حرب ودبلوماسية   
الخميس 6/9/1427 هـ - الموافق 28/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:48 (مكة المكرمة)، 12:48 (غرينتش)

عرض/منى فاعور
الكاتب والصحفي النرويجي أود كارستن تفايت يقدم في هذا الكتاب عملا مهما، إذ أن كتابه يعد من الأعمال الغربية القليلة التي جاءت منصفة للقضية الفلسطينية ولم تكن منحازة للسياسة الإسرائيلية.

- الكتاب: حرب ودبلوماسية
- المؤلف: أود كارستن تفايت - عدد الصفحات: 761
- الناشر: دار نشر آسغهوغ، أوسلو
- الطبعة: الأولى/2005

محور الكتاب الرئيسي هو كيفية تعاطي السياسة الخارجية النرويجية مع قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو يعرف القارئ على الكثير من الجوانب الخفية للدبلوماسية النرويجية من خلال كاتب عارف بخفاياها.

ويركز الكتاب بشكل خاص على اتفاق أوسلو وعلى السياسة الإسرائيلية وتأثيرها على الدبلوماسية العالمية، ويورد الكثير من التفاصيل السياسية عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

وتكمن أهمية الكتاب في أن تفايت كان شاهد عيان منذ السبعينيات على أحداث الشرق الأوسط من خلال عمله كمراسل للتلفزيون النرويجي الرسمي "NRK"، ومن خلال عمله لفترة من الزمن مع قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني.

ومما أكسب الكتاب أهميته أيضا اعتماد صاحبه في معلوماته على مصادر موثقة وسرية للغاية، فهو يستشهد برسائل وملاحظات ومكالمات هاتفية حصل عليها من أوراق خاصة بخط الوزير يوهان يورغن هولست وزير الخارجية النرويجي آنذاك، وهي غير موجودة حتى في أرشيف وزارة الخارجية النرويجية.

كما أنه حصل على معلومات مهمة من صناع القرار، ووصل إلى وثائق سرية لم يستطع أحد الوصول إليها، وكل ذلك موثق ببراعة الصحفي الباحث عن الحقيقة في الكتاب مع إيضاحات وإيحالات مرجعية.

النرويج ومنظمة التحرير
أثار الكتاب الكثير من ردود الفعل الإيجابية وحصل على اهتمام واسع من النقاد، واعتبر من أفضل الكتب الصادرة باللغة النرويجية التي تناولت قضية الشرق الأوسط، وحاز جائزة "براغا" النرويجية التي تمنح سنوياً لأفضل الكتب.

وهذا الكتاب تكملة لكتاب "كل شيء لإسرائيل" الذي صدر عام 1996 للكاتب نفسه، وتناول خلاله السياسة النرويجية تجاه قضية الشرق الأوسط من العام 1948 حتى عام 1978.

"
في كواليس الدبلوماسية النرويجية كانت الأمور تتغير قليلا من حكومة إلى أخرى من حيث ميلها إلى تأييد القضية الفلسطينية، ولكن سرعان ما ترتد إلى التأييد المطلق لدولة إسرائيل
"

والكتاب يعطي صورة واضحة ومفصلة عن السياسة النرويجية الخارجية وعن مدى ارتباطها بإسرائيل، وهي سياسة لم تكن منفصلة عن السياسة الأميركية في تجاهلها لمنظمة التحرير الفلسطينية ولحقوق الفلسطينيين، ولمدة طويلة كانت إسرائيل مصدر معلومات النرويج عن منظمة التحرير الفلسطينية.

المهم في هذا الكتاب هو الحديث عن سياسة مغايرة للسياسة التقليدية، إذ أن الموقف الرسمي لم يتغير تجاه إسرائيل، ولكنه أصبح يتعامل مع القضية الفلسطينية بشكل مختلف عما مضى.

وهذه السياسة المتغيرة هي التي مهدت فيما بعد لدخول الدبلوماسية النرويجية كوسيط في محادثات سرية بين الإسرائيليين والفلسطينيين أدت إلى اتفاق أوسلو.

وفي رأي الكاتب أن علاقة إسرائيل القوية بالنرويج كانت السبب وراء موافقة تل أبيب على أن تكون أوسلو هي الوسيط لا واشنطن، وذلك لفرض شروط أكثر ملاءمة لمصلحتها.

يبدأ المؤلف كتابه بالرجوع إلى البداية الحقيقية التي أوصلت إلى اتفاق أوسلو سنة 1993 والتي كانت في نفس الوقت بداية التغيير في السياسة الخارجية النرويجية تجاه الفلسطينيين، تلك البداية انطلقت من لبنان لا من أوسلو أو إسرائيل أو واشنطن.

ففي العام 1978 وعلى أثر الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان حلت قوات اليونيفيل في الجنوب وكان من ضمنها وحدة نرويجية، وكشاهد على الأرض على ما حصل من انتهاكات إسرائيلية ضد المدنيين واستفزازها لقوات اليونيفيل، ساهمت هذه الوحدة في تغيير جذري للرأي العام النرويجي تجاه قضية الشرق الأوسط.

أما على الصعيد السياسي فإن الفضل في إحداث التغيير يرجع إلى الدبلوماسي النرويجي هانس فلهلم لونغفا الذي كان مستشارا في السفارة النرويجية ببيروت والتي أنشئت إثر وصول الوحدة النرويجية العاملة ضمن قوات اليونيفيل، وحسب تعبير الكاتب فإن لونغفا هو من وضع القضية الفلسطينية على خارطة الدبلوماسية النرويجية.

ومن خلال الاتصالات الخجولة التي بدأت مع منظمة التحرير الفلسطينية أصبح يتضح أكثر فأكثر للسياسيين النرويجيين بأن عنف المنظمة وخطورتها كان في الأقوال أكثر منه في الأعمال والأفعال.

ويبين الكاتب أنه كان واضحا منذ العام 1978 لدى الخارجية النرويجية أن هدف عرفات ليس إزالة إسرائيل عن الخارطة وإنما إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

ويورد كيف أن عرفات هو من طلب من النرويجيين منذ البداية بأن يسهلوا له لقاءات مباشرة مع الإسرائيليين، كما يطلعنا على خفايا كواليس الدبلوماسية النرويجية وكيف كانت الأمور تتغير قليلا من حكومة إلى أخرى من حيث ميلها إلى تأييد القضية الفلسطينية، ولكن سرعان ما ترتد إلى التأييد المطلق لدولة إسرائيل.

"
السياسة النرويجية لم تكن سياسة حاسمة من جهة دعم الفلسطينيين رسمياً، بل تدور دائما في نفس الدائرة التي تطرحها إسرائيل
"
ويركز الكاتب على ضغوط النرويجيين المؤيدين لإسرائيل الذين يجعلون من الصعب في كثير من الأحيان على القوى المعتدلة في الحكومة أن تتحدى التيار القوي المؤيد لإسرائيل داخل البرلمان النرويجي.

ويورد مثالا عن التقارب الذي حصل بين وزير الخارجية في ذلك الوقت كنوت فريدنلوند ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكيف كاد هذا التقارب أن يكلفه حياته السياسية، ويستثنى من ذلك وزير الخارجية يوهان يورغن هولست الذي لم يكن خائفا من إثارة المشاكل مع اللوبي الإسرائيلي داخل البرلمان النرويجي.

وبالإجمال يستخلص القارئ أن السياسة النرويجية لم تكن سياسة حاسمة من جهة دعم الفلسطينيين رسميا، بل تدور دائما في نفس الدائرة التي تطرحها إسرائيل، كاعتراف المنظمة بالقرارين 242 و338 اللذين ينصان على الاعتراف بدولة إسرائيل.

وينبه الكاتب إلى أنه كان لسياسة إقامة المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة واندلاع الانتفاضة وما تبعها من ممارسات في حق الفلسطينيين، التأثير القوي في تعاطف السياسيين النرويجيين مع الفلسطينيين شعبا ثم قيادة.

وكذلك كان تصاعد التأييد العالمي بعد العام 1982 -لأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين- دافعا قويا لتغيير وجهة السياسة النرويجية إلى الجانب الآخر.

جبهات متحركة
كل الأوراق السياسية كانت مفتوحة للكاتب، ويبدو أن القليل جدا هو ما بقي ممنوعا عليه، وهو يعرض الأحداث التي هزت المنطقة في هذه الفترة الزمنية، من لبنان حيث كان مركز الحدث في نهاية السبعينيات، الحرب الأهلية والوضع المتفجر بالجنوب والوجود الفلسطيني بلبنان ثم الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، ثم الاجتياح الإسرائيلي لبيروت فمجازر صبرا وشاتيلا، فانتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس.

وبعد ذلك تجيء حرب الخليج الأولى ولقاءات مدريد وفشلها، ثم لقاءات واشنطن وصولا إلى اتفاق أوسلو، وانتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى قطاع غزة ثم إلى الضفة الغربية.

هذه الأحداث قدمها المؤلف بأسلوب فريد، يجعل القارئ يجد نفسه في كل الأمكنة، في الجنوب اللبناني، في فندق الكومودور في بيروت الغربية، في البصرة، في أوسلو، مع فدائي يهبط بمظلة داخل إسرائيل ويهاجم جنوداً مذهولين من الصدمة.

إنه يجعل القارئ يعيش أدق التفاصيل السياسية مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، يلمس صلف إسحق شامير، وتكبر إسحاق رابين، يحبس أنفاسه وهو يتتبع جاسوسة إسرائيلية تراقب منزل أبو حسن سلامة في بيروت الغربية، يتابع قضية إنقاذ عرفات حين بقي مطمورا مع طائرته في الصحراء الليبية مدة 13 ساعة حتى حددت أقمار التجسس الأميركية مكانه بطلب من بسام أبو شريف.

"
لم يكن هناك اختلاف في السياسة بين حزبي العمل والليكود من حيث مفهوم إقامة الدولة الفلسطينية، إذ الحكم الذاتي سيطبق على الناس وليس على الأرض حسب مقولة مناحم بيغن
"

مستعمرات ومباحثات سلام
يعطى الكتاب تحليلا عميقا للأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويرجع الأحداث إلى أسبابها الحقيقية، استمرار الاحتلال وإقامة المستعمرات، ويسهب في الحديث عن الانتفاضة وأسبابها، ويركز على المجزرة التي حصلت داخل الجامع الإبراهيمي بالخليل والتي أدت إلى اندلاع الانتفاضة الأولى سنة 1987.

ويكشف عن الوجه الحقيقي لسياسة إسرائيل الاستيطانية، حيث أنها لم تجمد بناء المستعمرات عند بدء مفاوضات السلام كما ادعت دائما، وإنما استمرت في إقامة المستعمرات اليهودية وتوسيعها في خطة لتعزيز كثافة السكان اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

وفي عهد رابين وأثناء محادثات السلام مع الفلسطينيين تضاعف حجم هذه المستعمرات التي تهدف إلى التغيير الديمغرافي للمنطقة.

ويخلص الكاتب إلى أنه لم يكن هناك اختلاف في السياسة بين حزبي العمل والليكود الإسرائيليين من حيث مفهوم إقامة الدولة الفلسطينية، إذ الحكم الذاتي سيطبق على الناس وليس على الأرض حسب مقولة مناحم بيغن سنة 1978.

وبهذه السياسة ذهب حزب العمل إلى أوسلو بعد موافقته على مباحثات مباشرة مع الفلسطينيين، ولهذا سعت إسرائيل إلى التفاوض مع فلسطينيين من خارج الأراضي المحتلة أي مع منظمة التحرير لكي لا تتناول موضوع المستعمرات والقدس الشرقية.

وكانت المنظمة على استعداد للقبول بأي شيء على عكس الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مثل حنان عشراوي، وصائب عريقات وحيدر عبد الشافي، وهؤلاء استبعدوا تماما عن اتفاق أوسلو، وكانوا معارضين له فيما بعد.

الكاتب يقدم الكثير من التفاصيل عن الترتيبات السرية في أوسلو التي أدت إلى اتفاق أوسلو ومن ثم إلى المصافحة المشهورة بين ياسر عرفات وإسحق رابين في حديقة البيت الأبيض في واشنطن.

وككل الاتفاقات والحلول التي طرحت سابقا، فإن اتفاق أوسلو أتي من خلال لعبة دولية أثبتت الأحداث أن إسرائيل تمسك بكل خيوطها.

عميلة نرويجية للموساد
ويكشف الكتاب عن العديد من الأسرار من خلال سرده للأحداث السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وأهم هذه الأسرار ما كشفه عن عميلة نرويجية للموساد خلال الثمانينيات من القرن الماضي.

هذه العميلة أخذت اسم "كارين لينستاد" التي كانت ناشطة في لجنة فلسطين الداعمة للقضية الفلسطينية، وهي زوجة الدكتور النرويجي علي تروند لينستاد الذي أسلم لاحقا، وكان يترأس لجنة فلسطين آنذاك، وهو من أكثر الداعمين للقضية الفلسطينية.

وكشف الكاتب أن العميلة غذت الموساد بمعلومات مهمة ساعدت في عملية اغتيال قيادي حركة فتح خليل الوزير "أبو جهاد" الذي كان قد اغتيل في تونس سنة 1988.

كما كشف المؤلف عن إحباط الشرطة النرويجية لمحاولة اغتيال سيلفيا رافائيل من قبل أشخاص تابعين للقوة 17 التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية المسؤولة عن حماية ياسر عرفات.

"
اتفاق أوسلو كان نصرا للصهيونية حسب تعبير إسحق رابين، والأكثرية الفلسطينية اعتبرته استسلاما وليس سلاما

"

ورافائيل عميلة للموساد الإسرائيلي كانت قد اشتركت باغتيال المغربي أحمد بوشيكي في مدينة ليليهمر النرويجية عام 1973، وهذا الشخص المغربي بوشيكي كان يعمل نادلا في مقهى وذهب ضحية اشتباه الموساد بأنه هو أبو حسن سلامة الذي اغتيل لاحقا في بيروت بيد الموساد.

كما كشف الكاتب عن تفاصيل المعلومات المتعلقة بتحقيق أفراد من الموساد الإسرائيلي مع فلسطينيين من منظمة التحرير الفلسطينية كانوا قد طلبوا اللجوء السياسي قادمين من تونس.

علاقة جيدة مع إسرائيل
في الجزء الأخير من الكتاب وتحت عنوان "نصر للصهيونية" يخلص الكاتب إلى أن اتفاق أوسلو كان نصرا للصهيونية حسب تعبير إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، وأن الأكثرية الفلسطينية اعتبرته استسلاما وليس سلاما في رد على مقولة عرفات بأن نصف الرغيف أفضل من لا شيء.

وبالنسبة للسياسة الخارجية النرويجية فإنها بعد توقيع اتفاق أوسلو دون أن يأخذ الأمر وقتا طويلا رجعت إلى نقطة البداية "علاقة جيدة مع إسرائيل هي الأهم" بحسب رأي الكاتب.

وأخيرا تأتي أهمية الكتاب كما تقدم سابقا من أنه كتاب موثق، يحتوى على جزء لا بأس به من الإيضاحات والإحالات المرجعية التي تحيل القارئ إلى العديد من المقابلات الصحفية التي أجراها الكاتب وإلى العديد من تصريحات السياسيين.

وبالرغم من إغراق الكاتب في التفاصيل الصغيرة في بعض الأحيان، فإن هذا لم يبعده عن إيصال الفكرة الأساسية إلى القارئ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة