أيها الولد ... للإمام الغزالي   
الأربعاء 1433/1/5 هـ - الموافق 30/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:28 (مكة المكرمة)، 14:28 (غرينتش)

أيها الولد، العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون، وإذا لم تعمل اليوم، ولم تدارك الأيام الماضية، تقول غدا يوم القيامة، فارجعنا نعمل صالحا، فيقال: يا أحمق أنت من هناك تجيء.
 
حديثنا اليوم عن رسالة أيها الولد للإمام أبي حامد الغزالي الفقيه الصوفي الشافعي الأشعري الملقب بحجة الإسلام، مجدد القرن الخامس الهجري، أحد أهم أعلام عصره وأحد أشهر علماء الدين في التاريخ الإسلامي.
 
"
ألف الغزالي عديدا من الكتب والرسائل في علوم كثيرة كالفلسفة وعلم الكلام والفقه والتصوف والأخلاق، وقد تسابق العلماء والطلبة على اقتنائها واستنساخها ودراستها من جيل إلى جيل
"
ألف عديدا من الكتب والرسائل في علوم كثيرة كالفلسفة وعلم الكلام والفقه والتصوف والأخلاق، وقد تسابق العلماء والطلبة على اقتنائها واستنساخها ودراستها من جيل إلى جيل.
 
ورسالة أيها الولد من الكتب المشهورة والذائعة الصيت خاصة بين أهل الذوق الصوفي. وهي عبارة عن مجموعة من النصائح والإرشادات وجهها الغزالي لأحد تلامذته لتكون دستورا ومنهجا وطريقة له في حياته.
 
ينصح الغزالي تلميذه فيقول:
 
أيها الولد، كم ليال أحييتها بتكرار العلم، ومطالعة الكتب، وحرمت على نفسك النوم، ولا أعلم ما كان الباعث فيه! إن كان بنية عروض الدنيا وجذب حطامها وتحصيل مناصبها والمباهات على الأقران والأمثال فويل لك ثم ويل لك. وإن كان قصدك إحياء شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، وتهذيب أخلاقك، وكسر النفس الأمارة بالسوء، فطوبى لك ثم طوبى لك.
 
ولقد صدق من قال:
 
سهر العيون لغير وجهك باطل .. وبكاؤهن لغير حسنك ضائع
 
أيها الولد:
 
إني أنصحك أن تدع أربعة أشياء، إحداها، أن تناظر أحدا في مسألة ما استطعت، لأن فيها آفة كثيرة وإثمهما أكبر من نفعهما، إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها. نعم وقعت مسألة بينك وبين شخص أو قوم وكانت إرادتك فيها أن يظهر الحق ولا يضيع، جاز البحث. لكن لتلك الإرادة علامتان، إحداهما ألا تفرق بين أن ينكشف الحال على لسانك أو لسان غيرك، والثانية أن يكون البحث في الخلاء أحب من أن يكون في الملأ.
 
والثاني مما تدع، وهو أن تحذر وتحتذر من أن تكون واعظا أو مذكرا، لأن آفته كثيرة إلا أن تعمل بما تقول أولا، ثم تعظ به الناس.
 
"
أيها الولد..
لا تقبل شيئا من عطايا الأمراء وهداياهم، وإن علمت أنها من الحلال، لأن الطمع منهم يفسد الدين
"
والثالث مما تدع، ألا تخالط الأمراء والسلاطين، ولا تراهم، لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة، ولو ابتليت من غير اختيار بها. دع عنك مدحهم وثناءهم، لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم.
 
والرابع مما تدع: ألا تقبل شيئا من عطايا الأمراء وهداياهم، وإن علمت أنها من الحلال، لأن الطمع منهم يفسد الدين، لأنه يتولد من المداهنة ومراعاة جانبهم والموافقة بظلمهم، وهذا كله فساد في الدين، وأقل مضرته أنك إذا قبلت عطاياهم وانتفعت من دنانيرهم أحببتهم، ومن أحب أحدا يحب طول عمره وبقائه بالضرورة، وفي محبة بقاء الظالم إرادة الظلم على عباد الله وإرادة خراب العالم، فأي شيء أضر من هذا بالدين والعافية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة