المناهضة اليهودية للصهيونية   
الأحد 1427/12/18 هـ - الموافق 7/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:53 (مكة المكرمة)، 10:53 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يقدم هذا الكتاب وجهة نظر مفادها أن الصهيونية ودولة إسرائيل مشروعان يشكلان تمزقا في التاريخ اليهودي، لأن الصهيونية حركة سياسية ترمي إلى تحويل الهوية اليهودية العابرة للقوميات إلى هوية سياسية (أمة).

وقد كان معظم اليهود يعارضون الصهيونية عندما ظهرت، واعتبرها اليهود الفلسطينيون، وكثير من اليهود العرب، تهديدا للتعايش العربي اليهودي، ولا تزال ثمة حركة بين اليهود تعادي الصهيونية.

يعمل ياكوف رابكن أستاذا للتاريخ في جامعة مونتريال وقد ولد في بطرسبرغ في روسيا عام 1945، وهاجر منها في أوائل عقد السبعينيات من القرن الماضي، وهو يعيش ويعمل في كندا منذ عام 1973.

- الكتاب: المناهضة اليهودية للصهيونية
- المؤلف: ياكوف م. رابكن
- المترجم: دعد قناب عائدة
- عدد الصفحات: 352
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية/بيروت
- الطبعة: الأولى/2006

 
إشكالية الصهيونية
نشأت الصهيونية حركة قومية تهدف إلى تحويل اليهودية القائمة على التوراة إلى هوية قومية على غرار الأمم الأوروبية الأخرى، ونشر لغة محلية قومية جديدة مؤسسة على العبرية التوراتية والحاخامية، ونقل اليهود إلى فلسطين.

واليوم تبدو هذه الفكرة في نظر كثير من اليهود مناقضة لليهودية وتلحق الأذى باليهود، ففي مظاهرة جرت في مونتريال رفع متظاهرون يهود لافتات مثل "أوقفوا المغامرة الصهيونية الدموية"، "انقلب الحلم اليهودي إلى كابوس" و"الصهيونية هي نقيض اليهودية".

وتعتقد جماعات يهودية أرثوذكسية أن يوم قيام دولة إسرائيل يوم حزن بالنسبة للشعب اليهودي والإنسانية جمعاء، وهي تتعامل معه بصيام وحداد.

هذا الرفض للصهيونية باسم التوراة لا يمكن وصفه بمعاداة السامية، والحال أن الحركة الصهيونية وإعلان دولة إسرائيل لاحقا كانا وراء أكبر التصدعات في التاريخ اليهودي، وقد عارضتها أكثرية يهودية، ويتفق مع هذا الرأي مثقفون صهاينة أيضا يرون في الصهيونية تناقضا مع اليهودية.

ترجع الصهيونية في أصولها إلى نهاية القرن التاسع عشر بين اليهود المستوعبين في أوروبا الوسطى الذين كانوا يواجهون العداء والاضطهاد، وكانوا في حياتهم وسلوكهم غالبا من العلمانيين، حين كانت العلمانية في أوج ازدهارها.

والصهيونية تمثل استجابة للإحباط اليهودي، والشعور بعدم تقبلهم وعدم قدرتهم على الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وقدمت هذه الحالة فرصة لمشروع يوحد الشعب اليهودي.

وكانت تغيرا عميقا في وعي اليهود الجمعي استدعى جهودا كثيفة للتبشير بالصهيونية بين اليهود، لأنها كما يبدو حطمت آلاف السنين من التقليد اليهودي.

وهناك إجماع مفاده أن الصهيونية كانت قد صيغت من قبل طوباويين يحنون إلى الزراعة الاستيطانية الكولونيالية على مثال المستوطنين الأوروبيين في جنوب أفريقيا والجزائر.

وتمثل الصهيونية اليوم حالة غالبة ومهيمنة بين اليهود، ويواجه المعارضون لها من اليهود حالة قاسية من الاتهام والتشهير والحصار، إلى درجة أن كثيرا من مؤسساتهم ومدارسهم اضطرت إلى التوقف بسبب عدم القدرة على الحصول على التمويل اللازم لتشغيلها.

ولكنهم ينشطون ويمثلون حالة لافتة بين اليهود في إسرائيل وفي العالم، وهي جماعات بعضها ديني تلمودي وبعضها سياسي وثقافي ليبرالي، وهم يديرون شبكة من المدارس والمؤسسات الدينية ومراكز الدراسات والجمعيات التي تضم عدة مئات الآلاف من العائلات والأفراد والحاخامات والشخصيات السياسية والثقافية.

تستلهم الصهيونية نهج القوميات الأوروبية في إنشاء إطار شرعي وسياسي من أجل الأمة، وقد تركت معايشة اليهود للقومية الألمانية والبولونية والأوكرانية تأثيرات دائمة على الحركة الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي الذي نجحت في إنشائه.

"
اليهود ليسوا جماعة عرقية، وما يربطهم هو العهد المقدس لا عوامل السياسة، فليست هناك أمة يهودية، وعلى اليهود المساهمة في تطور الإنسانية والاندماج في الأمم التي هم من مواطنيها
"
ولما لم يكن من أساس ثقافي مشترك غير التوراة، تبتنه الحركة الصهيونية رغم أنها حركة علمانية تسعى لبناء شعب علماني، ومن هنا نشأ تناقض الصهيونية في بنيتها الأساسية.

ويشدد مؤرخو الصهيونية على أنهم لم يأتوا من وسط ديني تقليدي، بل إنهم نتاج الثقافة الأوروبية، وهم يبحثون عن تقرير مصيرهم وهويتهم وحريتهم في نطاق مفاهيم الثقافة الأوروبية التي نشأت بعد سنة 1789 وكذلك عن ضميرهم القومي.

والصهيونية تعتبر استجابة للتحديات الليبرالية والقومية أكثر مما هي ردة فعل على معاداة السامية المحيطة، بدليل أنها لم تتمكن من الظهور قبل الثورة الفرنسية رغم الاضطهاد الشديد والمتواصل على مدى القرون السابقة، فهي الانقطاع الأكثر جذرية في تاريخ اليهود.

وفي المقابل فإن مناهضي الصهيونية يحتقرون مفاهيم اليهودية القومية، ومن أهم خصوم هذه الفكرة الحاخام إسرائيل دومب الذي فقد قسما من عائلته في المحرقة، وقد هاجر إلى إسرائيل عام 1950.

وهو يؤكد أن اليهود ليسوا جماعة عرقية، وأن ما يربطهم هو العهد المقدس وليس العوامل السياسية أو العسكرية، فليس هناك أمة يهودية، ويجب على اليهود المساهمة في تطور الإنسانية والاندماج في الأمم التي هم من مواطنيها، وعليهم أن يوجهوا نضالهم من أجل خير الجميع.

اليهودي العلماني
بدأت تظهر في القرن التاسع عشر حركات يهودية متحررة من التوراة دون التخلي عن اليهودية، بمعنى أنك تستطيع أن تكون يهوديا من دون التوراة وتعاليمها، ولقي هذا المفهوم شعبية في أوروبا الشرقية، وبخاصة في روسيا.

ويرد المفكرون الدينيون اليهود بأن هذا التفكير كان من أسباب العداء للسامية وتعريض اليهود للمتاعب والاضطهاد، بل وربما كان ثمة تحالف ضمني بين الصهاينة الذين يدعون إلى الهجرة إلى "أرض إسرائيل" وبين أعداء السامية الذين يدعون إلى طرد اليهود، وينظر عدة مفكرين يهود إلى تحالف المصالح هذا بشعور ثقيل جدا.

لم يكن تحول الهوية اليهودية إلى هوية قومية وعصرية سهلا، فبالنسبة لليهود الذين يسعون للاندماج في المجتمعات الأوروبية كانت الهوية الصهيونية خطيرة وغير مقبولة، حتى في وسط يهود روسيا الذين كانوا يعانون من الاضطهاد والتهجير، ولم تكن الصهيوينة متقبلة.

ولم يهاجر إلى فلسطين أكثر من 1% من المهاجرين اليهود الروس الذين اختار معظمهم الولايات المتحدة الأميركية مقصدا لهجرتهم رغم أن الصهيونية جندت كل إمكانياتها لجذب المهاجرين اليهود.

وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين وجدت دولة إسرائيل نفسها مجبرة على حملة دبلوماسية لدى حلفائها لكي تحصر هجرة اليهود السوفيات إليها، ويمكن ملاحظة الظاهرة نفسها لدى يهود المغرب العربي الذين فضلوا فرنسا وأوروبا، وحتى الذين هاجروا إلى إسرائيل فإن أقلية ضئيلة منهم هاجرت لأسباب أيديولوجية.

وفي هذا الاتجاه كانت علمنة اليهود أكثر جذرية من تحولات الأمم الأخرى، فالروسي يبقى روسيا سواء كان علمانيا أو متدينا، فلا تغير التحولات خاصيته القومية التي تميزه بالنسبة للشعوب الأخرى، فهذا التحول في الهوية صعب، وبخاصة أنه يقود إلى مطابقة مفاهيم الدين اليهودي مع مجمل المفاهيم الغربية.

"
ليس من المدهش أن يقترب الخطاب المناهض للصهيونية أحيانا من الخطاب الذي يتمسك به أنصار المجتمعات الشرقية وخطاب مناهضي هيمنة الأشكناز
"
ولم يتم التمييز بين ما هو ديني وما هو غير ديني بالنسبة لليهود إلا منذ القرن التاسع عشر، وليس من المدهش أن يقترب الخطاب المناهض للصهيونية أحيانا من الخطاب الذي يتمسك به أنصار المجتمعات الشرقية، ومن الممكن أن يمتزج الخطاب المناهض للصهيونية بخطاب معارضي هيمنة النخبة الأشكنازية الصهيونية.

هناك نقاط مشتركة بين اليهود الشرقيين والعرب، وهم يستطيعون التفاهم لأنهم كلهم شرقيون يملكون الشعور الشرقي الروحي نفسه، ويستطيع كل واحد منهم فهم الآخر بخلاف الصهاينة الغربيين الماديين.

وربما للسبب نفسه فقد تعاون المناضل الحاخام أمرام بلاو (1894 – 1974) مع حركة "الفهود السود" اليهودية المغربية، وتقول أرملته روث بلاو (1920– 2000) في تحليلها لموقف زوجها ولموقف اليهود المغاربة إنهم نشؤوا مثل أبناء الفلسطينيين، وأنهم من دون التوراة التي كانت مصدر أصالة أجدادهم ثوار.

وأضافت أنهم "فهموا أنهم قادوهم إلى هنا كي يكونوا جنودا لا رصيد لهم، كي يخاطروا بحياتهم، ويدافعوا عن دولة يحكمها الأشكناز، وتعلموا الثورة من الصهاينة، علموهم الكره، وهم يكرهون سادتهم الأشكناز".

وحسب الحاخام بلاو فقد كبدت الصهيونية اليهود أضرارا كبيرة، وإذا كان العرب قد خسروا منازلهم وأرضهم فإن اليهود فقدوا هويتهم التاريخية بقبولهم الصهيونية.

وقالت روث بلاو التي زارت يهود المغرب قبل هجرتهم إلى إسرائيل: "تعبر الوجوه كلها عن الطيبة والبساطة وعن طهارة كبيرة جدا، كان هؤلاء اليهود الذين ارتبطوا بعلاقات ممتازة مع جيرانهم العرب يعيشون حياة متواضعة، لكنها سعيدة حول حاخامهم، ومنذ ذلك الحين وأنا أذكر يهود هذه القرية الضائعة في جبال الأطلس، أين هم؟".

وتساءلت "هل نجح العملاء الإسرائيليون في إخراجهم منها؟ هل هم في أرض إسرائيل؟ هل لا يزالون يشبهون اليهود بكل بساطة؟".

وقد واجه المهاجرون اليهود من اليمن حملة لإعادة تربيتهم على أساس علماني، فقد كانوا يجمعون في معسكرات، ويجبرون على العمل يوم السبت، وعلى قص خصلات شعورهم المتدلية.

وكان المعارضون منهم يقولون "لم يكن العرب الذين عشنا بينهم يزعجوننا في شيء، ولا في ممارسة دينية، على العكس كانت الحكومة تعترف بديننا وحقوقنا وإيماننا، ولم يكن أحد يهين معتقداتنا أو يدنسها، ولكنا في إسرائيل نتعرض للسخرية بسبب ديننا اليهودي ونجبر على عدم احترام السبت".

ويمضي مناهضو الصهيونية إلى القول إن العداء العربي والإسلامي لليهود يمكن عكسه لو تخلى اليهود عن الصهيونية، وحولت إسرائيل إلى دولة مزدوجة الجنسية، فقد كانت العلاقات بين العرب واليهود ممتازة قبل وصول الصهاينة.

مستقبل المناهضة اليهودية للصهيونية
"
لم تصبح إسرائيل دولة طبيعية ولم تصبح نورا للأمم، إذ تأسست لتحرير اليهود من معاداة السامية ومن عزلهم في غيتو وتوفير ملجأ لهم، لكنها أصبحت دولة محمية عسكرية وأمة تشبه "غيتو إقليميا" محاطا بجيران عدائيين
"
تدرك المعارضة اليهودية للصهيونية -رغم صلابتها- النجاحات السياسية والاقتصادية والعسكرية لإسرائيل، ولكنها نجاحات لم تضعف المعارضة اليهودية.

فهي ما زالت حاسمة في عدم الاعتراف بشرعية دولة إسرائيل ورفض الحلول السياسية للمشكلة اليهودية، والتمسك بالعودة إلى التوراة، وهناك معارضون آخرون يشاركون في الحياة السياسية والعامة في إسرائيل.

ويدرك معارضو الصهيونية أنهم أقلية بين اليهود بعامة، ولكنهم يعبرون عن ثقتهم بصواب موقفهم المستمد من التوراة التي لا تخطئ في رأيهم.

وهناك بالطبع موقف صهيوني مستند إلى التوراة، ولكن التاريخ اليهودي في كثير من الأحيان صنعته الأقليات لا الأكثرية، والصهيونية نفسها عندما ظهرت كانت أقلية.

وهناك أيضا معارضة يهودية ليبرالية للصهيونية مستندة إلى القيم الثقافية والسياسية، وهي أفكار لم تفقد حيويتها وعصريتها.

يقول أحد مفكري هذا الاتجاه، وهو المؤرخ توماس كولسكي "لم تصبح إسرائيل دولة طبيعية، ولم تصبح نورا للأمم، لقد تأسست ويا للسخرية لتحرير اليهود من معاداة السامية ومن عزلهم في غيتو وتوفير ملجأ لهم، لكن إسرائيل أصبحت دولة محمية عسكرية، وأمة تشبه "غيتو إقليميا" محاطا بجيران عدائيين، إن التنبؤات المشؤومة تتابع ملاحقة الصهيونية".

ويرى المؤرخ الإسرائيلي بواز أفرون استنادا إلى الطابع المؤقت لكل منظمة سياسية أن إسرائيل مثل أي دولة في العالم تظهر وتزول.

وستزول دولة إسرائيل بكل تأكيد خلال مائة أو ثلاثمائة أو خمسمائة سنة، لكن الشعب اليهودي سيبقى آلاف السنين بعد ذلك، ولا يمثل وجود هذه الدولة أية أهمية لبقاء الشعب اليهودي، لأن يهود العالم يستطيعون أن يعيشوا جيدا من دونها.

لقد جعلت الصهيونية من الشعب اليهودي هدف نزاع عسكري مزمن، ويبقى مصير مشروع التحديث الغربي الذي هو الصهيونية في منطقة ثقافتها تقليدية غير مؤكد بدوره.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة