور وزرع نباتات تدر عائدا أكبر من ناحية، وانتهاج أساليب ومبتكرات متقدمة في مجال الأسمدة من ناحية أخرى.

وتطبيقا على قطاع الطاقة يعني هذا على سبيل المثال، استخراج كميات أكثر من حقول النفط أو الانتفاع من الطاقة على نحو أفضل، وذلك من خلال انتهاج تكنولوجيا أكثر كفاءة في توليد الطاقة واستخداماتها.

"
تخطي أزمة الطاقة في السبعينيات دليل قاطع على أن هذه الأزمة لم تكن سوى حدث عابر إلا أن هذه الأزمة كانت في واقع الحال تحولا هيكليا ناتجا عن النظام السائد في مجال الطاقة
"
معايير التزود المستديم بالطاقة
يقترح المؤلفون مجموعة من المبادئ لتنظيم استخدام الطاقة، مثل:

- لا يجوز أن يكون استهلاك الموارد القابلة للتجديد أكبر من المعدل الذي تتجدد وفقه هذه الموارد.

- انبعاث الغازات الضارة لا يجوز أن يكون أكبر من الكمية التي تستطيع البيئة استيعابها.

- يجب الحد من استخدام الموارد القابلة للنضوب، فالكمية المستهلكة منها يجب أن يقابلها بديل من الكمية نفسها يتأتى من إنتاج الطاقة من مصادر قابلة للتجديد.

- لابد من خفض استخدام الطاقة والموارد الطبيعية إلى مستوى معقول يتفق مع حدود الاستخدام الممكن.

أشار هانس بيتر دير إلى الإشكالية المبدئية التي ينطوي عليها تعريف مصطلح الاستدامة تعريفا إيجابيا يظهر مقوماتها. فهو يؤكد أن المستقبل مجهول على نحو مبدئي، ومن هنا، فإننا قادرون بثقة معينة على تحديد ما هو غير مستديم فقط.

وهكذا يتعين على المرء أن يحاول تقييم القرارات وتحديد كل الأمور التي يعلم أنها غير مستديمة، إلا الطاقة التي تشع من الخارج على كوكب الأرض (الطاقة الشمسية)، فكوكب الأرض لا يشكل من حيث الطاقة نظاما مغلقا مستقلا بذاته، وفي هذه الحقيقة تكمن الأسباب التي جعلت في الإمكان نشأة الحياة على كوكبنا الأرضي.

ولهذه الأسباب يجب أن يؤخذ بالاعتبار ما يلي:
- لا يجوز لأي جيل أن يسلب الأجيال القادمة حقها في تقرير مصيرها.
- يجب أن تكون لدينا خيارات نواجه بها المستقبل.
- هذه الخيارات يجب أن تبقى قابلة للنقاش والتقويم.
- هذه الخيارات يجب أن تتوفر على القدرة على أن تأتلف مع الطبيعة للنقاش والتقديم.
- هذه الخيارات يجب أن تتوفر على القدرة على أن تأتلف مع الطبيعة حتى إن أراد المرء استغلالها على نحو متصاعد.

التحجر الهيكلي في اقتصاديات الطاقة
نشأ تحالف مشؤوم الطالع في رد فعل على أزمات السبعينيات، فقد ربط التوسع في استخدام الطاقة النووية بانتهاج سياسة تعطي الفحم الحجري أهمية قصوى، وكان التوسع في استخدام الطاقة النووية على المستوى الأوروبي تم تنسيقه فعهد أمره إلى الجمعية الأوروبية المسماة يوراتوم EURATOM أما السياسة المتعلقة بالفحم الحجري، فقد تركت في أيدي الدول المعنية مباشرة، ولكن بشرط أن تراعي هذه الدول بعض الشروط، وهكذا صارت لدى دول الاتحاد الأوروبي المختلفة خيارات متباينة على رغم توحيد السياسات الأوروبية في مجال الطاقة.

تحرير النمو الاقتصادي من ضغوط البترول
لقد رأى البعض في تخطي أزمة الطاقة في السبعينيات دليلا قاطعا على أن هذه الأزمة لم تكن سوى "حدث عابر" لا غير، إلا أن هذه الأزمة كانت في واقع الحال تحولا هيكليا ناتجا عن النظام السائد في مجال الطاقة، وعلامة تشهد على أننا أشرفنا على عصر جديد.

منذ هذه الحقبة التي بلغ أمدها ما يقارب عشر سنوات، واصل استهلاك الطاقة ارتفاعه، لكنه ارتفع بمعدلات متدنية على نحو واضح وأكيد، وبسبب هذه الأزمة اندلعت جهود مكثفة لخفض التبعية، ففي أميركا وأوروبا صيغت لأول مرة برامج واسعة لتشجيع البحوث والدراسات في مجال الطاقة القابلة للتجديد.

وفي أوروبا على وجه الخصوص حظي موضوع استخدام الطاقة بكفاءة أعلى وباهتمام عريض، ومع أن الخبراء المعنيين كانوا متفقين على إمكان مواصلة الانتفاع بالخدمات المهمة التي تقدمها الطاقة، إلا أنهم أكدوا في الوقت نفسه ضرورة خفض استخدامها. وصيغت مصطلحات جديدة من قبيل "الاستخدام العقلاني للطاقة" وبدأ الحديث عن فك الارتباط بين النمو الاقتصادي والاستهلاك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة