الدولة المستحيلة.. الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي   
الأربعاء 21/5/1436 هـ - الموافق 11/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:34 (مكة المكرمة)، 14:34 (غرينتش)

عرض/ محمد تركي الربيعو

يعدّ الأكاديمي الفلسطيني د. وائل حلاق واحدا من أهم المتخصصين اليوم في الدراسات الإسلامية في جامعات الغرب. وهو يسعى في كتابه هذا -الذي يعد خلاصة لكتاباته في العقدين الماضيين حول تاريخ الإسلام والشريعة- إلى القول بأن مفهوم "الدولة الإسلامية" مستحيل التحقق وينطوي على تناقض داخلي، بحسب أي تعريف سائد لما تمثله الدولة الحديثة.

وذلك لأن أي قراءة مقارنة بين تاريخ تشكل الدولة الحداثية والحكم الإسلامي -كما برز في التجربة التاريخية لما قبل فترة الحداثة- تظهر لنا أن التجربتين تميلان إلى إنتاج مجالين مختلفين من تكوين الذاتية (بحكم طبيعتهما نفسها وبحكم تقنيات الذات التي يمتلكانها أصلا).

- العنوان: الدولة المستحيلة.. الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي
- المؤلف: وائل ب. حلاق
- المترجم: عمرو عثمان
- الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
- الطبعة:
 2014
- عدد الصفحات: 352

ولذلك فإن الذوات التي ينتجها هذا المجالان النموذجيان تتباين تباينا كبيرا، الأمر الذي يولد نوعين مختلفين من التصورات الأخلاقية والسياسية والمعرفية والنفسية والاجتماعية للعالم.

القانون والأخلاق
ويرى د. حلاق -من خلال مناقشة الافتراضات المستترة وغير المستترة الداعمة لخطاب الحداثة، وبالأخص الخطاب البلاغي والموضوعي لنظرية التقدم الحديثة- أن نشأة القانوني والسياسي في المشروع الحديث يجعلهما غير متوائمين مع الأشكال المؤسسة لأنماط إسلامية للحكم، لأنهما يناقضان حتى أدنى درجات النسيج الأخلاقي الذي يجب أن يتوافر في أي حكم من هذا النوع كي يمكن أن نسميه إسلاميا على نحو له معنى.

فقد أصبح من المسلمات في الأوساط الفلسفية اليوم أن نظرية هوبز -بخصوص وجوب تأسيس الأخلاق على قوانين موضوعية يكتشفها العقل، لا على التراث أو أي نصوص دينية- قد مهدت للتصور الحديث عن العلاقة بين القانون والأخلاق، الذي يظل بموجبه القانون ساريا لسلطة حاكمة بغض النظر عن عدم أخلاقيته. وقد تغلغلت هذه الفكرة في نسيج الفلسفة الأخلاقية الحديثة بأكثر الطرائق تعقيدا.

وكما أكد تشارلز تايلور، فقد أصبحت فكرة "الفصل بين الحقيقة والقيمة مسيطرة في قرننا العشرين"، وغدت أساسا لـ"فهم وتقويم جديدين للحرية والكرامة".

ولأن الحرية تمثل حجر الزاوية في مشروع التنوير، فإنها لم تعد تشير إلى قدرة الله المطلقة ومشيئته غير المتناهية، وغدت بدلا من ذلك تعبيرا عن قدرة الإنسان الطبيعية على استخدام العقل.

والحال أن التمييز بين "ما هو كائن" و"ما ينبغي أن يكون" في القانون الحديث -وهو ما يجري في العادة على نحو صارخ- لا يمكن أن يتحقق في أي شكل من أشكال الحكم الإسلامي.

أصبحت السلطة والقواعد الوضعية غير قابلتين للانفصال، مثلما أصبح السياسي والقانوني أشبه بالهوية أو هوية كاملة داخل الدولة. ذلك أنه في العالم -كما هو قائم- تعتبر السلطة وليس الأخلاق هي الحكم النهائي في ما يتعلق بكل ما هو سياسي

وذلك لأن ما تبين للمؤلف -من خلال قراءته للتراث الإسلامي قبل الحديث وخطاباته- أن القانوني والأخلاقي لم ينظر لهما باعتبارهما مقولتين منقسمتين، فقد كان "ما هو كائن" وما "ينبغي أن يكون" والحقيقة والقيمة هما الشيء الواحد ذاته.

ولم يكن التمييز قائما بأي طريقة من الطرق التي اتخذناها في العالم الحديث. كما أن هذا التمييز لم يوجد في أوروبا قبل عصر التنوير.

فقد لاحظ الفيلسوف الأخلاقي الرائد ماكنتاير أنه لم تكن في اللاتينية ولا في اللغة اليونانية القديمة "أي كلمة يمكن ترجمتها بصورة صحيحة إلى كلمة أخلاقي الخاصة بنا"، والشيء نفسه يصدق أيضا على كل اللغات الإسلامية الرئيسية قبل العصر الحديث، إذ لم يكن ثمة مرادف دقيق لكلمة أخلاق، ولم تكن تحمل أيا من المعاني الحافلة التي نقرنها بها اليوم في الفلسفة الأخلاقية والقانونية.

التضحية ونشأة السياسي
من جانب آخر، صاحبت نشأة الدولة القانونية (بهيئتها الوضعية) "نشأة السياسي"، بحيث غدت السلطة السياسية الدنيوية هي الإله الجديد. وعندها ظهرت السياسة إلى الوجود وراحت تكابد من أجل ذاتها.

وأصبحت السلطة والقواعد الوضعية غير قابلتين للانفصال، مثلما أصبح السياسي والقانوني أشبه بالهوية أو هوية كاملة داخل الدولة. ذلك أنه في العالم -كما هو قائم- تعتبر السلطة وليس الأخلاق هي الحكم النهائي في ما يتعلق بكل ما هو سياسي.

وفي رأي المؤلف، فإن العنف هو ما يشكل مصدر القوة أو السلطة الرئيسي والأكثر مصداقية في عالم السياسي.

ذلك أن السياسي يهتم بصورة حصرية وحازمة بـ"ما هو كائن"، بمعنى أنه يهتم بعالم نيتشوي كما هو، أي بـ"حقيقة متوحشة ضخمة وممتدة تاريخيا ومكانيا". كما أن الخاصية الجوهرية المميزة للسياسي هي التمييز بين الصديق والعدو.

وبعبارة أخرى ينشأ السياسي -على وجه الدقة- في اللحظة التي يولد فيها التمييز، عندما يشرع مجتمع ما في النظر إلى وجوده باعتباره وجودا عنيفا وحربيا، أو على أنه في "حالة الطبيعة" التي يكون فيها البقاء مهددا على الدوام.

ولذلك يغدو المعنى الكامل للمواطن والمواطنة ليس معنى يقوم على أساس الميلاد أو الانتماء الرسمي إلى الدولة وأمتها، بل معنى يتأسس على الاستعداد للتجنيد والتضحية بالنفس. وهذا الاستعداد أمر مفروغ منه بالنسبة إلى الدولة ، فهو أمر متأصل في الأمة باعتبارها أمة وفي أفرادها بوصفهم مواطنين.

في حين نجد أن الإسلام لم يعرف قط مفهوم التجنيد، كما أنه لم يتحكم حقا في الحياة والموت في سبيل أي شخص، ولا حتى في سبيل الله، بأي معنى سياسي. فمفهوم التجنيد كتضحية محتملة لم يكن معروفا.

كما أنه ليس في مفهوم الجهاد الذي هو نظرية الحرب والسلم الأساسية في الإسلام، إذ لا يعد قانون دولة بل مجموعة توصيات قائمة على أسس أخلاقية، ومن ثم فليس ثمة حد في الشريعة لرفض الانضمام إلى المجهود الحربي، باستثناء الوعيد بالخسران في الآخرة.

الأشكال السياسية التي يمكن أن تظهر في ثقافات ما بعد التنوير الحقة، هي تلك التي تحمي التعددية وتعبر عنها. بيد أنه لكي يكون هذا احتمالا تاريخيا حقا، لا بد من إخضاع الحداثة لنقد أخلاقي يعيد هيكلتها لبقائنا الروحي والمادي

وهذا بعيد كل البعد عن الإجراءات العقابية للدولة الحديثة التي تستهدف رافضي التجنيد، ناهيك عن الفارين.

ولذلك فالحكم الإسلامي -بحسب الكاتب- الذي تحدده القيم الشرعية في الأساس يشكل للذات هوية مختلفة جذريا، هوية لا تعرف السياسي، وبالتالي لا تعرف المعنى السياسي للتضحية.

فقد كانت التضحية في الحكم الإسلامي النموذجي واجبا أخلاقيا مفروضا حصرا في سياق الدفاع عن النفس، وعند تنكبها لم تكن تستمد معناها من حب الأمة أو حتى من الجماعة كمحل للسياسي، بل من معنى أخلاقي دعامته الذاتية الأخلاقية للفرد.

رحلة الذات (من الغزالي إلى فوكو)
أعمق الفصول في كتاب وائل حلاق هو الفصل الرابع، حيث يتتبع الكاتب التحول الذي جرى على مستوى "تقنيات الذات" في فترة الحداثة وما قبلها، بداية بتصورات الغزالي حول تدريب النفس الذي من خلاله لا نغدو بحاجة للسؤال عن السبب الذي من أجله يجب أن يكون المرء أخلاقيا، بل الحاجة تغدو هي للسؤال فحسب عن الكيفية التي يجعل بها نفسه أخلاقيا.

وهنا تكون رؤية الإنسان لموقعه في الكون، تلك الرؤية المتسمة بأنها "علاقة معرفية بين الزهد والحقيقة"، وهي حقيقة لا نهاية لها حتى الموت.

وإذا ما كانت فكرة الاهتمام بالنفس قد باتت الآن "غامضة وباهتة" كما يقول فوكو، فإن في ذلك شهادة على تحول معرفي تحولت فيه تقنيات النفس إلى تقنيات للجسد.

وهو ما عنى حدوث انزياح عميق على صعيد علاقات القوة، فبينما تميل تقنيات النفس إلى تحفيز تصورات تقيد ذاتها في هذه العلاقات، وبالتالي تؤدي إلى وحدة معينة مع الطبيعة والكينونة، تميل تقنيات الجسد إلى إنتاج رؤية مفادها أن مجال علاقات القوة الجسدي هو المقياس الأسمى للإنسان، الذي بات يقطن عالما حديثا لا يكاد يعترف بغير السياسي، وبالسلطة والقوة بوصفهما منطق العلاقات الاجتماعية/السياسية وقانونها الوحيد.

وفي نهاية دراسته يرى د. حلاق أن الأشكال السياسية التي يمكن أن تظهر في ثقافات ما بعد التنوير الحقة، هي تلك التي تحمي التعددية وتعبر عنها. بيد أنه لكي يكون هذا احتمالا تاريخيا حقا، لا بد من إخضاع الحداثة لنقد أخلاقي يعيد هيكلتها لبقائنا الروحي والمادي.

وبالتالي فإن مشكلات الإسلام اليوم ليست إسلامية بصورة حصرية، بل هي في الواقع جزء أساسي من المشروع الحديث نفسه في الشرق كما في الغرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة